3126 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ مَكَانَ { زَكِيَّةً } فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ : { زَاكِيَةً } .
[8/146] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الْحَرْفُ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَاتِهِمْ إِيَّاهُ ، فَقَرَأَ بَعْضُهُمْ : بِـ { زَكِيَّةً } ، فَمِمَّنْ قَرَأَ مِنْهُمْ كَذَلِكَ : فِيمَا أَجَازَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ : عَاصِمٌ ، وَالْأَعْمَشُ ، وَحَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ .
وَمِمَّنْ قَرَأَ مِنْهُمْ : { زَاكِيَةً } فِيمَا أَجَازَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَيْضًا : أَبُو جَعْفَرٍ ، وَشَيْبَةُ ، وَنَافِعٌ ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ ، وَأَبُو عَمْرٍو .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَالْقِرَاءَةُ عِنْدَنَا : { زَاكِيَةً } ؛ لِأَنَّ أَبَا عَمْرٍو كَانَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فِي التَّأْوِيلِ ، وَيَقُولُ : الزَّاكِيَةُ : الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ قَطُّ ، وَالزَّكِيَّةُ : الَّتِي قَدْ أَذْنَبَتْ ، ثُمَّ غُفِرَ لَهَا ، وَإِنَّمَا كَانَ الْخَضِرُ قَتَلَهُ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغِ الْحِنْثَ .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي هَذِهِ الْإِجَازَةِ : وَكَانَ الْكِسَائِيُّ يَرَاهُمَا لُغَتَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ .
وَكَانَ مَا قَالَهُ الْكِسَائِيُّ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَوْلَى مِمَّا قَالَهُ أَبُو عَمْرٍو فِيهِ مِمَّا وَافَقَهُ عَلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ ، ثُمَّ نَعُودُ قَائِلِينَ لِأَبِي عُبَيْدٍ ، فَنَقُولُ لَهُ : أَمَّا هَذَا الْمَقْتُولُ وَإِنْ كَانَ قَدْ سُمِّيَ غُلَامًا ، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى غُلَامًا وَهُوَ بَالِغٌ ، وَأَمَّا مَا فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ : " وَلَوْ أَدْرَكَ أَرْهَقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا " فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الْإِدْرَاكُ : الِاحْتِلَامَ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خِلَافَهُ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِالْأَشْيَاءِ الْمَذْمُومَةِ الَّتِي يُرْهِقُ أَبَوَيْهِ بِهَا الطُّغْيَانُ وَالْكُفْرُ .
وَفِي الْآيَةِ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ بَالِغًا ، وَهُوَ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ [8/147] حِكَايَةً عَنْ نَبِيِّهِ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خِطَابِهِ لِنَبِيِّهِ الْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ } ، أَيْ : أَنَّهَا لَوْ قَتَلَتْ نَفْسًا ، لَكَانَتْ مُسْتَحِقَّةً لِقَتْلِهَا بِهَا ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا وَقَدْ تَقَدَّمَ بُلُوغُهَا ، وَصَارَتْ زَكَاتُهَا بِطَهَارَتِهَا ، وَقَدْ شَدَّ ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي قِصَّةِ مَرْيَمَ : { لِيَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا } ، أَيْ : طَاهِرًا ، فَوَصْفُهُ أَنَّهُ زَكِيٌّ بِغَيْرِ ذَنْبٍ كَانَ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ حَتَّى غَفَرَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ .
وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا يَجِبُ بِهِ فَسَادُ مَا قَالَهُ أَبُو عَمْرٍو فِي تَفْرِيقِهِ بَيْنَ الزَّكِيَّةِ وَالزَّاكِيَةِ ، وَفِي تَثْبِيتِ مَا قَالَهُ الْكِسَائِيُّ : إِنَّهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ .
