[1/35] بَابُ الْهَمْزَةِ مَعَ الرَّاءِ
( أَرَبَ ) ( هـ ) فِيهِ : أَنَّ رَجُلًا اعْتَرَضَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَسْأَلَهُ فَصَاحَ بِهِ النَّاسُ ، فَقَالَ : دَعُوا الرَّجُلَ أَرِبَ مَالَهُ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ : إِحْدَاهَا أَرِبَ بِوَزْنِ عَلِمَ ، وَمَعْنَاهَا الدُّعَاءُ عَلَيْهِ ، أَيْ أُصِيبَتْ آرَابُهُ وَسَقَطَتْ ، وَهِيَ كَلِمَةٌ لَا يُرَادُ بِهَا وُقُوعُ الْأَمْرِ ، كَمَا يُقَالُ تَرِبَتْ يَدَاكَ ، وَقَاتَلَكَ اللَّهُ ، وَإِنَّمَا تُذْكَرُ فِي مَعْرِضِ التَّعَجُّبِ . وَفِي هَذَا الدُّعَاءِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا تَعَجُّبُهُ مِنْ حِرْصِ السَّائِلِ وَمُزَاحَمَتِهِ ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَمَّا رَآهُ بِهَذِهِ الْحَالِ مِنَ الْحِرْصِ غَلَبَهُ طَبْعُ الْبَشَرِيَّةِ فَدَعَا عَلَيْهِ . وَقَدْ قَالَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ فَمَنْ دَعَوْتُ عَلَيْهِ فَاجْعَلْ دُعَائِي لَهُ رَحْمَةً وَقِيلَ مَعْنَاهُ احْتَاجَ فَسَأَلَ ، مِنْ أَرِبَ الرَّجُلُ يَأْرَبُ إِذَا احْتَاجَ ، ثُمَّ قَالَ مَا لَهُ ؟ أَيْ أَيُّ شَيْءٍ بِهِ ؟ وَمَا يُرِيدُ ؟
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : " أَرَبَ مَالَهُ ، بِوَزْنِ جَمَلَ ، أَيْ حَاجَةً لَهُ ، وَمَا زَائِدَةٌ لِلتَّقْلِيلِ ، أَيْ لَهُ حَاجَةٌ يَسِيرَةٌ . وَقِيلَ مَعْنَاهُ حَاجَةٌ جَاءَتْ بِهِ ، فَحُذِفَ ، ثُمَّ سَأَلَ فَقَالَ مَا لَهُ .
وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ أَرِبٌ بِوَزْنِ كَتِفٍ ، وَالْأَرِبُ الْحَاذِقُ الْكَامِلُ ، أَيْ هُوَ أَرِبٌ ، فَحُذِفَ الْمُبْتَدَأُ ثُمَّ سَأَلَ فَقَالَ : مَا لَهُ أَيْ مَا شَأْنُهُ .
( س ) وَمِثْلُهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ أَنَّهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ ، فَقَالَ : أَرُبَ مَا لَهُ أَيْ أَنَّهُ ذُو خِبْرَةٍ وَعِلْمٍ . يُقَالُ : أَرُبَ الرَّجُلُ بِالضَّمِّ فَهُوَ أَرِيبٌ ، أَيْ صَارَ ذَا فِطْنَةٍ . وَرَوَاهُ الْهَرَوِيُّ " إِرْبٌ مَا لَهُ " بِوَزْنِ حِمْلٍ أَيْ أَنَّهُ ذُو إِرْبٍ : خِبْرَةٍ وَعِلْمٍ .
( س [هـ] ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ " أَنَّهُ نَقِمَ عَلَى رَجُلٍ قَوْلًا قَالَهُ ، فَقَالَ : أَرِبْتَ عَنْ ذِي يَدَيْكَ " أَيْ سَقَطَتْ آرَابُكَ مِنَ الْيَدَيْنِ خَاصَّةً . وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : مَعْنَاهُ ذَهَبَ مَا فِي يَدَيْكَ حَتَّى تَحْتَاجَ . وَفِي هَذَا [1/36] نَظَرٌ ، لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِهَذَا الْحَدِيثِ " خَرَرْتَ عَنْ يَدَيْكَ " وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الْخَجَلِ مَشْهُورَةٌ ، كَأَنَّهُ أَرَادَ أَصَابَكَ خَجَلٌ أَوْ ذَمٌّ . وَمَعْنَى خَرَرْتَ : سَقَطْتَ .
