[1/47] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .
مُقَدِّمَةُ ابْنِ قُتَيْبَةَ .
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ .
مَطَاعِنُ الْمُنَاهِضِينَ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ
( أَمَّا بَعْدُ ) أَسْعَدَكَ اللَّهُ تَعَالَى بِطَاعَتِهِ ، وَحَاطَكَ بِكِلَاءَتِهِ ، وَوَفَّقَكَ لِلْحَقِّ بِرَحْمَتِهِ ، وَجَعَلَكَ مِنْ أَهْلِهِ فَإِنَّكَ كَتَبْتَ إِلَيَّ تُعْلِمُنِي مَا وَقَفْتَ عَلَيْهِ مِنْ ثَلْبِ أَهْلِ الْكَلَامِ أَهْلَ الْحَدِيثِ وَامْتِهَانِهِمْ ، وَإِسْهَابِهِمْ فِي الْكُتُبِ بِذَمِّهِمْ وَرَمْيِهِمْ بِحَمْلِ الْكَذِبِ وَرِوَايَةِ الْمُتَنَاقِضِ حَتَّى وَقَعَ الْاخْتِلَافُ وَكَثُرَتِ النِّحَلُ ، وَتَقَطَّعَتِ الْعِصَمُ وَتَعَادَى الْمُسْلِمُونَ وَأَكْفَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَتَعَلَّقَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ لِمَذْهَبِهِ بِجِنْسٍ مِنَ الْحَدِيثِ :
1 - فَالْخَوَارِجُ تَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ " ضَعُوا سُيُوفَكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ ثُمَّ [1/48] أَبِيدُوا خَضْرَاءَهُمْ .
وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ خِلَافُ مَنْ خَالَفَهُمْ
وَ " مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ " .
2- وَالْقَاعِدُ يَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ : عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ ، فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهَا
وَ " مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قَيْدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ " .
وَ " اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ مُجَدَّعُ الْأَطْرَافِ " .
[1/49] وَ " صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ " .
وَلَا بُدَّ مِنْ إِمَامٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ .
وَ " كُنْ جَلِيسَ بَيْتِكَ فَإِنْ دُخِلَ عَلَيْكَ فَادْخُلْ مَخْدَعَكَ ، فَإِنْ دُخِلَ عَلَيْكَ فَقُلْ بُؤْ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ " .
وَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ ، وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ .
3- وَالْمُرْجِئُ يَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ : " مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ قِيلَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ ؟ قَالَ : وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ .
وَ " مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَلَمْ تَمَسُّهُ النَّارُ " . وَ " أَعْدَدْتُ شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي " .
4- وَالْمُخَالِفُ لَهُ يَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ : لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ " .
[1/50] وَ " لَمْ يُؤْمِنْ مَنْ لَمْ يَأْمَنْ جَارُهُ بَوَائِقَهُ " .
وَ " لَمْ يُؤْمِنْ مَنْ لَمْ يَأْمَنِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ " . وَ " يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ رَجُلٌ قَدْ ذَهَبَ حَبْرُهُ وَسَبْرُهُ " . وَ " يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ قَوْمٌ قَدِ امْتَحَشُوا فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ ، أَوْ كَمَا تَنْبُتُ التَّغَارِيزُ .
5 - وَالْقَدَرِيُّ يَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَّى يَكُونَ أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ .وَبِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي جَمِيعًا حُنَفَاءَ فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ دِينِهِمْ .
6 - وَالْمُفَوِّضُ يَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِمْ : اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ. أَمَّا [1/51] مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَهُوَ يَعْمَلُ لِلسَّعَادَةِ ، وَأما مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيَعْمَلُ لِلشَّقَاءِ.
وَ " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَسَحَ ظَهْرَ آدَمَ فَقَبَضَ قَبْضَتَيْنِ ، فَأَمَّا الْقَبْضَةُ الْيُمْنَى فَقَالَ: إِلَى الْجَنَّةِ بِرَحْمَتِي وَالْقَبْضَةُ الْأُخْرَى فَقَالَ: إِلَى النَّارِ وَلَا أُبَالِي . وَالسَّعِيدُ مَنْ سَعِدَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ .
