وَكَمَا حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ الْكَيْسَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ : أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ.
فَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَدْ دَلَّنَا أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ عُمَرَ كَانَ فِيمَا أَدْرَكَتْهُ الصَّفْقَةُ حَيًّا ، أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ مَالِ مُبْتَاعِهِ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ كَذَلِكَ
[13/257]
إِلَّا وَقَدْ وَقَعَ مِلْكُهُ عَلَيْهِ بِالصَّفْقَةِ ، وَإِنْ لَمْ يُفَارِقْ بَائِعَهُ بِبَدَنِهِ .
وَكَانَ حَدِيثُ هُشَيْمٍ عَنْ يَحْيَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " الْمُتَبَايِعَانِ لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا ، إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ " ، غَيْرَ مُخَالِفٍ عِنْدَنَا لِحَدِيثِهِ الْآخَرِ الَّذِي ذَكَرْنَا ، وَيَكُونُ مَعْنَى : " لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَفْتَرِقَا " ، أَيْ : لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا لَا خِيَارَ فِيهِ حَتَّى يَفْتَرِقَا ، فَإِذَا تَفَرَّقَا قَطَعَ ذَلِكَ التَّفَرُّقُ خِيَارَهُمَا فِيهِ إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ ، بِمَعْنَى : فَإِنَّ الْخِيَارَ يَبْقَى لِصَاحِبِهِ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْمُدَّةِ الْمَشْرُوطِ لَهُ الْخِيَارُ فِيهَا .
وَكَانَ ذَلِكَ التَّفَرُّقُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا قَدْ تَنَازَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَأْوِيلِهِ مَا هُوَ ؟
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : هُوَ بَيْنَ قَوْلِ الْبَائِعِ لِلْمُبْتَاعِ : قَدْ بِعْتُكَ ، وَقَوْلِ الْمُبْتَاعِ : قَدْ قَبِلْتُ ذَلِكَ مِنْكَ ، يَكُونُ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ عَنْ مَا قَالَ قَبْلَ قَوْلِ الْمُبْتَاعِ لَهُ : قَدْ قَبِلْتُ ذَلِكَ مِنْكَ ، وَيَكُونُ لِلْمُبْتَاعِ قَبُولُ ذَلِكَ الْقَوْلِ مَا لَمْ يُفَارِقِ الْبَائِعَ بِبَدَنِهِ ، فَإِنْ فَارَقَهُ بِبَدَنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ الْقَوْلَ الَّذِي قَالَهُ لَهُ .
وَقَالَ قَائِلُو هَذَا الْقَوْلِ : وَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، لَكَانَ لَهُ قَبُولُ ذَلِكَ الْقَوْلِ بَعْدَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ ، وَبَعْدَ مُفَارَقَتِهِ قَائِلَهُ لَهُ بِبَدَنِهِ ، وَمِمَّنْ كَانَ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ وَيَذْهَبُ بِمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ إِلَى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ أَبُو يُوسُفَ .
كَمَا حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، وَذَكَرْنَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَحْمَدَ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ ، فَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ فِي رِوَايَتِهِ إِيَّاهُ عَنْ بِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ ، وَوَافَقَ أَبَا يُوسُفَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَيْضًا عِيسَى بْنُ أَبَانَ .
[13/258]
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّ قَوْلَ الْبَائِعِ لِلْمُبْتَاعِ : قَدْ بِعْتُكَ ، وَقَوْلَ الْمُبْتَاعِ لَهُ : قَدْ قَبِلْتُ مِنْكَ ، يَكُونَانِ بِهِ مُفْتَرِقَيْنِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ كَمَعْنَى قَوْلِ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي الطَّلَاقِ :
{
وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ
}
، فَكَأَنَّ الزَّوْجَ إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : قَدْ طَلَّقْتُكِ عَلَى كَذَا ، فَقَالَتْ هِيَ لَهُ : قَدْ قَبِلْتُ ذَلِكَ مِنْكَ ، صَارَا مُفْتَرِقَيْنِ الْفُرْقَةَ الَّتِي قَالَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا .
فَكَانَ مِثْلُ ذَلِكَ قَوْلَ صَاحِبِ السِّلْعَةِ لِصَاحِبِهِ الَّذِي سَاوَمَهُ بِهَا : قَدْ بِعْتُكَ سِلْعَتِي بِكَذَا ، فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ : قَدْ قَبِلْتُ ذَلِكَ مِنْكَ ، يَكُونَانِ بِهِ مُفْتَرِقَيْنِ الْفُرْقَةَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا ، وَمِمَّنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ ، وَفَسَّرَهُ هَذَا التَّفْسِيرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : الْفُرْقَةُ الَّتِي عَنَاهَا رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، هِيَ الْفُرْقَةُ بِالْأَبْدَانِ بَعْدَ التَّبَايُعِ ; لِأَنَّ الْمُسَاوِمَ وَالْمُسَاوَمَ قَبْلَ تَعَاقُدِهِمَا الْبَيْعَ مُتَسَاوِمَانِ ، وَلَيْسَا بِمُتَبَايِعَيْنِ ، وَإِنَّمَا يَكُونَانِ مُتَبَايِعَيْنِ بَعْدَ مَا يَتَعَاقَدَانِ الْبَيْعَ ، وَهُنَاكَ يَجِبُ لَهُمَا الْخِيَارُ لَا قَبْلَهُ .