[8/148] وَالْعَرَبُ قَدْ تَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا فَتَقُولُ : الْقَاصِي وَالْقَصِيُّ ، وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ الْأَعْرَابِ فِي خِطَابِهِ لِزَوْجَتِهِ فِي وَلَدٍ وَلَدَتْهُ فَأَنْكَرَهُ :
لَتَقْعُدِنَّ مَقْعَدَ الْقَصِيِّ
أَوْ تَحْلِفِي بِرَبِّكِ الْعَلِيِّ
أَنِّي أَبُو ذَيَّالِكِ الصَّبِيِّ
يُرِيبُنِي بِالْمَنْظَرِ التُّرْكِيِّ
وَمُقْلَةٍ كَمُقْلَةِ الْكُرْكِيِّ
يُرِيدُ بِالْقَصِيِّ : الْقَاصِيَ ، وَيُرِيدُ بِالْعَلِيِّ : الْعَالِيَ .
فَقَالَ قَائِلٌ : فَفِيمَا قَدْ ذَكَرْتَهُ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ زِيَادَةُ حَرْفٍ فِي الْخَطِّ ، وَهِيَ الْأَلِفُ الْمَوْجُودَةُ فِي " زَاكِيَةً " الْمَفْقُودَةُ فِي " زَكِيَّةً " ، فَكَيْفَ جَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي الْمَصَاحِفِ الَّتِي قَدْ ذَكَرْتَهَا ؟ .
فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ : أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي { زَاكِيَةً } وَ { زَكِيَّةً } لَيْسَ حِكَايَةً عَنِ الْقُرْآنِ ، وَلَكِنَّهُ حِكَايَةٌ [8/149] عَنْ كَلَامِ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمَا كَلَّمَهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَكَانَ لِسَانُ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافَ لِسَانِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي أُنْزِلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِهِ ، وَكَانَ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ { زَاكِيَةً } ، وَمِنْ { زَكِيَّةً } حِكَايَةً عَمَّا كَانَ مِنْ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا خَاطَبَ بِهِ الْخَضِرُ فِي ذَلِكَ ، وَالْحِكَايَاتُ بِالْأَلْسُنِ عَنِ الْأَلْسُنِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ تِلْكَ الْأَلْسُنِ ، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُحْكَى بِالْأَلْفَاظِ الْمُخْتَلِفَةِ .
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ فِيمَا حَكَاهُ عَنْ نَبِيِّهِ زَكَرِيَّا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جَوَابِهِ إِيَّاهُ لَمَّا سَأَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ آيَةً ، فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ : { قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا } ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ : { قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا } ، إِخْبَارٌ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ ذَكَرَهُ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ بِاللَّيَالِي الَّتِي تَدْخُلُ فِيهَا أَيَّامُهَا ، وَفِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ بِالْأَيَّامِ الَّتِي تَدْخُلُ فِيهَا لَيَالِيهَا .
فَمِثْلُ ذَلِكَ حِكَايَتُهُ عَنْ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَصْفِ الْغُلَامِ الْمَقْتُولِ بِالْحَالِ الَّتِي كَانَ عِنْدَهُ عَلَيْهَا بِأَنَّهُ زَكِيٌّ فِي مَعْنَى " زَاكِي " ، وَبِأَنَّهُ " زَاكِي " فِي مَعْنَى زَكِيٍّ ، ثُمَّ الْمَرْجُوعُ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْقِرَاءَةِ هُوَ الْمَوْجُودُ فِي الْمَصَاحِفِ مِنْهَا ، فَفِي بَعْضِهَا إِثْبَاتُ الْأَلِفِ ، وَفِي بَعْضِهَا سُقُوطُ الْأَلِفِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ وَاسِعٌ ، وَأَنَّ مَا قُرِئَ بِهِ مِنْ تِلْكَ اللَّفْظَتَيْنِ وَاسِعٌ غَيْرُ مُعَنَّفٍ مَنْ مَالَ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنَ الْكَلِمَتَيْنِ ، وَتَرَكَ الْأُخْرَى
، وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ
.