( هـ ) وَفِي الْحَدِيثِ : أَنَّهُ ذَكَرَ الْحَيَّاتِ فَقَالَ : مَنْ خَشِيَ إِرْبَهُنَّ فَلَيْسَ مِنَّا الْإِرْبُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ : الدَّهَاءُ ، أَيْ مِنْ خَشِيَ غَائِلَتَهَا وَجَبُنَ عَنْ قَتْلِهَا - لِلَّذِي قِيلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِنَّهَا تُؤْذِي قَاتِلَهَا أَوْ تُصِيبُهُ بِخَبَلٍ - فَقَدْ فَارَقَ سُنَّتَنَا وَخَالَفَ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ .
( هـ ) وَفِي حَدِيثِ الصَّلَاةِ " كَانَ يَسْجُدُ عَلَى سَبْعَةِ آرَابٍ " أَيْ أَعْضَاءٍ ، وَاحِدُهَا إِرْبٌ بِالْكَسْرِ وَالسُّكُونِ ، وَالْمُرَادُ بِالسَّبْعَةِ : الْجَبْهَةُ وَالْيَدَانِ وَالرُّكْبَتَانِ وَالْقَدَمَانِ .
( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ " كَانَ أَمْلَكَكُمْ لِأَرَبِهِ " أَيْ لِحَاجَتِهِ ، تَعْنِي أَنَّهُ كَانَ غَالِبًا لِهَوَاهُ . وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ يَرْوُونَهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ يَعْنُونَ الْحَاجَةَ ، وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ، وَلَهُ تَأْوِيلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ الْحَاجَةُ ، يُقَالُ فِيهَا الْأَرَبُ ، وَالْإِرْبُ وَالْإِرْبَةُ وَالْمَأْرُبَةُ ، وَالثَّانِي أَرَادَتْ بِهِ الْعُضْوَ ، وَعَنَتْ بِهِ مِنَ الْأَعْضَاءِ الذَّكَرَ خَاصَّةً .
* وَفِي حَدِيثِ الْمُخَنَّثِ : " كَانُوا يَعُدُّونَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ " أَيِ النِّكَاحِ .
( س ) وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ " قَالَ : فَأَرِبْتُ بِأَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ تَضْرُرْ بِي إِرْبَةٌ أَرِبْتُهَا قَطُّ قَبْلَ يَوْمَئِذٍ " أَرِبْتُ بِهِ أَيِ احْتَلْتُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مِنَ الْإِرْبِ : الدَّهَاءِ وَالنُّكْرِ .
( س ) وَفِيهِ : " قَالَتْ قُرَيْشٌ : لَا تَعْجَلُوا فِي الْفِدَاءِ لَا يَأْرَبُ عَلَيْكُمْ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ " أَيْ يَتَشَدَّدُونَ عَلَيْكُمْ فِيهِ . يُقَالُ : أَرِبَ الدَّهْرُ يَأْرَبُ إِذَا اشْتَدَّ وَتَأَرَّبَ عَلَيَّ إِذَا تَعَدَّى . وَكَأَنَّهُ مِنَ الْأُرْبَةِ : الْعُقْدَةُ .
( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ " قَالَ لِابْنِهِ عَمْرٍو : لَا تَتَأَرَّبْ عَلَى بَنَاتِي " أَيْ لَا تَتَشَدَّدْ وَلَا تَتَعَدَّ .
( هـ ) وَفِي الْحَدِيثِ : " أَنَّهُ أُتِيَ بِكَتِفٍ مُؤَرَّبَةٍ " أَيْ مُوَفَّرَةٍ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا شَيْءٌ . أَرَّبْتُ الشَّيْءَ تَأْرِيبًا إِذَا وَفَّرْتَهُ .
( هـ ) وَفِيهِ : " مُؤَارَبَةُ الْأَرِيبِ جَهْلٌ وَعَنَاءٌ " أَيْ إِنَّ الْأَرِيبَ - وَهُوَ الْعَاقِلُ - لَا يُخْتَلُ عَنْ عَقْلِهِ .
[1/37] ( س ) وَفِي حَدِيثِ جُنْدُبٍ " خَرَجَ بِرِجْلٍ آرَابٌ " قِيلَ : هِيَ الْقُرْحَةُ ، وَكَأَنَّهَا مِنْ آفَاتِ الْآرَابِ : الْأَعْضَاءِ .