وَمِمَّنْ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ ، وَيُحْتَجُّ فِيهِ بِمَا قَدْ ذَكَرْنَا ، وَكَانَ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ قَدْ وَجَدْنَا فِي اللُّغَةِ مَا يَجُوزُ خِلَافُهُ ; لِأَنَّا قَدْ وَجَدْنَا فِيهَا إِطْلَاقَ اسْمِ مَنْ قَرُبَ مِنْ شَيْءٍ بِمَعْنَى : مَنْ قَدْ بَلَغَ ذَلِكَ الشَّيْءَ ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :
{
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ
}
، لَيْسَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُنَّ إِذَا اسْتَوْفَيْنَ آجَالَهُنَّ أُمْسِكْنَ بِمَعْرُوفٍ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى قُرْبِهِنَّ بُلُوغَ آجَالِهِنَّ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ
[13/259]
اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى :
{
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ
}
.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ أَطْلَقَهُ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا فِي ابْنِ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي أُمِرَ بِذَبْحِهِ ، إِمَّا إِسْمَاعِيلُ وَإِمَّا إِسْحَاقُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمَا - أَنْ سَمَّوْهُ ذَبِيحًا لِقُرْبِهِ مِنَ الذَّبْحِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذُبِحَ ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا يُطْلِقُونَهُ مِمَّا قَدْ حَكَاهُ لَنَا الْمُزَنِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ : قَدْ دَخَلَ فُلَانٌ مَدِينَةَ كَذَا ; لِقُرْبِهِ مِنْهَا ، وَبِقَصْدِهِ إِلَى دُخُولِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَقِيقَةِ دَخَلَهَا ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِيمَا ذَكَرْنَا ، كَانَ مُحْتَمَلًا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَا مِثْلَهُ ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ بِمَا أَرَادَهُ فِيهِ .
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ يَحْيَى ، عَنْ نَافِعٍ كَيْفَ هِيَ . ؟
وَكَمَا حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ الْكَيْسَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ : أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ.
فَكَانَ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَدْ دَلَّنَا أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ عُمَرَ كَانَ فِيمَا أَدْرَكَتْهُ الصَّفْقَةُ حَيًّا ، أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ مَالِ مُبْتَاعِهِ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ كَذَلِكَ
[13/257]
إِلَّا وَقَدْ وَقَعَ مِلْكُهُ عَلَيْهِ بِالصَّفْقَةِ ، وَإِنْ لَمْ يُفَارِقْ بَائِعَهُ بِبَدَنِهِ .
وَكَانَ حَدِيثُ هُشَيْمٍ عَنْ يَحْيَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " الْمُتَبَايِعَانِ لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا ، إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ " ، غَيْرَ مُخَالِفٍ عِنْدَنَا لِحَدِيثِهِ الْآخَرِ الَّذِي ذَكَرْنَا ، وَيَكُونُ مَعْنَى : " لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَفْتَرِقَا " ، أَيْ : لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا لَا خِيَارَ فِيهِ حَتَّى يَفْتَرِقَا ، فَإِذَا تَفَرَّقَا قَطَعَ ذَلِكَ التَّفَرُّقُ خِيَارَهُمَا فِيهِ إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ ، بِمَعْنَى : فَإِنَّ الْخِيَارَ يَبْقَى لِصَاحِبِهِ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْمُدَّةِ الْمَشْرُوطِ لَهُ الْخِيَارُ فِيهَا .
وَكَانَ ذَلِكَ التَّفَرُّقُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا قَدْ تَنَازَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَأْوِيلِهِ مَا هُوَ ؟
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : هُوَ بَيْنَ قَوْلِ الْبَائِعِ لِلْمُبْتَاعِ : قَدْ بِعْتُكَ ، وَقَوْلِ الْمُبْتَاعِ : قَدْ قَبِلْتُ ذَلِكَ مِنْكَ ، يَكُونُ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ عَنْ مَا قَالَ قَبْلَ قَوْلِ الْمُبْتَاعِ لَهُ : قَدْ قَبِلْتُ ذَلِكَ مِنْكَ ، وَيَكُونُ لِلْمُبْتَاعِ قَبُولُ ذَلِكَ الْقَوْلِ مَا لَمْ يُفَارِقِ الْبَائِعَ بِبَدَنِهِ ، فَإِنْ فَارَقَهُ بِبَدَنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ الْقَوْلَ الَّذِي قَالَهُ لَهُ .
