31 - بَاب الْقَائِفِ
6770 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَالَ : أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ؟


قَوْلُهُ : ( بَابُ الْقَائِفِ ) هُوَ الَّذِي يَعْرِفُ الشَّبَهَ وَيُمَيِّزُ الْأَثَرَ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَقْفُو الْأَشْيَاءَ أَيْ يَتْبَعُهَا فَكَأَنَّهُ مَقْلُوبٌ مِنَ الْقَافِي ، نَقَلَ الْأَصْمَعِيُّ : هُوَ الَّذِي يَقْفُو الْأَثَرَ ، وَيقْتَافَهُ قَفْوًا وَقِيَافَةً وَالْجَمْعُ الْقَافَةُ ، كَذَا وَقَعَ فِي الْغَرِيبَيْنِ وَالنِّهَايَةِ .
قوله : في الطرق الثانية : عن الزهري في رواية الحميدي عن سفيان ، حدثنا الزهري ، أخرجه أبو نعيم .
قَوْلُهُ : ( دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَوْلُهُ : ( فَقَالَ أَلَمْ تَرَيْ إِلَى مُجَزِّزٍ ) فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا وَالْمُرَادُ مِنَ الرُّؤْيَةِ هُنَا الْإِخْبَارُ أَوِ الْعِلْمُ ، وَمَضَى فِي مَنَاقِبِ زَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ الْمُدْلِجِيُّ وَمَضَى فِي صِفَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ : " دَخَلَ عَلَيَّ قَائِفٌ " الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ فَسُرَّ بِذَلِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَعْجَبَهُ وَأَخْبَرَ بِهِ عَائِشَةَ .
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : " وَكَانَ مُجَزِّزٌ قَائِفًا " وَمُجَزِّزٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ الثَّقِيلَةِ وَحُكِيَ فَتْحُهَا وَبَعْدَهَا زَايٌ أُخْرَى " ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ثُمَّ زَايٍ ، وَهُوَ ابْنُ الْأَعْوَرِ بْنِ جَعْدَةَ الْمُدْلِجِيُّ نِسْبَةٌ إِلَى مُدْلِجِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ كِنَانَةَ ، وَكَانَتِ الْقِيَافَةُ فِيهِمْ وَفِي بَنِي أَسَدٍ ، وَالْعَرَبُ تَعْتَرِفُ لَهُمْ بِذَلِكَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ خَاصًّا بِهِمْ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ فِي الْفَرَائِضِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى سَعِيدِ بْنِ [12/58] الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ قَائِفًا أَوْرَدَهُ فِي قِصَّتِهِ ، وَعُمَرُ قُرَشِيٌّ لَيْسَ مُدْلِجِيًّا وَلَا أَسَدِيًّا لَا أَسَدَ قُرَيْشٍ ، وَلَا أَسَدَ خُزَيْمَةَ ، وَمُجَزِّزٌ الْمَذْكُورُ هُوَ وَالِدُ عَلْقَمَةَ بْنِ مُجَزِّزٍ الْمَاضِي ذِكْرُهُ فِي " بَابِ سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ " مِنَ الْمَغَازِي ، وَذَكَرَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ ، وَالْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ سُمِّيَ مُجَزِّزًا لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا أَخَذَ أَسِيرًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ جَزَّ نَاصِيَتَهُ وَأَطْلَقَهُ ، وَهَذَا يَدْفَعُ فَتْحَ الزَّايِ الْأُولَى مِنِ اسْمِهِ ، وَعَلَى هَذَا فَكَانَ لَهُ اسْمٌ غَيْرُ مُجَزِّزٍ . لَكِنِّي لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ .
وَكَانَ مُجَزِّزٌ عَارِفًا بِالْقِيَافَةِ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ فِيمَنْ شَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ وَقَالَ : لَا أَعْلَمُ لَهُ رِوَايَةً .
قَوْلُهُ : ( نَظَرَ آنِفًا ) بِالْمَدِّ وَيَجُوزُ الْقَصْرُ أَيْ قَرِيبًا أَوْ أَقْرَبَ وَقْتٍ .