3126 - كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ مَكَانَ { زَكِيَّةً } فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ : { زَاكِيَةً } .
[8/146] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الْحَرْفُ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَاتِهِمْ إِيَّاهُ ، فَقَرَأَ بَعْضُهُمْ : بِـ { زَكِيَّةً } ، فَمِمَّنْ قَرَأَ مِنْهُمْ كَذَلِكَ : فِيمَا أَجَازَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ : عَاصِمٌ ، وَالْأَعْمَشُ ، وَحَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ .
وَمِمَّنْ قَرَأَ مِنْهُمْ : { زَاكِيَةً } فِيمَا أَجَازَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَيْضًا : أَبُو جَعْفَرٍ ، وَشَيْبَةُ ، وَنَافِعٌ ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ ، وَأَبُو عَمْرٍو .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَالْقِرَاءَةُ عِنْدَنَا : { زَاكِيَةً } ؛ لِأَنَّ أَبَا عَمْرٍو كَانَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فِي التَّأْوِيلِ ، وَيَقُولُ : الزَّاكِيَةُ : الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ قَطُّ ، وَالزَّكِيَّةُ : الَّتِي قَدْ أَذْنَبَتْ ، ثُمَّ غُفِرَ لَهَا ، وَإِنَّمَا كَانَ الْخَضِرُ قَتَلَهُ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغِ الْحِنْثَ .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي هَذِهِ الْإِجَازَةِ : وَكَانَ الْكِسَائِيُّ يَرَاهُمَا لُغَتَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ .
وَكَانَ مَا قَالَهُ الْكِسَائِيُّ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَوْلَى مِمَّا قَالَهُ أَبُو عَمْرٍو فِيهِ مِمَّا وَافَقَهُ عَلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ ، ثُمَّ نَعُودُ قَائِلِينَ لِأَبِي عُبَيْدٍ ، فَنَقُولُ لَهُ : أَمَّا هَذَا الْمَقْتُولُ وَإِنْ كَانَ قَدْ سُمِّيَ غُلَامًا ، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى غُلَامًا وَهُوَ بَالِغٌ ، وَأَمَّا مَا فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ : " وَلَوْ أَدْرَكَ أَرْهَقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا " فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الْإِدْرَاكُ : الِاحْتِلَامَ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خِلَافَهُ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِالْأَشْيَاءِ الْمَذْمُومَةِ الَّتِي يُرْهِقُ أَبَوَيْهِ بِهَا الطُّغْيَانُ وَالْكُفْرُ .
وَفِي الْآيَةِ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ بَالِغًا ، وَهُوَ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ [8/147] حِكَايَةً عَنْ نَبِيِّهِ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خِطَابِهِ لِنَبِيِّهِ الْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ } ، أَيْ : أَنَّهَا لَوْ قَتَلَتْ نَفْسًا ، لَكَانَتْ مُسْتَحِقَّةً لِقَتْلِهَا بِهَا ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا وَقَدْ تَقَدَّمَ بُلُوغُهَا ، وَصَارَتْ زَكَاتُهَا بِطَهَارَتِهَا ، وَقَدْ شَدَّ ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي قِصَّةِ مَرْيَمَ : { لِيَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا } ، أَيْ : طَاهِرًا ، فَوَصْفُهُ أَنَّهُ زَكِيٌّ بِغَيْرِ ذَنْبٍ كَانَ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ حَتَّى غَفَرَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ .
وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا يَجِبُ بِهِ فَسَادُ مَا قَالَهُ أَبُو عَمْرٍو فِي تَفْرِيقِهِ بَيْنَ الزَّكِيَّةِ وَالزَّاكِيَةِ ، وَفِي تَثْبِيتِ مَا قَالَهُ الْكِسَائِيُّ : إِنَّهُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ .
[8/148] وَالْعَرَبُ قَدْ تَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا فَتَقُولُ : الْقَاصِي وَالْقَصِيُّ ، وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ الْأَعْرَابِ فِي خِطَابِهِ لِزَوْجَتِهِ فِي وَلَدٍ وَلَدَتْهُ فَأَنْكَرَهُ :
لَتَقْعُدِنَّ مَقْعَدَ الْقَصِيِّ
أَوْ تَحْلِفِي بِرَبِّكِ الْعَلِيِّ
أَنِّي أَبُو ذَيَّالِكِ الصَّبِيِّ
يُرِيبُنِي بِالْمَنْظَرِ التُّرْكِيِّ
وَمُقْلَةٍ كَمُقْلَةِ الْكُرْكِيِّ
يُرِيدُ بِالْقَصِيِّ : الْقَاصِيَ ، وَيُرِيدُ بِالْعَلِيِّ : الْعَالِيَ .
فَقَالَ قَائِلٌ : فَفِيمَا قَدْ ذَكَرْتَهُ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ زِيَادَةُ حَرْفٍ فِي الْخَطِّ ، وَهِيَ الْأَلِفُ الْمَوْجُودَةُ فِي " زَاكِيَةً " الْمَفْقُودَةُ فِي " زَكِيَّةً " ، فَكَيْفَ جَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي الْمَصَاحِفِ الَّتِي قَدْ ذَكَرْتَهَا ؟ .
فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ : أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي { زَاكِيَةً } وَ { زَكِيَّةً } لَيْسَ حِكَايَةً عَنِ الْقُرْآنِ ، وَلَكِنَّهُ حِكَايَةٌ [8/149] عَنْ كَلَامِ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمَا كَلَّمَهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَكَانَ لِسَانُ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافَ لِسَانِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي أُنْزِلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِهِ ، وَكَانَ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ { زَاكِيَةً } ، وَمِنْ { زَكِيَّةً } حِكَايَةً عَمَّا كَانَ مِنْ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا خَاطَبَ بِهِ الْخَضِرُ فِي ذَلِكَ ، وَالْحِكَايَاتُ بِالْأَلْسُنِ عَنِ الْأَلْسُنِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ تِلْكَ الْأَلْسُنِ ، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُحْكَى بِالْأَلْفَاظِ الْمُخْتَلِفَةِ .
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ فِيمَا حَكَاهُ عَنْ نَبِيِّهِ زَكَرِيَّا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جَوَابِهِ إِيَّاهُ لَمَّا سَأَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ آيَةً ، فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ : { قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا } ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ : { قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا } ، إِخْبَارٌ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ ذَكَرَهُ فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ بِاللَّيَالِي الَّتِي تَدْخُلُ فِيهَا أَيَّامُهَا ، وَفِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ بِالْأَيَّامِ الَّتِي تَدْخُلُ فِيهَا لَيَالِيهَا .
فَمِثْلُ ذَلِكَ حِكَايَتُهُ عَنْ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَصْفِ الْغُلَامِ الْمَقْتُولِ بِالْحَالِ الَّتِي كَانَ عِنْدَهُ عَلَيْهَا بِأَنَّهُ زَكِيٌّ فِي مَعْنَى " زَاكِي " ، وَبِأَنَّهُ " زَاكِي " فِي مَعْنَى زَكِيٍّ ، ثُمَّ الْمَرْجُوعُ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْقِرَاءَةِ هُوَ الْمَوْجُودُ فِي الْمَصَاحِفِ مِنْهَا ، فَفِي بَعْضِهَا إِثْبَاتُ الْأَلِفِ ، وَفِي بَعْضِهَا سُقُوطُ الْأَلِفِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ وَاسِعٌ ، وَأَنَّ مَا قُرِئَ بِهِ مِنْ تِلْكَ اللَّفْظَتَيْنِ وَاسِعٌ غَيْرُ مُعَنَّفٍ مَنْ مَالَ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنَ الْكَلِمَتَيْنِ ، وَتَرَكَ الْأُخْرَى
، وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ
.