7 - وَالرَّافِضَةُ تَتَعَلَّقُ فِي إِكْفَارِهَا صَحَابَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرِوَايَتِهِمْ لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ أَقْوَامٌ ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي ، فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّي أُصَيْحَابِي أُصَيْحَابِي ، فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ، إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ.
وَ " لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ " .وَيَحْتَجُّونَ بِتَقْدِيمِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِرِوَايَتِهِمْ أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي . وَ " مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ .
[1/52] وَأَنْتَ وَصِيِّ .
8 - وَمُخَالِفُوهُمْ يَحْتَجُّونَ فِي تَقْدِيمِ الشَّيْخَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِرِوَايَتِهِمْ اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ . وَ " يَأْبَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْمُسْلِمُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ " . وَ خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ .
9 - وَيَتَعَلَّقُ مُفَضِّلُو الْغِنَى بِرِوَايَتِهِمْ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ غِنَايَ وَغِنَى مَوْلَايَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فَقْرٍ مَرَبٍّ أَوْ مُلِبٍّ .
10 - وَيَتَعَلَّقُ مُفَضِّلُو الْفَقْرِ بِرِوَايَتِهِمْ : اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا ، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ . وَ الْفَقْرُ بِالرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ أَحْسَنُ مِنَ الْعَذَارِ الْحَسَنِ عَلَى خَدِّ الْفَرَسِ .
[1/53] 11 - وَيَتَعَلَّقُ الْقَائِلُونَ بِالْبَدَاءِ - بِالْبِرِّ أَنَّهُ يُنْسِئُ الْعُمُرَ ، وَبِالْعُقُوقِ أَنَّهُ يَخْرِمُ الْعُمُرَ - بِرِوَايَتِهِمْ : صِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ ، وَالصَّدَقَةُ تَدْفَعُ الْقَضَاءَ الْمُبْرَمَ .
وَبِقَوْلِ عُمَرَ : ( اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي فِي أَهْلِ الشَّقَاءِ فَامْحُنِي وَاكْتُبْنِي فِي أَهْلِ السَّعَادَةِ ) .
12 - هَذَا مَعَ رِوَايَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي الْأَحْكَامِ ، اخْتَلَفَ لَهَا الْفُقَهَاءُ فِي الْفُتْيَا ، حَتَّى افْتَرَقَ الْحِجَازِيُّونَ وَالْعِرَاقِيُّونَ فِي أَكْثَرِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ ، وَكُلٌّ يَبْنِي عَلَى أَصْلٍ مِنْ رِوَايَتِهِمْ .
قَالُوا : وَمَعَ افْتِرَائِهِمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي أَحَادِيثِ التَّشْبِيهِ كَحَدِيثِ " عَرَقِ الْخَيْلِ " وَ " زَغَبِ الصَّدْرِ " وَ " نُورِ الذِّرَاعَيْنِ " وَ " عِيَادَةِ الْمَلَائِكَةِ " وَ " قَفَصِ الذَّهَبِ عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ " وَ " الشَّابِّ الْقَطِطِ ، وَدُونَهُ فِرَاشُ الذَّهَبِ " وَ " كَشْفِ السَّاقِ يَوْمَ [1/54] الْقِيَامَةِ إِذَا كَادُوا يُبَاطِشُونَهُ " وَ خَلْقِ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ وَ وَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفِيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَنْدُوَتَيَّ . وَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ تَعَالَى .
وَمَعَ رِوَايَتِهِمْ كُلُّ سَخَافَةٍ تَبْعَثُ عَلَى الْإِسْلَامِ الطَّاعِنِينَ ، وَتُضْحِكُ مِنْهُ الْمُلْحِدِينَ ، وَتُزَهِّدُ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ الْمُرْتَادِينَ ، وَتَزِيدُ فِي شُكُوكِ الْمُرْتَابِينَ.
