1505 - وَكَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ وَمُجَالِدٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ :
[4/153]
أَخْبَرَنَا عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ :
{
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ
}
عَمَدْتُ إِلَى عِقَالَيْنِ أَحَدُهُمَا أَسْوَدُ ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِمَا فَلَا يَتَبَيَّنُ لِي الْأَبْيَضُ مِنَ الْأَسْوَدِ ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ ، فَقَالَ : إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ ، إِنَّمَا ذَلِكَ بَيَاضُ النَّهَارِ وَسَوَادُ اللَّيْلِ } .
أَفَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا قَوْلَهُ جَلَّ وَعَزَّ :
{
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ
}
حَمَلُوا ذَلِكَ عَلَى مَا حَمَلُوهُ عَلَيْهِ حَتَّى بَيَّنَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ، أَنَّ الَّذِي أَرَادَهُ خِلَافُ مَا ظَنُّوهُ .
وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ قِصَّةِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَبِي أَحْمَدَ لَمَّا تَلَا عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَلَا ظَنَّا أَنَّهُمَا مِنَ الْمَفْضُولِينَ فِيمَا تَلَاهُ عَلَيْهِمَا ، فَبَيَّنَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمَا بِإِنْزَالِهِ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
{
غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ
}
أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهُمَا ، وَلَا أَمْثَالَهُمَا مِنْ ذَوِي الضَّرَرِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ غَيْرَهُمَا مِمَّنْ لَا ضَرَرَ بِهِ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي ذَلِكَ كَمَا قَرَأَهَا مَنْ قَرَأَهَا بِالرَّفْعِ ، وَهُمْ : عَاصِمٌ وَالْأَعْمَشُ وَأَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ ، لَا كَمَا قَرَأَهَا
[4/154]
مُخَالِفُوهُمْ :
{
غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ
}
بِالنَّصْبِ ، وَهُمْ : أَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَنَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرٍ ، وَقَدْ كَانَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ذَهَبَ إِلَى قِرَاءَةِ هَؤُلَاءِ الْمَدَنِيِّينَ وَقَالَ : مَعَ ذَلِكَ ، إِنَّ الرَّفْعَ وَجْهٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ مُمْكِنٌ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ ، وَكَذَلِكَ كَانَ الْفَرَّاءُ يَذْهَبُ إِلَى صِحَّتِهِ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَيَقُولُ : هُوَ عَلَى النَّعْتِ لِلْقَاعِدِينَ ، قَالَ : وَمَا كَانَ مِنْ نَعْتِهِمْ كَانَ كَذَلِكَ إِعْرَابُهُ بِالرَّفْعِ لَا بِغَيْرِهِ كَمَا قَالَ : عَزَّ وَجَلَّ :
{
أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ
}
، فَكَانَ نَعْتُهُ إِيَّاهُمْ بِمِثْلِ مَا ذَكَرَهُمْ بِهِ مِنَ الْجَرِّ لَا مَا سِوَاهُ ، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ فِي السَّبَبِ الَّذِي بِهِ اخْتَارَ
{
غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ
}
بِالنَّصْبِ ، فَقَالَ : وَرَوَى عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ وَاحِدٍ ذَكَرَهُمْ ، أَنَّ نُزُولَهَا كَانَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ فَوَجَبَ بِذَلِكَ أَنْ تَكُونَ مَنْصُوبَةً ، فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ ، أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا نَزَلَتْ لِلِاسْتِثْنَاءِ مِمَّا كَانَ نَزَلَ قَبْلَهَا ، وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْهُ مِنْهُمَا فِي سَبَبِ نُزُولِهَا مَا قَدْ رَوَيْنَاهُ فِي ذَلِكَ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ ، وَلَوْ كَانَتْ كُلُّهَا نَزَلَتْ مَعًا لَجَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ ، فَيَكُونَ النَّصْبُ فِيهِ أَوْلَى مِنَ الرَّفْعِ ، وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا كَانَ الَّذِي نَزَلَ أَوَّلًا مِنْهَا هُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :
{
لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
*
وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ
}
، وَنَحْنُ نُحِيطُ عِلْمًا ، أَنَّ اللهَ عَزَّ
[4/155]
وَجَلَّ لَمْ يَعْنِ الْقَاعِدِينَ بِالزَّمَانَةِ مَعَ النِّيَّةِ ، أَنَّهُمْ لَوْ أَطَاقُوا الْجِهَادَ لَجَاهَدُوا ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الْمُجَاهِدُونَ أَفْضَلَ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ جَاهَدُوا بِقُوَّتِهِمْ ، وَتَخَلَّفَ الْآخَرُونَ عَنِ الْجِهَادِ بِعَجْزِهِمْ عَنْهُ ، وَقَدْ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ :
{
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
*
وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ
}
، ثُمَّ أَعْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ السَّبِيلَ عَلَى خِلَافِ هَؤُلَاءِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ :
{
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ
}
، وَقَالَ : عَزَّ وَجَلَّ :
{
لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ
}
.
وَمَنْ حَمَلَ الْأَمْرَ عَلَى غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا كَانَ قَدْ قَالَ قَوْلًا عَظِيمًا وَنَسَبَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى أَنَّهُ قَدْ تَعَبَّدَ خَلْقَهُ بِمَا هُمْ عَاجِزُونَ عَنْهُ ، وَإِذَا كَانَ نُزُولُ مَا قَدْ تَلَوْنَا عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَا كَانَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ :
{
غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ
}
تِبْيَانًا لِمَا كَانَ أَنْزَلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الْقَاعِدِينَ الَّذِينَ فَضَّلَ عَلَيْهِمُ الْمُجَاهِدِينَ ، فَكَانَ الرَّفْعُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ .
وَقَدْ سَأَلَ سَائِلٌ ، فَقَالَ : قَدْ كَانَ مِنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ مَا كَانَ مِنَ الِاعْتِذَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا اعْتَذَرَ بِهِ إِلَيْهِ ، وَقَدْ كَانَ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ عَلَى حَالِهِ الَّتِي اعْتَذَرَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْمِلُ الرَّايَةَ فِي قِتَالِهِ الْكُفَّارَ ، فَكَيْفَ لَمْ يَبْذُلْ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟
وَذَكَرَ مَا قَدْ .
1505 - وَكَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ وَمُجَالِدٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ :
[4/153]
أَخْبَرَنَا عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ :
{
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ
}
عَمَدْتُ إِلَى عِقَالَيْنِ أَحَدُهُمَا أَسْوَدُ ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِمَا فَلَا يَتَبَيَّنُ لِي الْأَبْيَضُ مِنَ الْأَسْوَدِ ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ ، فَقَالَ : إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ ، إِنَّمَا ذَلِكَ بَيَاضُ النَّهَارِ وَسَوَادُ اللَّيْلِ } .
أَفَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا قَوْلَهُ جَلَّ وَعَزَّ :
{
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ
}
حَمَلُوا ذَلِكَ عَلَى مَا حَمَلُوهُ عَلَيْهِ حَتَّى بَيَّنَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ، أَنَّ الَّذِي أَرَادَهُ خِلَافُ مَا ظَنُّوهُ .
وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ قِصَّةِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَبِي أَحْمَدَ لَمَّا تَلَا عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَلَا ظَنَّا أَنَّهُمَا مِنَ الْمَفْضُولِينَ فِيمَا تَلَاهُ عَلَيْهِمَا ، فَبَيَّنَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمَا بِإِنْزَالِهِ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
{
غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ
}
أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهُمَا ، وَلَا أَمْثَالَهُمَا مِنْ ذَوِي الضَّرَرِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ غَيْرَهُمَا مِمَّنْ لَا ضَرَرَ بِهِ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي ذَلِكَ كَمَا قَرَأَهَا مَنْ قَرَأَهَا بِالرَّفْعِ ، وَهُمْ : عَاصِمٌ وَالْأَعْمَشُ وَأَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ ، لَا كَمَا قَرَأَهَا
[4/154]
مُخَالِفُوهُمْ :
{
غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ
}
بِالنَّصْبِ ، وَهُمْ : أَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَنَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرٍ ، وَقَدْ كَانَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ذَهَبَ إِلَى قِرَاءَةِ هَؤُلَاءِ الْمَدَنِيِّينَ وَقَالَ : مَعَ ذَلِكَ ، إِنَّ الرَّفْعَ وَجْهٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ مُمْكِنٌ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ ، وَكَذَلِكَ كَانَ الْفَرَّاءُ يَذْهَبُ إِلَى صِحَّتِهِ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَيَقُولُ : هُوَ عَلَى النَّعْتِ لِلْقَاعِدِينَ ، قَالَ : وَمَا كَانَ مِنْ نَعْتِهِمْ كَانَ كَذَلِكَ إِعْرَابُهُ بِالرَّفْعِ لَا بِغَيْرِهِ كَمَا قَالَ : عَزَّ وَجَلَّ :
{
أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ
}
، فَكَانَ نَعْتُهُ إِيَّاهُمْ بِمِثْلِ مَا ذَكَرَهُمْ بِهِ مِنَ الْجَرِّ لَا مَا سِوَاهُ ، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .
وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ فِي السَّبَبِ الَّذِي بِهِ اخْتَارَ
{
غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ
}
بِالنَّصْبِ ، فَقَالَ : وَرَوَى عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ وَاحِدٍ ذَكَرَهُمْ ، أَنَّ نُزُولَهَا كَانَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ فَوَجَبَ بِذَلِكَ أَنْ تَكُونَ مَنْصُوبَةً ، فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ ، أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا نَزَلَتْ لِلِاسْتِثْنَاءِ مِمَّا كَانَ نَزَلَ قَبْلَهَا ، وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْهُ مِنْهُمَا فِي سَبَبِ نُزُولِهَا مَا قَدْ رَوَيْنَاهُ فِي ذَلِكَ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ ، وَلَوْ كَانَتْ كُلُّهَا نَزَلَتْ مَعًا لَجَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ ، فَيَكُونَ النَّصْبُ فِيهِ أَوْلَى مِنَ الرَّفْعِ ، وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا كَانَ الَّذِي نَزَلَ أَوَّلًا مِنْهَا هُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ :
{
لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
*
وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ
}
، وَنَحْنُ نُحِيطُ عِلْمًا ، أَنَّ اللهَ عَزَّ
[4/155]
وَجَلَّ لَمْ يَعْنِ الْقَاعِدِينَ بِالزَّمَانَةِ مَعَ النِّيَّةِ ، أَنَّهُمْ لَوْ أَطَاقُوا الْجِهَادَ لَجَاهَدُوا ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الْمُجَاهِدُونَ أَفْضَلَ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ جَاهَدُوا بِقُوَّتِهِمْ ، وَتَخَلَّفَ الْآخَرُونَ عَنِ الْجِهَادِ بِعَجْزِهِمْ عَنْهُ ، وَقَدْ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ :
{
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
*
وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ
}
، ثُمَّ أَعْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ السَّبِيلَ عَلَى خِلَافِ هَؤُلَاءِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ :
{
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ
}
، وَقَالَ : عَزَّ وَجَلَّ :
{
لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ
}
.
وَمَنْ حَمَلَ الْأَمْرَ عَلَى غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا كَانَ قَدْ قَالَ قَوْلًا عَظِيمًا وَنَسَبَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى أَنَّهُ قَدْ تَعَبَّدَ خَلْقَهُ بِمَا هُمْ عَاجِزُونَ عَنْهُ ، وَإِذَا كَانَ نُزُولُ مَا قَدْ تَلَوْنَا عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَا كَانَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ :
{
غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ
}
تِبْيَانًا لِمَا كَانَ أَنْزَلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الْقَاعِدِينَ الَّذِينَ فَضَّلَ عَلَيْهِمُ الْمُجَاهِدِينَ ، فَكَانَ الرَّفْعُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ .
وَقَدْ سَأَلَ سَائِلٌ ، فَقَالَ : قَدْ كَانَ مِنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ مَا كَانَ مِنَ الِاعْتِذَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا اعْتَذَرَ بِهِ إِلَيْهِ ، وَقَدْ كَانَ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ عَلَى حَالِهِ الَّتِي اعْتَذَرَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْمِلُ الرَّايَةَ فِي قِتَالِهِ الْكُفَّارَ ، فَكَيْفَ لَمْ يَبْذُلْ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟
وَذَكَرَ مَا قَدْ .