12 - الْفَرَّاءُ
الْعَلَّامَةُ ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ أَبُو زَكَرِيَّا ، يَحْيَى بْنُ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ [10/119] ابْنِ مَنْظُورٍ الْأَسَدِيُّ مَوْلَاهُمُ الْكُوفِيُّ النَّحْوِيُّ ، صَاحِبُ الْكِسَائِيِّ .
يَرْوِي عَنْ : قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ ، وَمَنْدَلِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَأَبِي الْأَحْوَصِ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ ، وَعَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ الْكِسَائِيِّ .
رَوَى عَنْهُ : سَلَمَةُ بْنُ عَاصِمٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ السِّمَّرِيُّ وَغَيْرُهُمَا . وَكَانَ ثِقَةً .
وَرَدَ عَنْ ثَعْلَبٍ أَنَّهُ قَالَ : لَوْلَا الْفَرَّاءُ ، لَمَا كَانَتْ عَرَبِيَّةٌ ، وَلَسَقَطَتْ ، لِأَنَّهُ خَلَّصَهَا ، وَلِأَنَّهَا كَانَتْ تُتَنَازَعُ وَيَدَّعِيهَا كُلُّ أَحَدٍ .
وَنَقَلَ أَبُو بُدَيْلٍ الْوَضَّاحِيُّ أَنَّ الْمَأْمُونَ أَمَرَ الْفَرَّاءَ أَنْ يُؤَلِّفَ مَا يَجْمَعُ بِهِ أَصُولَ النَّحْوِ ، وَأُفْرِدَ فِي حُجْرَةٍ ، وَقَرَّرَ لَهُ خَدَمًا وَجِوَارِيَ ، وَوَرَّاقِينَ ، فَكَانَ يُمْلِي فِي ذَلِكَ سِنِينَ . قَالَ : وَلَمَّا أَمْلَى كِتَابَ : " مَعَانِي الْقُرْآنِ " اجْتَمَعَ لَهُ الْخَلْقُ ، فَكَانَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ ثَمَانُونَ قَاضِيًا ، وَأَمَلَّ " الْحَمْدَ " فِي مِائَةِ وَرَقَةٍ .
وَكَانَ الْمَأْمُونُ قَدْ وَكَّلَ بِالْفَرَّاءِ وَلَدَيْهِ يُلَقِّنُهُمَا النَّحْوَ ، فَأَرَادَ الْقِيَامَ ، فَابْتَدَرَا إِلَى نَعْلِهِ ، فَقَدَّمَ كُلُّ وَاحِدٍ فَرْدَةً ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمَأْمُونَ ، فَقَالَ : لَنْ يَكْبُرَ الرَّجُلُ عَنْ تَوَاضُعِهِ لِسُلْطَانِهِ وَأَبِيهِ وَمُعَلِّمِهِ .
[10/120] قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : لَوْ لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ بَغْدَادَ وَالْكُوفَةِ مِنَ النُّحَاةِ إِلَّا الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ لَكَفَى ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ : الْفَرَّاءُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي النَّحْوِ .
وَعَنْ هَنَّادٍ قَالَ : كَانَ الْفَرَّاءُ يَطُوفُ مَعَنَا عَلَى الشُّيُوخِ وَلَا يَكْتُبُ ، فَظَنَنَّا أَنَّهُ كَانَ يَحْفَظُ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ : مَا رَأَيْتُ مَعَ الْفَرَّاءِ كِتَابًا قَطُّ إِلَّا كِتَابَ يَافِعٍ وَيَفَعَةٍ .
وَعَنْ ثُمَامَةَ بْنِ أَشْرَسَ : رَأَيْتُ الْفَرَّاءَ ، فَفَاتَشْتُهُ عَنِ اللُّغَةِ ، فَوَجَدْتُهُ بَحْرًا ، وَعَنِ النَّحْوِ فَشَاهَدْتُهُ نَسِيجَ وَحْدِهِ ، وَعَنِ الْفِقْهِ فَوَجَدْتُهُ عَارِفًا بِاخْتِلَافِ الْقَوْمِ ، وَبِالطِّبِّ خَبِيرًا ، وَبِأَيَّامِ الْعَرَبِ وَالشِّعْرِ وَالنُّجُومِ ، فَأَعْلَمْتُ بِهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَطَلَبَهُ .
وَلِلْفَرَّاءِ كِتَابُ " الْبَهِيِّ " فِي حَجْمِ " الْفَصِيحِ " لِثَعْلَبٍ ، وَفِيهِ أَكْثَرُ مَا فِي " الْفَصِيحِ " غَيْرَ أَنَّ ثَعْلَبًا رَتَّبَهُ عَلَى صُورَةٍ أُخْرَى .
وَمِقْدَارُ تَوَالِيفِ الْفَرَّاءِ ، ثَلَاثَةُ آلَافِ وَرَقَةٍ .
وَقَالَ سَلَمَةُ : أَمْلَى الْفَرَّاءُ كُتُبَهُ كُلَّهَا حِفْظًا .
وَقِيلَ : عُرِفَ بِالْفَرَّاءِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَفْرِي الْكَلَامَ .
[10/121] وَقَالَ سَلَمَةُ : إِنِّي لَأَعْجَبُ مِنَ الْفَرَّاءِ كَيْفَ يُعَظِّمُ الْكِسَائِيَّ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالنَّحْوِ مِنْهُ .
مَاتَ الْفَرَّاءُ بِطَرِيقِ الْحَجِّ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَتَيْنِ ، وَلَهُ ثَلَاثٌ وَسُتُّونَ سَنَةً رَحِمَهُ اللَّهُ .