6- بَاب إذا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَبَيَّنَ لَهُ الْأَجَلَ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْعَمَلَ
لِقَوْلِهِ : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ إِلَى قَوْلِهِ : وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ يَأْجُرُ فُلَانًا : يُعْطِيهِ أَجْرًا ، وَمِنْهُ فِي التَّعْزِيَةِ آجَرَكَ اللَّهُ


قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ : " مَنِ اسْتَأْجَرَ " .
[4/520] قَوْلُهُ : ( فَبَيَّنَ لَهُ الْأَجَلَ ) فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ : " الْأَجْرَ " بِسُكُونِ الْجِيمِ وَبِالرَّاءِ ، وَالْأُولَى أَوْجَهُ .
قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يُبَيِّنِ الْعَمَلَ ) أَيْ : هَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ وَقَدْ مَالَ الْبُخَارِيُّ إِلَى الْجَوَازِ ؛ لِأَنَّهُ احْتَجَّ لِذَلِكَ فَقَالَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ الآيةَ ، وَلَمْ يُفْصِحْ مَعَ ذَلِكَ بِالْجَوَازِ لِأَجْلِ الِاحْتِمَالِ ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي سِيَاقِ الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ بَيَانُ الْعَمَلِ ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ مُوسَى أَجَّرَ نَفْسَهُ مِنْ وَالِدِ الْمَرْأَتَيْنِ ، ثُمَّ إِنَّمَا تَتِمُّ الدَّلَالَةُ بِذَلِكَ إِذَا قُلْنَا : إِنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إِذَا وَرَدَ شَرْعُنَا بِتَقْرِيرِهِ ، وَقَدِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِهَذِهِ الآيةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْإِجَارَةِ ، فَقَالَ : ذَكَرَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَنَّ نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَائِهِ أَجَّرَ نَفْسَهُ حِجَجًا مُسَمَّاةً مَلَكَ بِهَا بُضْعَ امْرَأَةٍ; وَقِيلَ : اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يَرْعَى لَهُ . قَالَ الْمُهَلَّبُ : لَيْسَ فِي الآيةِ دَلِيلٌ عَلَى جَهَالَةِ الْعَمَلِ فِي الْإِجَارَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مَعْلُومًا بَيْنَهُمْ وَإِنَّمَا حُذِفَ ذِكْرُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ . وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يُرِدْ جَوَازَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مَجْهُولًا ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الْعَمَلِ بِاللَّفْظِ لَيْسَ مَشْرُوطًا ، وَأَنَّ الْمُتَّبَعَ الْمَقَاصِدُ لَا الْأَلْفَاظُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ أَشَارَ إِلَى حَدِيثِ عُتْبَةَ بْنِ النُّدَّرِ بِضَمِّ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ قَالَ : " كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : إِنَّ مُوسَى أَجَّرَ نَفْسَهُ ثَمَانِ سِنِينَ أَوْ عَشْرًا عَلَى عِفَّةِ فَرْجِهِ وَطَعَامِ بَطْنِهِ " ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ الْعَمَلِ مِنْ قِبَلِ مُوسَى ، وَقَدْ أَبْعَدَ مَنْ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ شَيْئًا آخَرَ غَيْرَ الرَّعْيِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ شُعَيْبٌ أَنْ يَكُونَ يَرْعَى غَنَمَهُ هَذِهِ الْمُدَّةَ وَيُزَوِّجُهُ ابْنَتَهُ فَذَكَرَ لَهُ الْأَمْرَيْنِ ، وَعَلَّقَ التَّزْوِيجَ عَلَى الرِّعْيَةِ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاهَدَةِ لَا عَلَى وَجْهِ الْمُعَاقَدَةِ ، فَاسْتَأْجَرَهُ لِرَعْيِ غَنَمِهِ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ بَيْنَهُمَا ثُمَّ أَنْكَحَهُ ابْنَتَهُ بِمَهْرٍ مَعْلُومٍ بَيْنَهُمَا .
قَوْلُهُ : ( يَأْجُرُ ) بِضَمِّ الْجِيمِ ( فُلَانًا ) أَيْ : ( يُعْطِيهِ أَجْرًا ) هَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي " الْمَجَازِ " ، وَتَعَقَّبَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ : عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي أَيْ : تَكُونُ لِي أَجِيرًا ، وَالتَّقْدِيرُ : عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي نَفْسَكَ .
قَوْلُهُ : ( وَمِنْهُ فِي التَّعْزِيَةِ آجَرَكَ اللَّهُ ) هُوَ مِنْ قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا وَزَادَ : " يَأْجُرُكَ أَيْ : يُثِيبُكَ " وَكَأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى أَصْلِ الْمَادَّةِ وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى فِي الْأَجْرِ وَالْأُجْرَةِ مُخْتَلِفًا .