وَقَالَ قَائِلُو هَذَا الْقَوْلِ : وَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، لَكَانَ لَهُ قَبُولُ ذَلِكَ الْقَوْلِ بَعْدَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ ، وَبَعْدَ مُفَارَقَتِهِ قَائِلَهُ لَهُ بِبَدَنِهِ ، وَمِمَّنْ كَانَ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ وَيَذْهَبُ بِمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ إِلَى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ أَبُو يُوسُفَ .
كَمَا حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، وَذَكَرْنَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَحْمَدَ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ ، فَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ فِي رِوَايَتِهِ إِيَّاهُ عَنْ بِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ ، وَوَافَقَ أَبَا يُوسُفَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَيْضًا عِيسَى بْنُ أَبَانَ .
[13/258]
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّ قَوْلَ الْبَائِعِ لِلْمُبْتَاعِ : قَدْ بِعْتُكَ ، وَقَوْلَ الْمُبْتَاعِ لَهُ : قَدْ قَبِلْتُ مِنْكَ ، يَكُونَانِ بِهِ مُفْتَرِقَيْنِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ كَمَعْنَى قَوْلِ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي الطَّلَاقِ :
{
وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ
}
، فَكَأَنَّ الزَّوْجَ إِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : قَدْ طَلَّقْتُكِ عَلَى كَذَا ، فَقَالَتْ هِيَ لَهُ : قَدْ قَبِلْتُ ذَلِكَ مِنْكَ ، صَارَا مُفْتَرِقَيْنِ الْفُرْقَةَ الَّتِي قَالَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا .
فَكَانَ مِثْلُ ذَلِكَ قَوْلَ صَاحِبِ السِّلْعَةِ لِصَاحِبِهِ الَّذِي سَاوَمَهُ بِهَا : قَدْ بِعْتُكَ سِلْعَتِي بِكَذَا ، فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ : قَدْ قَبِلْتُ ذَلِكَ مِنْكَ ، يَكُونَانِ بِهِ مُفْتَرِقَيْنِ الْفُرْقَةَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا ، وَمِمَّنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ ، وَفَسَّرَهُ هَذَا التَّفْسِيرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : الْفُرْقَةُ الَّتِي عَنَاهَا رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، هِيَ الْفُرْقَةُ بِالْأَبْدَانِ بَعْدَ التَّبَايُعِ ; لِأَنَّ الْمُسَاوِمَ وَالْمُسَاوَمَ قَبْلَ تَعَاقُدِهِمَا الْبَيْعَ مُتَسَاوِمَانِ ، وَلَيْسَا بِمُتَبَايِعَيْنِ ، وَإِنَّمَا يَكُونَانِ مُتَبَايِعَيْنِ بَعْدَ مَا يَتَعَاقَدَانِ الْبَيْعَ ، وَهُنَاكَ يَجِبُ لَهُمَا الْخِيَارُ لَا قَبْلَهُ .
وَمِمَّنْ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ ، وَيُحْتَجُّ فِيهِ بِمَا قَدْ ذَكَرْنَا ، وَكَانَ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ قَدْ وَجَدْنَا فِي اللُّغَةِ مَا يَجُوزُ خِلَافُهُ ; لِأَنَّا قَدْ وَجَدْنَا فِيهَا إِطْلَاقَ اسْمِ مَنْ قَرُبَ مِنْ شَيْءٍ بِمَعْنَى : مَنْ قَدْ بَلَغَ ذَلِكَ الشَّيْءَ ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - :
{
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ
}
، لَيْسَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُنَّ إِذَا اسْتَوْفَيْنَ آجَالَهُنَّ أُمْسِكْنَ بِمَعْرُوفٍ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى قُرْبِهِنَّ بُلُوغَ آجَالِهِنَّ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ
[13/259]
اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى :
{
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ
}
.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ أَطْلَقَهُ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا فِي ابْنِ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي أُمِرَ بِذَبْحِهِ ، إِمَّا إِسْمَاعِيلُ وَإِمَّا إِسْحَاقُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمَا - أَنْ سَمَّوْهُ ذَبِيحًا لِقُرْبِهِ مِنَ الذَّبْحِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذُبِحَ ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا يُطْلِقُونَهُ مِمَّا قَدْ حَكَاهُ لَنَا الْمُزَنِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ : قَدْ دَخَلَ فُلَانٌ مَدِينَةَ كَذَا ; لِقُرْبِهِ مِنْهَا ، وَبِقَصْدِهِ إِلَى دُخُولِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَقِيقَةِ دَخَلَهَا ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِيمَا ذَكَرْنَا ، كَانَ مُحْتَمَلًا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَا مِثْلَهُ ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ بِمَا أَرَادَهُ فِيهِ .
ثُمَّ نَظَرْنَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ يَحْيَى ، عَنْ نَافِعٍ كَيْفَ هِيَ . ؟