النَّوْعُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ : ‏مَعْرِفَةُ الْمُسَلْسَلِ مِنَ الْحَدِيثِ
التَّسَلْسُلُ مِنْ نُعُوتِ الْأَسَانِيدِ ، وَهُوَ‏ عِبَارَةٌ عَنْ تَتَابُعِ رِجَالِ الْإِسْنَادِ وَتَوَارُدِهِمْ فِيهِ ، وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ ، عَلَى صِفَةٍ أَوْ حَالَةٍ وَاحِدَةٍ‏
. ‏
وَيَنْقَسِمُ ذَلِكَ إِلَى مَا يَكُونُ صِفَةً لِلرِّوَايَةِ وَالتَّحَمُّلِ ، وَإِلَى‏ مَا يَكُونُ صِفَةً لِلرُّوَاةِ أَوْ حَالَةً لَهُمْ‏ . ‏
ثُمَّ إِنَّ صِفَاتِهِمْ فِي ذَلِكَ وَأَحْوَالَهُمْ - أَقْوَالًا وَأَفْعَالًا وَنَحْوَ ذَلِكَ - تَنْقَسِمُ إِلَى مَا لَا نُحْصِيهِ‏ . ‏
وَنَوَّعَهُ الْحَاكِمُ ‏أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ‏ إِلَى ثَمَانِيَةِ أَنْوَاعٍ ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ فِيهَا إِنَّمَا هُوَ صُوَرٌ وَأَمْثِلَةٌ ثَمَانِيَةٌ‏ ، وَلَا انْحِصَارَ لِذَلِكَ فِي ثَمَانِيَةٍ كَمَا ذَكَرْنَاهُ‏ . ‏
وَمِثَالُ مَا يَكُونُ صِفَةً لِلرِّوَايَةِ وَالتَّحَمُّلِ‏ مَا يَتَسَلْسَلُ بِـ ( سَمِعْتُ فُلَانًا قَالَ : سَمِعْتُ فُلَانًا ) إِلَى آخِرِ الْإِسْنَادِ‏ ، أَوْ يَتَسَلْسَلُ بِـ ( ‏حَدَّثَنَا ) أَوْ ( ‏أَخْبَرَنَا ) إِلَى آخِرِهِ‏ ، وَمِنْ ذَلِكَ " ‏أَخْبَرَنَا وَاللَّهِ فُلَانٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا وَاللَّهِ فُلَانٌ " إِلَى آخِرِهِ‏ . ‏
وَمِثَالُ مَا يَرْجِعُ إِلَى صِفَاتِ الرُّوَاةِ وَأَقْوَالِهِمْ وَنَحْوِهَا‏ إِسْنَادُ [1/276] حَدِيثِ‏ : " ‏اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى شُكْرِكَ وَذِكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ‏ " الْمُتَسَلْسِلُ بِقَوْلِهِمْ‏ : ‏إِنِّي أُحِبُّكَ ، فَقُلْ‏ ، وَحَدِيثِ التَّشْبِيكِ بِالْيَدِ ، وَحَدِيثِ الْعَدِّ فِي الْيَدِ ، فِي أَشْبَاهٍ لِذَلِكَ نَرْوِيهَا وَتُرْوَى كَثِيرَةً . ‏
وَخَيْرُهَا مَا كَانَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى اتِّصَالِ السَّمَاعِ وَعَدَمِ التَّدْلِيسِ . ‏
وَمِنْ فَضِيلَةِ التَّسَلْسُلِ اشْتِمَالُهُ عَلَى مَزِيدِ الضَّبْطِ مِنَ الرُّوَاةِ ، وَقَلَّمَا تَسْلَمُ الْمُسَلْسَلَاتُ مِنْ ضَعْفٍ ، أَعْنِي فِي وَصْفِ التَّسَلْسُلِ لَا فِي أَصْلِ الْمَتْنِ‏ . ‏
وَمِنَ الْمُسَلْسَلِ مَا يَنْقَطِعُ تَسَلْسُلُهُ فِي وَسَطِ إِسْنَادِهِ ، وَذَلِكَ نَقْصٌ فِيهِ ، وَهُوَ كَالْمُسَلْسَلِ بِأَوَّلِ حَدِيثٍ سَمِعْتَهُ‏ عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ‏ . ‏