قَوْلُهُ : ( إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ) فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا دَخَلَ عَلَيَّ فَرَأَى أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ : " وَأُسَامَةُ ، وَزَيْدٌ مُضْطَجِعَانِ " ، وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ دَفْعُ تَوَهُّمِ مَنْ يَقُولُ : لَعَلَّهُ حَابَاهُمَا بِذَلِكَ لِمَا عُرِفَ مِنْ كَوْنِهِمْ كَانُوا يَطْعَنُونَ فِي أُسَامَةَ .
قَوْلُهُ : ( بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : " لَمِنْ بَعْضٍ " ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : نَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ أَهْلِ النَّسَبِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَقْدَحُونَ فِي نَسَبِ أُسَامَةَ لِأَنَّهُ كَانَ أَسْوَدَ شَدِيدَ السَّوَادِ ، وَكَانَ أَبُوهُ زَيْدٌ أَبْيَضَ مِنَ الْقُطْنِ ، فَلَمَّا قَالَ الْقَائِفُ مَا قَالَ مَعَ اخْتِلَافِ اللَّوْنِ سُرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَافًّا لَهُمْ عَنِ الطَّعْنِ فِيهِ لِاعْتِقَادِهِمْ ذَلِكَ .
وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ ، أَنَّ أُمَّ أُسَامَةَ - وَهِيَ أُمُّ أَيْمَنَ مَوْلَاةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ سَوْدَاءَ فَلِهَذَا جَاءَ أُسَامَةُ أَسْوَدَ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أُمَّ أَيْمَنَ كَانَتْ حَبَشِيَّةً وَصِيفَةً لِعَبْدِ اللَّهِ وَالِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيُقَالُ كَانَتْ مِنْ سَبْيِ الْحَبَشَةِ الَّذِينَ قَدِمُوا زَمَنَ الْفِيلِ ، فَصَارَتْ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَوَهَبَهَا لِعَبْدِ اللَّهِ ، وَتَزَوَّجَتْ قَبْلَ زَيْدٍ ، عُبَيْدًا الْحَبَشِيَّ ، فَوَلَدَتْ لَهُ أَيْمَنَ ، فَكُنِيَتْ بِهِ وَاشْتَهَرَتْ بِذَلِكَ ، وَكَانَ يُقَالُ لَهَا أُمُّ الظِّبَاءِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهَا ذِكْرٌ فِي أَوَاخِرِ الْهِبَةِ .
قَالَ عِيَاضٌ : لَوْ صَحَّ أَنَّ أُمَّ أَيْمَنَ كَانَتْ سَوْدَاءَ لَمْ يُنْكِرُوا سَوَادَ ابْنِهَا أُسَامَةَ ؛ لِأَنَّ السَّوْدَاءَ قَدْ تَلِدُ مِنَ الْأَبْيَضِ أَسْوَدَ .
قُلْتُ : يَحْتَمِلُ أَنَّهَا كَانَتْ صَافِيَةً فَجَاءَ أُسَامَةُ شَدِيدَ السَّوَادِ فَوَقَعَ الْإِنْكَارُ لِذَلِكَ ، وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُنْتَقِبَةِ وَالِاكْتِفَاءِ بِمَعْرِفَتِهَا مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةِ الْوَجْهِ ، وَجَوَازُ اضْطِجَاعِ الرَّجُلِ مَعَ وَلَدِهِ فِي شِعَارٍ وَاحِدٍ ، وَقَبُولُ شَهَادَةِ مَنْ يَشْهَدُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ عِنْدَ عَدَمِ التُّهْمَةِ ، وَسُرُورُ الْحَاكِمِ لِظُهُورِ الْحَقِّ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عِنْدَ السَّلَامَةِ مِنَ الْهَوَى ، وَتَقَدَّمَ فِي " بَابِ إِذَا عَرَّضَ بِنَفْيِ الْوَلَدِ " مِنْ كِتَابِ اللِّعَانِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي قَالَ : " إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ " ، وَفِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ وَمَضَى شَرْحُهُ هُنَاكَ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
( تَنْبِيهٌ ) :
وَجْهُ إِدْخَالِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقَائِفَ لَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ ، فَإِنَّ مَنِ اعْتَبَرَ قَوْلَهُ فَعَمِلَ بِهِ لَزِمَ مِنْهُ حُصُولُ التَّوَارُثِ بَيْنَ الْمُلْحَقِ وَالْمُلْحَقِ بِهِ .