كَرِوَايَتِهِمْ فِي " عَجِيزَةِ الْحَوْرَاءِ إِنَّهَا مَيْلٌ فِي مَيْلٍ " وَفِيمَنْ قَرَأَ سُورَةَ كَذَا ، وَمَنْ فَعَلَ كَذَا أُسْكِنَ مِنَ الْجَنَّةِ سَبْعِينَ أَلْفَ قَصْرٍ ، فِي كُلِّ قَصْرٍ سَبْعُونَ أَلِفَ مَقْصُورَةٍ ، فِي كُلِّ مَقْصُورَةٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مِهَادٍ ، عَلَى كُلِّ مِهَادٍ سَبْعُونَ أَلْفَ كَذَا .
وَكَرِوَايَتِهِمْ : فِي الْفَأْرَةِ إِنَّهَا يَهُودِيَّةٌ ، وَإِنَّهَا لَا تَشْرَبُ أَلْبَانَ الْإِبِلِ كَمَا أَنَّ الْيَهُودَ لَا تَشْرَبُهَ . وَفِي الْغُرَابِ إِنَّهُ فَاسِقٌ وَفِي السِّنَّوْرِ إِنَّهَا عَطْسَةُ [1/55] الْأَسَدِ وَالْخِنْزِيرِ إِنَّهُ عَطْسَةُ الْفِيلِ ، وَأَنَّ الْإِرْبِيَانَةِ كَانَتْ خَيَّاطَةٌ تَسْرِقُ الْخُيُوطَ فَمُسِخَتْ ، وَأَنَّ الضَّبَّ كَانَ يَهُودِيًّا عَاقًّا فَمُسِخَ ، وَأَنَّ سُهَيْلًا كَانَ عَشَّارًا بِالْيَمَنِ وَأَنَّ الزُّهْرَةَ كَانَتْ بَغِيًّا عَرَجَتْ إِلَى السَّمَاءِ بِاسْمِ اللَّهِ الْأَكْبَرِ ، فَمَسَخَهَا اللَّهُ شِهَابًا وَأَنَّ الْوَزَغَةَ كَانَتْ تَنْفُخُ النَّارَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَالْعَظَايَةَ تَمُجُّ الْمَاءَ عَلَيْهِ وَأَنَّ الْغُولَ كَانَتْ تَأْتِي مَشْرَبَةَ أَبِي أَيُّوبَ كُلَّ لَيْلَةٍ وَأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صَارَعَ الْجِنِّيَّ فَصَرَعَهُ وَأَنَّ الْأَرْضَ عَلَى ظَهْرِ حُوتٍ ، وَأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ مِنْ كَبِدِهِ أَوَّلَ مَا يَدْخُلُونَ وَأَنَّ ذِئْبًا دَخَلَ الْجَنَّةَ لِأَنَّهُ أَكَلَ عَشَّارًا وَإِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي الْإِنَاءِ ، فَامْقِلُوهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ سُمًّا ، وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً وَأَنَّهُ يُقَدِّمُ السُّمَّ وَيُؤَخِّرُ الشِّفَاءَ وَأَنَّ الْإِبِلَ خُلِقَتْ مِنَ الشَّيْطَانِ مَعَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ يَطُولُ اسْتِقْصَاؤُهَا .
قَالُوا : وَمِنْ عَجِيبِ شَأْنِهِمْ أَنَّهُمْ يَنْسُبُونَ الشَّيْخَ إِلَى الْكَذِبِ وَلَا يَكْتُبُونَ عَنْهُ مَا يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ الْمُحَدِّثُونَ بِقَدْحِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَعَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ وَأَشْبَاهِهِمَا .
[1/56] وَيَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا لَا يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَقَدْ أَكْذَبَهُ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَائِشَةُ .
وَيَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ وَقَدْ أَكْذَبَهَا عُمَرُ وَعَائِشَةُ وَقَالُوا: لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ .
وَيُبَهْرِجُونَ الرَّجُلَ بِالْقَدَرِ فَلَا يَحْمِلُونَ عَنْهُ كَـ " غَيْلَانَ " وَعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وَمَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ وَعَمْرِو بْنِ فَائِدٍ ، وَيَحْمِلُونَ عَنْ أَمْثَالِهِمْ مِنْ [1/57] أَهْلِ مَقَالَتِهِمْ كـَ " قَتَادَةَ " ، وَابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ .
وَيَقْدَحُونَ فِي الشَّيْخِ يُسَوِّي بَيْنَ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ أَوْ يُقَدِّمُ عَلِيًّا عَلَيْهِ. وَيَرْوُونَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ صَاحِبِ رَايَةِ الْمُخْتَارِ ، وَعَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ ، وَكِلَاهُمَا يَقُولُ بِالرَّجْعَةِ .
قَالُوا : وَهُمْ مَعَ هَذَا أَجْهَلُ النَّاسِ بِمَا يَحْمِلُونَ ، وَأَبْخَسُ النَّاسِ حَظًّا فِيمَا يَطْلُبُونَ وَقَالُوا فِي ذَلِكَ :
[1/58]
زَوَامِلُ لِلْأَشْعَارِ لَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ
بِجَيِّدِهَا إِلَّا كَعِلْمِ الْأَبَاعِرِ
لَعَمْرُكَ مَا يَدْرِي الْبَعِيرُ إِذَا غَدَا
بِأَحْمَالِهِ أَوْ رَاحَ مَا فِي الْغَرَائِرِ
قَدْ قَنِعُوا مِنَ الْعِلْمِ بِرَسْمِهِ ، وَمِنَ الْحَدِيثِ بِاسْمِهِ .
وَرَضُوا بِأَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ عَارِفٌ بِالطُّرُقِ ، وَرَاوِيَةٌ لِلْحَدِيثِ. وَزَهِدُوا فِي أَنْ يُقَالَ : عَالِمٌ بِمَا كَتَبَ ، أَوْ عَامِلٌ بِمَا عَلِمَ .
وَقَالَ : وَمَا ظَنُّكُمْ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ ، يُحْمَلُ عَنْهُ الْعِلْمُ وَتُضْرَبُ إِلَيْهِ أَعْنَاقُ الْمَطِيِّ خَمْسِينَ سَنَةً أَوْ نَحْوَهَا ، سُئِلَ فِي مَلَأٍ مِنَ النَّاسِ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي بِئْرٍ فَقَالَ : " الْبِئْرُ جُبَارٌ " وَآخَرَ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ فَقَالَ : هُوَ هَذَا الصَّرْصَرُ ، يَعْنِي صَرَاصِرَ اللَّيْلِ .
وَآخَرَ حَدَّثَهُمْ عَنْ سَبْعَةٍ وَسَبْعِينَ ، يُرِيدُ شُعْبَةَ وَسَفِينَ وَآخَرَ رَوَى لَهُمْ: يَسْتُرُ الْمُصَلِّيَ مِثْلُ آجُرَّةِ الرَّجُلِ ، يُرِيدُ: مِثْلَ آخِرَةِ الرَّحْلِ.
[1/59] وَسُئِلَ آخَرُ : مَتَى يَرْتَفِعُ هَذَا الْأَجَلُ ؟ فَقَالَ : إِلَى قَمَرَيْنِ ، يُرِيدُ إِلَى شَهْرَيْ هِلَالٍ .
وَقَالَ آخَرُ : يُدْخِلُ يَدَهُ فِي فِيهِ فَيَقْضِمُهَا قَضْمَ الْفُجْلِ ، يُرِيدُ: قَضْمَ الْفَحْلِ .
وَقَالَ آخَرُ: أَجِدُ فِي كِتَابِي الرَّسُولَ وَلَا أَجِدُ اللَّهَ ، يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ الْمُسْتَمْلِي : اكْتُبُوا وَشَكَّ فِي اللَّهِ تَعَالَى ، مَعَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ يَطُولُ تَعْدَادُهَا .
