[1/136] باب ما يقول إذا خرج من المخرج
36 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا يحيى بن أبي بكير ، نا إسرائيل ، نا يوسف بن أبي بردة ، سمعت أبي يقول : دخلت على عائشة فسمعتها تقول : " كان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يقول إذا خرج من الغائط : غفرانك " .


قال أبو الحسن بن سلمة : أنبأ أبو حاتم ، ثنا أبو غسان النهدي ، ثنا إسرائيل نحوه .
خرجه الترمذي ، وقال : هذا حديث غريب حسن ، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل ، عن يوسف ، ولا نعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وفيما قاله نظر من وجوه :
الأول : قوله : لا نعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة : إن أراد مطلق القول عند الخروج ففي الباب أحاديث عدّة ؛ منها : حديث أنس الآتي في هذا الباب عند ابن ماجه ، وحديث أبي ذر : " كان - عليه السلام - إذا خرج من الخلاء قال : الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني " ، من عند النسائي ، وذكر فيه خلاءه ، وذكره أبو حاتم في كتاب " العلل " وضعفه ، وحديث ابن عمر يرفعه : " الحمد لله الذي أذاقني لذّته ، وأبقى فيّ قوته ، وأذهب عني أذاه " .
وحديث طاوس من سنن الدارقطني ، عن ابن عباس مرفوعا بلفظ : " فليقل : الحمد لله الذي أخرج عني ما يؤذيني ، وأمسك علي ما ينفعني " ، وحديث سهل بن أبي [1/137] حثمة بنحوه ، ذكره ابن الجوزي في " العلل المتناهية " ، وإن أراد قول : " غفرانك " فيتجه له قوله .
الثاني : استغرابه إيَّاه من غير تصحيح ، وإن كانت الغرابة لا تنافي الصحة ، ولذلك لم يلتفت ابن خزيمة إلى ذلك ، بل ذكره في صحيحه ، وكذلك ابن حبان والحاكم ، وخرجه ابن الجارود في " المنتقى " ، وقال أبو حاتم الرازي : هو أصح شيء في هذا الباب ، وإن كانت هذه اللفظة لا تعطي تصحيحا مطلقا ، وتشعر بأن في الباب غيره ، بخلاف ما قاله الترمذي .
الثالث : الجمع بين قوله : حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل ، وبين قوله : لا نعرف في هذا الباب إلَّا حديث عائشة ، فإنه أثبت له غرابة السند بتفرد إسرائيل عن ابن أبي بردة ، وغرابة المتن لكونه لا يعرف غيره ، ثم وصفه بعد ذلك بالحسن ، ولو لم تكن إلا الغرابة الراجعة إلى الإسناد ؛ لما عارضت في ذلك ، وأما أنه لا يعرف في الباب إلَّا هو مع قوله في الَحسن إنه يُرْوَى مثل ذلك الحديث أو نحوه من وجه آخر .
فهذا الحديث قد يوهم منافاة الحسن الذي وصفه به على شرطه ، فيحتاج الجواب على ذلك ، فنقول : لا يشترط في كل حسن أن يكون كذلك ، بل الذي نحتاج فيه إلى أن يروى نحوه من وجه آخر هو ما كان راويه في درجة المستور ، ومن لم تثبت عدالته ولا ارتقى إلى أن تدخل في الصحيح مع المتابعة روايته ، فهناك نحتاج إلى تقويته بالمتابعات والشواهد ليصل بمجموع ذلك إلى الدرجة ، وأما هذا فقد كان من شأنه أن يكون من الصحيح ، فإن إسرائيل [1/138] المنفرد به متفق على إخراج حديثه عند الشيخين ، والثقة إذا انفرد بحديث ، ولم يتابع عليه لا يرتقي إلى درجة الصحيح ، حتى يكون مع الثقة في المرتبة العليا من الحفظ والإتقان ، وإن لم يتجاوز الثقة فحديثه هناك حسن ، كما أن المستور مع التفرد لا يرتقي إلى درجة الحسن ؛ بل تفرده مردود ، فكذلك هذا الحديث ، لو وجد شاهدا لما وقف عند مرتبة الحسن ، وربما لم نقف عندها لما بينا من تصحيح من صححه ، أو يكون الترمذي لما شرط الحسن وتقويته بالمتابعات عرف بنوع منه ، وهو أكثره وقوعا عنده ، لا بكل أنواعه ، وهذا نوع آخر منه مستفاد من كلامه وكلام الخليلي والحاكم وغيرهما من الحفاظ ؛ فعلى هذين القولين ينبني كلام الترمذي ، أو تكون الغرابة بالنسبة إلى الراوي لا إلى الحديث ؛ إذ الغرابة والحسن في المتن لا تجتمعان .
وذكر بعض الحفاظ أن جمهور الروايات على لفظ الخلاء بدلا من الغائط ، ولفظ " الغائط " تفرد بها هاشم بن القاسم ، عن إسرائيل ، وحديث ابن ماجه المذكور يقضي على قوله ؛ لأن يحيى قال ذلك عنه بما ينفي التفرد ، واللّه أعلم .