|
[9/7] الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ( فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ( 88 ) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ " ، فَمَا شَأْنُكُمْ ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، فِي أَهْلِ النِّفَاقِ فِئَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ " وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا " ، يَعْنِي بِذَلِكَ : وَاللَّهُ رَدَّهُمْ إِلَى أَحْكَامِ أَهْلِ الشِّرْكِ ، فِي إِبَاحَةِ دِمَائِهِمْ وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ . وَ " الْإِرْكَاسُ " ، الرَّدُّ ، وَمِنْهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ :
| فَأُرْكِسُوا فِي حَمِيمِ النَّارِ ، إِنَّهُمُ | | كَانُوا عُصَاةً وَقَالُوا الْإِفْكَ وَالزُّورَا |
يُقَالُ مِنْهُ : " أَرْكَسَهُمْ " وَ " رَكَسَهُمْ " . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَأُبَيٍّ : ( وَاللَّهُ رَكَسَهُمْ ) ، بِغَيْرِ " أَلِفٍ " . [9/8] وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : نَزَلَتْ فِي اخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ وَانْصَرَفُوا إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَقَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلِأَصْحَابِهِ : لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 167 ] . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10049 - حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّ يُحَدِّثُ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ ، رَجَعَتْ طَائِفَةٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ ، فَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ ، فِرْقَةً تَقُولُ : " نَقْتُلُهُمْ " ، وَفِرْقَةً تَقُولُ : " لَا " . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا " الْآيَةَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَدِينَةِ : إِنَّهَا طَيْبَةٌ ، وَإِنَّهَا تَنْفِي خَبَثَهَا كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ . 10050 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ . 10051 - حَدَّثَنِي زُرَيْقُ بْنُ السَّخْتِ قَالَ : حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : ذَكَرُوا الْمُنَافِقِينَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ فَرِيقٌ : " نَقْتُلُهُمْ " ، وَقَالَ فَرِيقٌ : " لَا نَقْتُلُهُمْ " . فَأَنْزَلَ [9/9] اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ " إِلَى آخِرِ الْآيَةِ وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ فِي اخْتِلَافٍ كَانَ بَيْنَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْمٍ كَانُوا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ مِنْ مَكَّةَ ، فَأَظْهَرُوا لِلْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى مَكَّةَ وَأَظْهَرُوا لَهُمُ الشِّرْكَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10052 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ " ، قَالَ : قَوْمٌ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ حَتَّى أَتَوُا الْمَدِينَةَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُهَاجِرُونَ ، ثُمَّ ارْتَدُّوا بَعْدَ ذَلِكَ ، فَاسْتَأْذَنُوا [9/10] النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّةَ لِيَأْتُوا بِبَضَائِعَ لَهُمْ يَتَّجِرُونَ فِيهَا . فَاخْتَلَفَ فِيهِمُ الْمُؤْمِنُونَ ، فَقَائِلٌ يَقُولُ : " هُمْ مُنَافِقُونَ " ، وَقَائِلٌ يَقُولُ : " هُمْ مُؤْمِنُونَ " . فَبَيَّنَ اللَّهُ نِفَاقَهُمْ فَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ ، فَجَاءُوا بِبَضَائِعِهِمْ يُرِيدُونَ الْمَدِينَةَ ، فَلَقِيَهُمْ عَلِيُّ بْنُ عُوَيْمِرٍ ، أَوْ : هِلَالُ بْنُ عُوَيْمِرٍ الْأَسْلَمِيُّ ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِلْفٌ وَهُوَ الَّذِي حَصِرَ صَدْرُهُ أَنْ يُقَاتِلَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ يُقَاتِلَ قَوْمَهُ ، فَدَفَعَ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ يَؤُمُّونَ هِلَالًا وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ . 10053 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ بِنَحْوِهِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : فَبَيَّنَ اللَّهُ نِفَاقَهُمْ ، وَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ ، فَلَمْ يُقَاتِلُوا يَوْمَئِذٍ ، فَجَاءُوا بِبَضَائِعِهِمْ يُرِيدُونَ هِلَالَ بْنَ عُوَيْمِرٍ الْأَسْلَمِيَّ ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِلْفٌ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ بِمَكَّةَ ، وَكَانُوا يُعِينُونَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10054 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ " ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا كَانُوا بِمَكَّةَ قَدْ تَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ ، وَكَانُوا يُظَاهِرُونَ الْمُشْرِكِينَ ، فَخَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ يَطْلُبُونَ حَاجَةً لَهُمْ ، فَقَالُوا : إِنْ لَقِينَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ " عَلَيْهِ السَّلَامُ " فَلَيْسَ عَلَيْنَا مِنْهُمْ بَأْسٌ! وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا أُخْبِرُوا أَنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ ، قَالَتْ فِئَةٌ مِنَ [9/11] الْمُؤْمِنِينَ : ارْكَبُوا إِلَى الْخُبَثَاءِ فَاقْتُلُوهُمْ ، فَإِنَّهُمْ يُظَاهِرُونَ عَلَيْكُمْ عَدُوَّكُمْ! وَقَالَتْ فِئَةٌ أُخْرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ : سُبْحَانَ اللَّهِ _ أَوْ كَمَا قَالُوا _ أَتَقْتُلُونَ قَوْمًا قَدْ تَكَلَّمُوا بِمِثْلِ مَا تَكَلَّمْتُمْ بِهِ؟ أَمِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَمْ يُهَاجِرُوا وَيَتْرُكُوا دِيَارَهُمْ ، تُسْتَحَلُّ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ لِذَلِكَ! فَكَانُوا كَذَلِكَ فِئَتَيْنِ ، وَالرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَهُمْ لَا يَنْهَى وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ عَنْ شَيْءٍ ، فَنَزَلَتْ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ " ، الْآيَةَ . 10055 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ " الْآيَةَ ، ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمَا كَانَا رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَا مَعَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ ، وَكَانَا قَدْ تَكَلَّمَا بِالْإِسْلَامِ وَلَمْ يُهَاجِرَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَقِيَهُمَا نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ نَبِيِّ اللَّهِ وَهُمَا مُقْبِلَانِ إِلَى مَكَّةَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ دِمَاءَهُمَا وَأَمْوَالَهُمَا حَلَالٌ! وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَحِلُّ لَكُمْ! فَتَشَاجَرُوا فِيهِمَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا " حَتَّى بَلَغَ " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ " . 10056 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ كَتَبُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ كَذِبًا ، فَلَقُوهُمْ ، فَاخْتَلَفَ فِيهِمُ الْمُسْلِمُونَ ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : دِمَاؤُهُمْ حَلَالٌ! وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : دِمَاؤُهُمْ حَرَامٌ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا " . 10057 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ هُمْ نَاسٌ تَخَلَّفُوا عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَقَامُوا بِمَكَّةَ وَأَعْلَنُوا الْإِيمَانَ وَلَمْ يُهَاجِرُوا ، فَاخْتَلَفَ فِيهِمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَتَوَلَّاهُمْ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتَبَرَّأَ مِنْ وَلَايَتِهِمْ آخَرُونَ ، [9/12] وَقَالُوا : تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُهَاجِرُوا! فَسَمَّاهُمُ اللَّهُ مُنَافِقِينَ ، وَبَرَّأَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ وَلَايَتِهِمْ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَتَوَلَّوْهُمْ حَتَّى يُهَاجِرُوا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِي قَوْمٍ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ ، أَرَادُوا الْخُرُوجَ عَنْهَا نِفَاقًا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10058 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا " ، قَالَ : كَانَ نَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ ، فَقَالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ : إِنَّا قَدْ أَصَابَنَا أَوْجَاعٌ فِي الْمَدِينَةِ واتَّخَمْنَاهَا ، فَلَعَلَّنَا أَنْ نَخْرُجَ إِلَى الظَّهْرِ حَتَّى نَتَمَاثَلَ ثُمَّ نَرْجِعُ ، فَإِنَّا كُنَّا أَصْحَابَ بَرِّيَّةٍ . فَانْطَلَقُوا ، وَاخْتَلَفَ فِيهِمْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : أَعْدَاءٌ لِلَّهِ مُنَافِقُونَ! وَدِدْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لَنَا فَقَاتَلْنَاهُمْ! وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا ، بَلْ إِخْوَانُنَا غَمَّتْهُمُ الْمَدِينَةُ فَاتَّخَمُوهَا ، [9/13] فَخَرَجُوا إِلَى الظَّهْرِ يَتَنَزَّهُونَ ، فَإِذَا بَرَءُوا رَجَعُوا . فَقَالَ اللَّهُ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ " ، يَقُولُ : مَا لَكَمَ تَكُونُونَ فِيهِمْ فِئَتَيْنِ " وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا " . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي اخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِ أَهْلِ الْإِفْكِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10059 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا " ، حَتَّى بَلَغَ " فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ " ، قَالَ : هَذَا فِي شَأْنِ ابْنِ أُبَيٍّ حِينَ تَكَلَّمَ فِي عَائِشَةَ بِمَا تَكَلَّمَ . 