قَالُوا : وَكُلَّمَا كَانَ الْمُحَدِّثُ أَمْوَقَ كَانَ عِنْدَهُمْ أَنْفَقَ ، وَإِذَا كَانَ كَثِيرَ اللَّحْنِ وَالتَّصْحِيفِ كَانُوا بِهِ أَوْثَقَ ، وَإِذَا سَاءَ خُلُقُهُ وَكَثُرَ غَضَبُهُ وَاشْتَدَّتْ حِدَّتُهُ وَعَثرَ فِي الْحَدِيثِ تَهَافَتُوا عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ كَانَ الْأَعْمَشُ يَقْلِبُ الْفَرْوَ وَيَلْبَسُهُ وَيَطْرَحُ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْدِيلَ الْخِوَانِ ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ إِسْنَادِ حَدِيثٍ ، فَأَخَذَ بِحَلْقِهِ وَأَسْنَدَهُ إِلَى الْحَائِطِ وَقَالَ : هَذَا إِسْنَادُهُ .
وَقَالَ : إِذَا رَأَيْتُ الشَّيْخَ لَمْ يَطْلُبِ الْفِقْهَ أَحْبَبْتُ أَنْ أَصْفَعَهُ مَعَ حَمَاقَاتٍ كَثِيرَةٍ تُؤْثَرُ عَنْهُ لَا نَحْسَبُهُ كَانَ يُظْهِرُهَا إِلَّا لِيَنْفُقَ بِهَا عِنْدَهُمْ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا مَا حَكَيْتَ مِنْ طَعْنِهِمْ عَلَى أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، وَشَكَوْتَ تَطَاوُلَ الْأَمْرِ بِهِمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْضَحَ عَنْهُمْ نَاضِحٌ ، [1/60] وَيَحْتَجَّ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ مُحْتَجٌّ أَوْ يَتَأَوَّلَهَا مُتَأَوِّلٌ ، حَتَّى أَنِسُوا بِالْعَيْبِ وَرَضُوا بِالْقَذْفِ ، وَصَارُوا بِالْإِمْسَاكِ عَنِ الْجَوَابِ كَالْمُسَلِّمِينَ ، وَبِتِلْكَ الْأُمُورِ مُعْتَرِفِينَ .
وَتَذْكُرْ أَنَّكَ وَجَدْتَ فِي كِتَابِي الْمُؤَلَّفِ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ بَابًا ذَكَرْتُ فِيهِ شَيْئًا مِنَ الْمُتَنَاقِضِ عِنْدَهُمْ ، وَتَأَوَّلْتُهُ فَأَمَّلْتَ بِذَلِكَ أَنْ تَجِدَ عِنْدِي فِي جَمِيعِهِ مِثْلَ الَّذِي وَجَدْتَهُ فِي تِلْكَ مِنَ الْحُجَجِ ، وَسَأَلْتَ أَنْ أَتَكَلَّفَ ذَلِكَ مُحْتَسِبًا لِلثَّوَابِ .
فَتَكَلَّفْتُهُ بِمَبْلَغِ عِلْمِي وَمِقْدَارِ طَاقَتِي ، وَأَعَدْتُ مَا ذَكَرْتُ فِي كُتُبِي مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لِيَكُونَ الْكِتَابُ تَامًّا جَامِعًا لِلْفَنِّ الَّذِي قَصَدُوا الطَّعْنَ بِهِ .
وَقَدَّمْتُ - قَبْلَ ذِكْرِ الْأَحَادِيثِ وَكَشْفِ مَعَانِيهَا - وَصْفَ أَصْحَابِ الْكَلَامِ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ بِمَا أُعَرِّفُ بِهِ كُلَّ فَرِيقٍ .
وَأَرْجُو أَنْ لَا يَطَّلِعَ ذَوُو النُّهَى مِنِّي عَلَى تَعَمُّدٍ لِتَمْوِيهٍ ، وَلَا إِيثَارٍ لِهَوًى ، وَلَا ظُلْمٍ لِخَصْمٍ .
وَعَلَى اللَّهِ أَتَوَكَّلُ فِيمَا أُحَاوِلُ وَبِهِ أَسْتَعِينُ .