ذِكْرُ الِاسْتِحْبَابِ لِلْمَرْءِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ
حَظٌّ رَجَاءَ التَّخَلُّصِ فِي الْعُقْبَى بِشَيْءٍ مِنْهَا
361 - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ الشَّيْبَانِيُّ ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْقَطَّانُ بِالرَّقَّةِ ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ ، وَاللَّفْظُ لِلْحَسَنِ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسٌ وَحْدَهُ ، قَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، إِنَّ لِلْمَسْجِدِ تَحِيَّةً ، وَإِنَّ تَحِيَّتَهُ رَكْعَتَانِ ، فَقُمْ فَارْكَعْهُمَا . قَالَ : فَقُمْتُ فَرَكَعْتُهُمَا ، ثُمَّ عُدْتُ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّكَ أَمَرْتَنِي بِالصَّلَاةِ ، فَمَا الصَّلَاةُ ؟ قَالَ : " خَيْرُ مَوْضُوعٍ ، اسْتَكْثِرْ أَوِ اسْتَقِلَّ " . قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : " إِيمَانٌ بِاللهِ ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللهِ " . قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْمَلُ إِيمَانًا ؟ قَالَ : " أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَسْلَمُ ؟ قَالَ : " مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ " . قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، فَأَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : " طُولُ الْقُنُوتِ " ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : " مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ " ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، فَمَا الصِّيَامُ ؟ قَالَ : " فَرْضٌ [2/77] مُجْزِئٌ ، وَعِنْدَ اللهِ أَضْعَافٌ كَثِيرَةٌ " . قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : " مَنْ عُقِرَ جَوَادُهُ ، وَأُهَرِيقَ دَمُهُ " ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : " جُهْدُ الْمُقِلِّ يُسَرُّ إِلَى فَقِيرٍ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، فَأَيُّ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ أَعْظَمُ ؟ قَالَ : " آيَةُ الْكُرْسِيِّ " ، ثُمَّ قَالَ : " يَا أَبَا ذَرٍّ ، مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ مَعَ الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضِ فَلَاةٍ ، وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى الْحَلْقَةِ " ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، كَمِ الْأَنْبِيَاءُ ؟ قَالَ : " مِائَةُ أَلْفٍ وَعِشْرُونَ أَلْفًا " ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، كَمِ الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ ؟ قَالَ : " ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا " ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، مَنْ كَانَ أَوَّلُهُمْ ؟ قَالَ : " آدَمُ " ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، خَلَقَهُ اللهُ بِيَدِهِ ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ، وَكَلَّمَهُ قُبُلًا " ، ثُمَّ قَالَ : " يَا أَبَا ذَرٍّ أَرْبَعَةٌ سُرْيَانِيُّونَ : آدَمُ ، وَشِيثُ ، وَأَخْنُوخُ وَهُوَ إِدْرِيسُ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ ، وَنُوحٌ . وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ : هُودٌ ، وَشُعَيْبٌ ، وَصَالِحٌ ، وَنَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، كَمْ كِتَابًا أَنْزَلَهُ اللهُ ؟ قَالَ : " مِائَةُ كِتَابٍ ، وَأَرْبَعَةُ كُتُبٍ ، أُنْزِلَ عَلَى شِيثٍ خَمْسُونَ صَحِيفَةً ، وَأُنْزِلَ عَلَى أَخْنُوخَ ثَلَاثُونَ صَحِيفَةً ، وَأُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَشْرُ صَحَائِفَ ، وَأُنْزِلَ عَلَى مُوسَى قَبْلَ التَّوْرَاةِ عَشْرُ صَحَائِفَ ، وَأُنْزِلَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالْقُرْآنُ " . قَالَ : قُلْتُ : [2/78] يَا رَسُولَ اللهِ ، مَا كَانَتْ صَحِيفَةُ إِبْرَاهِيمَ ؟ قَالَ : " كَانَتْ أَمْثَالًا كُلُّهَا : أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمُسَلَّطُ الْمُبْتَلَى الْمَغْرُورُ ، إِنِّي لَمْ أَبْعَثْكَ لِتَجْمَعَ الدُّنْيَا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَلَكِنِّي بَعَثْتُكَ لِتَرُدَّ عَنِّي دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ ، فَإِنِّي لَا أَرُدُّهَا وَلَوْ كَانَتْ مِنْ كَافِرٍ ، وَعَلَى الْعَاقِلِ مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ أَنْ تَكُونَ لَهُ سَاعَاتٌ : سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ ، وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ ، وَسَاعَةٌ يَتَفَكَّرُ فِيهَا فِي صُنْعِ اللهِ ، وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا لِحَاجَتِهِ مِنَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ ، وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يَكُونَ ظَاعِنًا إِلَّا لِثَلَاثٍ : تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ ، أَوْ مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ ، وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ ، مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ ، وَمَنْ حَسَبَ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ ، قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، فَمَا كَانَتْ صُحُفُ مُوسَى ؟ قَالَ : " كَانَتْ عِبَرًا كُلُّهَا : عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ ، ثُمَّ هُوَ يَفْرَحُ ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالنَّارِ ، ثُمَّ هُوَ يَضْحَكُ ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ ثُمَّ هُوَ يَنْصَبُ ، عَجِبْتُ لِمَنْ رَأَى الدُّنْيَا وَتَقَلُّبَهَا بِأَهْلِهَا ، ثُمَّ اطْمَأَنَّ إِلَيْهَا ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْحِسَابِ غَدًا ثُمَّ لَا يَعْمَلُ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَوْصِنِي ، قَالَ : " أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ ، فَإِنَّهُ رَأْسُ الْأَمْرِ كُلِّهِ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، زِدْنِي ، قَالَ : " عَلَيْكَ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ ، وَذِكْرِ اللهِ ، فَإِنَّهُ نُورٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ ، وَذُخْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ " . قُلْتُ : [2/79] يَا رَسُولَ اللهِ ، زِدْنِي . قَالَ : " إِيَّاكَ وَكَثْرَةَ الضَّحِكِ ، فَإِنَّهُ يُمِيتُ الْقَلْبَ ، وَيَذْهَبُ بِنُورِ الْوَجْهِ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، زِدْنِي ، قَالَ : " عَلَيْكَ بِالصَّمْتِ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ ، فَإِنَّهُ مَطْرَدَةٌ لِلشَّيْطَانِ عَنْكَ ، وَعَوْنٌ لَكَ عَلَى أَمْرِ دِينِكَ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، زِدْنِي ، قَالَ : " عَلَيْكَ بِالْجِهَادِ ، فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، زِدْنِي ، قَالَ : " أَحِبَّ الْمَسَاكِينَ وَجَالِسْهُمْ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ زِدْنِي ، قَالَ : " انْظُرْ إِلَى مَنْ تَحْتَكَ وَلَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ فَوْقَكَ ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تُزْدَرَى نِعْمَةُ اللهِ عِنْدَكَ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ زِدْنِي ، قَالَ : " قُلِ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا " ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ زِدْنِي ، قَالَ : " لِيَرُدَّكَ عَنِ النَّاسِ مَا تَعْرِفُ مِنْ نَفْسِكَ وَلَا تَجِدْ عَلَيْهِمْ فِيمَا تَأْتِي ، وَكَفَى بِكَ عَيْبًا أَنْ تَعْرِفَ مِنَ النَّاسِ مَا تَجْهَلُ مِنْ نَفْسِكَ ، أَوْ تَجِدَ عَلَيْهِمْ فِيمَا تَأْتِي " . ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى صَدْرِي ، فَقَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ لَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ ، وَلَا وَرَعَ كَالْكَفِّ ، وَلَا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ " .
[2/80] [2/81] قَالَ أَبُو حَاتِمٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - : أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ هَذَا ، هُوَ عَائِذُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ ، وُلِدَ عَامَ حُنَيْنٍ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَاتَ بِالشَّامِ سَنَةَ ثَمَانِينَ ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ مِنْ كِنْدَةَ ، مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ ، مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الشَّامِ وَقُرَّائِهِمْ ، سَمِعَ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَمَوْلِدُهُ يَوْمَ رَاهِطٍ ، فِي أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ ، وَوَلَّاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَضَاءَ الْمَوْصِلِ ، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ ، وَأَهْلَ الْحِجَازِ ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَى الْقَضَاءِ بِهَا حَتَّى وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْخِلَافَةَ ، فَأَقَرَّهُ عَلَى الْحُكْمِ ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهَا أَيَّامَهُ ، وَعُمِّرَ حَتَّى مَاتَ بِدِمَشْقَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ .
[2/82]
ذِكْرُ الِاسْتِحْبَابِ لِلْمَرْءِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ
حَظٌّ رَجَاءَ التَّخَلُّصِ فِي الْعُقْبَى بِشَيْءٍ مِنْهَا
361 - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ الشَّيْبَانِيُّ ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْقَطَّانُ بِالرَّقَّةِ ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ ، وَاللَّفْظُ لِلْحَسَنِ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسٌ وَحْدَهُ ، قَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، إِنَّ لِلْمَسْجِدِ تَحِيَّةً ، وَإِنَّ تَحِيَّتَهُ رَكْعَتَانِ ، فَقُمْ فَارْكَعْهُمَا . قَالَ : فَقُمْتُ فَرَكَعْتُهُمَا ، ثُمَّ عُدْتُ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّكَ أَمَرْتَنِي بِالصَّلَاةِ ، فَمَا الصَّلَاةُ ؟ قَالَ : " خَيْرُ مَوْضُوعٍ ، اسْتَكْثِرْ أَوِ اسْتَقِلَّ " . قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : " إِيمَانٌ بِاللهِ ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللهِ " . قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْمَلُ إِيمَانًا ؟ قَالَ : " أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَسْلَمُ ؟ قَالَ : " مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ " . قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، فَأَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : " طُولُ الْقُنُوتِ " ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : " مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ " ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، فَمَا الصِّيَامُ ؟ قَالَ : " فَرْضٌ [2/77] مُجْزِئٌ ، وَعِنْدَ اللهِ أَضْعَافٌ كَثِيرَةٌ " . قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : " مَنْ عُقِرَ جَوَادُهُ ، وَأُهَرِيقَ دَمُهُ " ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : " جُهْدُ الْمُقِلِّ يُسَرُّ إِلَى فَقِيرٍ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، فَأَيُّ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ أَعْظَمُ ؟ قَالَ : " آيَةُ الْكُرْسِيِّ " ، ثُمَّ قَالَ : " يَا أَبَا ذَرٍّ ، مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ مَعَ الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضِ فَلَاةٍ ، وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى الْحَلْقَةِ " ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، كَمِ الْأَنْبِيَاءُ ؟ قَالَ : " مِائَةُ أَلْفٍ وَعِشْرُونَ أَلْفًا " ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، كَمِ الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ ؟ قَالَ : " ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا " ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، مَنْ كَانَ أَوَّلُهُمْ ؟ قَالَ : " آدَمُ " ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، خَلَقَهُ اللهُ بِيَدِهِ ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ، وَكَلَّمَهُ قُبُلًا " ، ثُمَّ قَالَ : " يَا أَبَا ذَرٍّ أَرْبَعَةٌ سُرْيَانِيُّونَ : آدَمُ ، وَشِيثُ ، وَأَخْنُوخُ وَهُوَ إِدْرِيسُ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ ، وَنُوحٌ . وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ : هُودٌ ، وَشُعَيْبٌ ، وَصَالِحٌ ، وَنَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، كَمْ كِتَابًا أَنْزَلَهُ اللهُ ؟ قَالَ : " مِائَةُ كِتَابٍ ، وَأَرْبَعَةُ كُتُبٍ ، أُنْزِلَ عَلَى شِيثٍ خَمْسُونَ صَحِيفَةً ، وَأُنْزِلَ عَلَى أَخْنُوخَ ثَلَاثُونَ صَحِيفَةً ، وَأُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَشْرُ صَحَائِفَ ، وَأُنْزِلَ عَلَى مُوسَى قَبْلَ التَّوْرَاةِ عَشْرُ صَحَائِفَ ، وَأُنْزِلَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالْقُرْآنُ " . قَالَ : قُلْتُ : [2/78] يَا رَسُولَ اللهِ ، مَا كَانَتْ صَحِيفَةُ إِبْرَاهِيمَ ؟ قَالَ : " كَانَتْ أَمْثَالًا كُلُّهَا : أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمُسَلَّطُ الْمُبْتَلَى الْمَغْرُورُ ، إِنِّي لَمْ أَبْعَثْكَ لِتَجْمَعَ الدُّنْيَا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَلَكِنِّي بَعَثْتُكَ لِتَرُدَّ عَنِّي دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ ، فَإِنِّي لَا أَرُدُّهَا وَلَوْ كَانَتْ مِنْ كَافِرٍ ، وَعَلَى الْعَاقِلِ مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ أَنْ تَكُونَ لَهُ سَاعَاتٌ : سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ ، وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ ، وَسَاعَةٌ يَتَفَكَّرُ فِيهَا فِي صُنْعِ اللهِ ، وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا لِحَاجَتِهِ مِنَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ ، وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يَكُونَ ظَاعِنًا إِلَّا لِثَلَاثٍ : تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ ، أَوْ مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ ، وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ ، مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ ، وَمَنْ حَسَبَ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ ، قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، فَمَا كَانَتْ صُحُفُ مُوسَى ؟ قَالَ : " كَانَتْ عِبَرًا كُلُّهَا : عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ ، ثُمَّ هُوَ يَفْرَحُ ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالنَّارِ ، ثُمَّ هُوَ يَضْحَكُ ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ ثُمَّ هُوَ يَنْصَبُ ، عَجِبْتُ لِمَنْ رَأَى الدُّنْيَا وَتَقَلُّبَهَا بِأَهْلِهَا ، ثُمَّ اطْمَأَنَّ إِلَيْهَا ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْحِسَابِ غَدًا ثُمَّ لَا يَعْمَلُ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَوْصِنِي ، قَالَ : " أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ ، فَإِنَّهُ رَأْسُ الْأَمْرِ كُلِّهِ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، زِدْنِي ، قَالَ : " عَلَيْكَ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ ، وَذِكْرِ اللهِ ، فَإِنَّهُ نُورٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ ، وَذُخْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ " . قُلْتُ : [2/79] يَا رَسُولَ اللهِ ، زِدْنِي . قَالَ : " إِيَّاكَ وَكَثْرَةَ الضَّحِكِ ، فَإِنَّهُ يُمِيتُ الْقَلْبَ ، وَيَذْهَبُ بِنُورِ الْوَجْهِ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، زِدْنِي ، قَالَ : " عَلَيْكَ بِالصَّمْتِ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ ، فَإِنَّهُ مَطْرَدَةٌ لِلشَّيْطَانِ عَنْكَ ، وَعَوْنٌ لَكَ عَلَى أَمْرِ دِينِكَ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، زِدْنِي ، قَالَ : " عَلَيْكَ بِالْجِهَادِ ، فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، زِدْنِي ، قَالَ : " أَحِبَّ الْمَسَاكِينَ وَجَالِسْهُمْ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ زِدْنِي ، قَالَ : " انْظُرْ إِلَى مَنْ تَحْتَكَ وَلَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ فَوْقَكَ ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تُزْدَرَى نِعْمَةُ اللهِ عِنْدَكَ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ زِدْنِي ، قَالَ : " قُلِ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا " ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ زِدْنِي ، قَالَ : " لِيَرُدَّكَ عَنِ النَّاسِ مَا تَعْرِفُ مِنْ نَفْسِكَ وَلَا تَجِدْ عَلَيْهِمْ فِيمَا تَأْتِي ، وَكَفَى بِكَ عَيْبًا أَنْ تَعْرِفَ مِنَ النَّاسِ مَا تَجْهَلُ مِنْ نَفْسِكَ ، أَوْ تَجِدَ عَلَيْهِمْ فِيمَا تَأْتِي " . ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى صَدْرِي ، فَقَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ لَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ ، وَلَا وَرَعَ كَالْكَفِّ ، وَلَا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ " .
[2/80] [2/81] قَالَ أَبُو حَاتِمٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - : أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ هَذَا ، هُوَ عَائِذُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ ، وُلِدَ عَامَ حُنَيْنٍ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَاتَ بِالشَّامِ سَنَةَ ثَمَانِينَ ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ مِنْ كِنْدَةَ ، مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ ، مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الشَّامِ وَقُرَّائِهِمْ ، سَمِعَ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَمَوْلِدُهُ يَوْمَ رَاهِطٍ ، فِي أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ ، وَوَلَّاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَضَاءَ الْمَوْصِلِ ، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ ، وَأَهْلَ الْحِجَازِ ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَى الْقَضَاءِ بِهَا حَتَّى وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْخِلَافَةَ ، فَأَقَرَّهُ عَلَى الْحُكْمِ ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهَا أَيَّامَهُ ، وَعُمِّرَ حَتَّى مَاتَ بِدِمَشْقَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ .
[2/82]