10060 - وَحَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ حِينَ أُنْزِلَتْ : " فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ " ، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ " فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ " ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ : فَإِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ مِنْ فِئَتِهِ ! يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِيٍّ ، ابْنَ سَلُولَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي اخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْمٍ كَانُوا ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ . [9/14] وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ ، لِأَنَّ اخْتِلَافَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ قَوْمٌ كَانُوا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ، عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ . وَالْآخَرُ : أَنَّهُمْ قَوْمٌ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . وَفِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا " ، أَوْضَحُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . لِأَنَّ الْهِجْرَةَ كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى دَارِهِ وَمَدِينَتِهِ مِنْ سَائِرِ أَرْضِ الْكُفْرِ . فَأَمَّا مَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ مُقِيمًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْلِ الشِّرْكِ ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَرْضُ هِجْرَةٍ ، لِأَنَّهُ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ كَانَ وَطَنُهُ ومُقَامُهُ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي نَصْبِ قَوْلِهِ : " فِئَتَيْنِ " . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ ، كَمَا تَقُولُ : " مَا لَكَ قَائِمًا " ، يَعْنِي : مَا لَكَ فِي حَالِ الْقِيَامِ . وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْكُوفِيِّينَ : هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى فِعْلِ " مَا لَكَ " ، قَالَ : وَلَا تُبَالِ أَكَانَ الْمَنْصُوبُ فِي " مَا لَكَ " مَعْرِفَةً أَوْ نَكِرَةً . قَالَ : وَيَجُوزُ فِي الْكَلَامِ أَنْ تَقُولَ : " مَا لَكَ السَّائِرَ مَعَنَا " لِأَنَّهُ كَالْفِعْلِ الَّذِي يُنْصَبُ بِ " كَانَ " وَ " أَظُنُّ " وَمَا أَشْبَهَهُمَا . قَالَ : وَكُلُّ مَوْضِعٍ صَلُحَتْ فِيهِ " فَعَلَ " وَ " يَفْعَلُ " مِنَ الْمَنْصُوبِ ، جَازَ نَصْبُ الْمَعْرِفَةِ مِنْهُ وَالنَّكِرَةُ ، كَمَا تَنْصُبُ " كَانَ " وَ " أَظُنُّ " لِأَنَّهُنَّ نَوَاقِصُ فِي الْمَعْنَى ، وَإِنْ ظَنَنْتَ أَنَّهُنَّ تَامَّاتٌ . [9/15] وَهَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ : " مَا لَكَ قَائِمًا " ، " الْقِيَامُ " ، فَهُوَ فِي مَذْهَبِ " كَانَ " وَأَخَوَاتِهَا ، وَ " أَظُنُّ " وَصَوَاحِبَاتِهَا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ ( وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ " . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : رَدَّهُمْ ، كَمَا قُلْنَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10061 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا " ، رَدَّهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَاللَّهُ أَوْقَعَهُمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10062 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا " ، يَقُولُ : أَوْقَعَهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَضَلَّهُمْ وَأَهْلَكَهُمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10063 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ " ، قَالَ : أَهْلَكَهُمْ . 10064 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا " ، أَهْلَكَهُمْ بِمَا عَمِلُوا . [9/16] 10065 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا " ، أَهْلَكَهُمْ . وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى الْبَيَانِ عَنْ مَعْنَى ذَلِكَ قَبْلُ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلُ قَوْلِهِ ( أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا ( 88 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ " أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ أَتُرِيدُونَ ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، أَنْ تَهْدُوا إِلَى الْإِسْلَامِ فَتُوَفِّقُوا لِلْإِقْرَارِ بِهِ وَالدُّخُولِ فِيهِ مَنْ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَنْهُ ، يَعْنِي بِذَلِكَ مَنْ خَذَلَهُ اللَّهُ عَنْهُ ، فَلَمْ يُوَفِّقْهُ لِلْإِقْرَارِ بِهِ؟ وَإِنَّمَا هَذَا خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْفِئَةِ الَّتِي دَافَعَتْ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّهُ صِفَتَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ . يَقُولُ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَتَبْغُونَ هِدَايَةَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَضَلَّهُمُ اللَّهُ فَخَذَلَهُمْ عَنِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِ الْإِسْلَامِ ، بِمُدَافَعَتِكُمْ عَنْ قِتَالِهِمْ مَنْ أَرَادَ قِتَالَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ؟ " وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا يَقُولُ : وَمَنْ خَذَلَهُ عَنْ دِينِهِ وَاتِّبَاعِ مَا أَمَرَهُ بِهِ ، مِنَ الْإِقْرَارِ بِهِ وَبِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِهِ ، فَأَضَلَّهُ عَنْهُ " فَلَنْ تَجِدَ لَهُ " ، يَا مُحَمَّدُ ، " سَبِيلًا " ، يَقُولُ : فَلَنْ تَجِدَ لَهُ طَرِيقًا تَهْدِيهِ فِيهَا إِلَى إِدْرَاكِ مَا خَذَلَهُ اللَّهُ [ عَنْهُ ] وَلَا مَنْهَجًا يَصِلُ مِنْهُ إِلَى الْأَمْرِ الَّذِي قَدْ حَرَمَهُ الْوُصُولَ إِلَيْهِ .
|
|
|