33 - حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا أبو عامر ، قال : حدثنا سليمان بن بلال المديني ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن يزيد مولى المنبعث ، عن زيد بن خالد الجهني : أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل عن اللقطة فقال : اعرف وكاءها ، أو قال وعاءها وعفاصها ، ثم عرفها سنة ، ثم استمتع بها ، فإن جاء ربها فأدها إليه ، قال فضالة : الإبل ؟ فغضب حتى احمرت وجنتاه ، أو قال احمر وجهه ، فقال : وما لك ولها ، معها سقاؤها وحذاؤها ، ترد الماء وترعى الشجر ، فذرها حتى يلقاها ربها ، قال فضالة : الغنم ؟ قال : لك أو لأخيك أو للذئب .

مطابقة الحديث للترجمة في قوله : " فغضب حتى احمرت وجنتاه " .
بيان رجاله : وهم ستة ، الأول : عبد الله بن محمد أبو جعفر المسندي بفتح النون ، وقد تقدم .
الثاني : أبو عامر عبد الملك ، وقد تقدم .
الثالث : سليمان بن بلال المديني ، وقد تقدم ، وفي بعض النسخ المدني ، قال الجوهري : إذا نسبت إلى مدينة النبي عليه السلام قلت : مدني ، وإلى مدينة المنصور مديني ، وإلى مدائن كسرى مدائني ، قلت : فعلى هذا التقدير لا يصح المديني لأنه من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال الحافظ أبو الفضل المقدسي في كتاب الأنساب : قال البخاري : المديني هو الذي أقام بمدينة رسول الله عليه السلام ولم يفارقها ، والمدني هو الذي تحول عنها وكان منها .
الرابع : ربيعة بن أبي عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي ، وقد يقال الرئي بالتشديد منسوبا إلى الرأي ، وهو شيخ مالك ، وقد تقدم .
الخامس : يزيد ، من الزيادة مولى المنبعث ، اسم فاعل من الانبعاث بالنون والموحدة والمهملة والمثلثة المدني ، روى عن أبي هريرة وزيد بن خالد ، وعن ربيعة ، ويحيى بن سعيد ، ثقة ، روى له الجماعة .
[2/108] السادس : زيد بن خالد الجهني بضم الجيم وفتح الهاء والنون ، منسوب إلى جهينة بن زيد بن لوث بن سود بن أسلم ، بضم اللام بن الحاف بن قضاعة ، يكنى أبا طلحة ، وقيل أبا عبد الرحمن ، وقيل أبا زرعة ، وكان معه لواء جهينة يوم الفتح ، روي له عن رسول الله عليه السلام أحد وثمانون حديثا ، ذكر البخاري منها خمسة ، نزل الكوفة ومات بها سنة ثمان وسبعين وهو ابن خمس وثمانين ، وقيل مات بالمدينة ، وقيل بمصر ، روى له الجماعة ، وليس في الصحابة زيد بن خالد سواه .
بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها أن رواته ما بين بخاري وبصري ومدني ، ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي .
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري هنا عن المسندي عن العقدي عن المديني ، وفي اللقطة عن عبد الله بن يوسف ، وفي الشرب عن إسماعيل بن عبد الله ، كلاهما عن مالك ، وفي اللقطة عن قتيبة ، وفي الأدب عن محمد ، كلاهما عن إسماعيل بن جعفر ، وفي اللقطة عن محمد بن يوسف وعن عمرو بن العباس عن عبد الرحمن بن المهدي ، كلاهما عن سفيان الثوري ، أربعتهم عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وفي اللقطة عن إسماعيل بن عبد الله عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد ، كلاهما عنه به ، وفي الطلاق عن علي بن عبد الله عن سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد عنه به مرسلا أن النبي عليه السلام سئل عن ضالة الغنم ، قال يحيى : ويقول ربيعة عن يزيد مولى المنبعث ، عن زيد بن خالد ، قال سفيان : فلقيت ربيعة ولم أحفظ عنه شيئا غير هذا ، قلت : أرأيت حديث يزيد مولى المنبعث في أمر الضالة هو عن يزيد بن خالد ؟ قال : نعم ، وأخرجه مسلم في القضاء عن يحيى بن يحيى عن مالك ، وعن يحيى بن أيوب وقتيبة وعلي بن حجر ، ثلاثتهم عن إسماعيل بن جعفر ، وعن أحمد بن عثمان بن حكيم الأزدي عن خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال ، وعن أبي الطاهر بن السرح عن ابن وهب عن الثوري ومالك وعمرو بن الحارث وغيرهم ، كلهم عن ربيعة به ، وعن القعنبي عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد به متصلا ، وعن إسحاق بن منصور عن حبان بن هلال عن حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد وربيعة به ، وأخرجه أبو داود في اللقطة عن قتيبة ، وعن أبي الطاهر بن السرح عن ابن وهب عن مالك به ، وعن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة به ، وعن أحمد بن حفص عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان عن عباد بن إسحاق عن عبد الله بن يزيد مولى المنبعث عن أبيه ، وأخرجه الترمذي في الأحكام عن قتيبة به ، وقال : حسن صحيح ، وأخرجه النسائي في الضوال واللقطة عن قتيبة به ، وقال : حسن صحيح ، وعلي بن حجر به مقطعا ، وعن أحمد بن حفص به ، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن إسحاق بن إسماعيل بن العلاء الأيلي عن سفيان عن يحيى عن ربيعة .
بيان اللغات : قوله " عن اللقطة " بضم اللام وفتح القاف الشيء الملقوط ، وقال القاضي : لا يجوز فيه غير ضم اللام وفتح القاف ، وقال النووي : هو المشهور ، قال الأزهري : قال الخليل بالإسكان ، قال : والذي سمع من العرب وأجمع عليه أهل اللغة ورواة الأخبار فتحها ، كذا قال الأصمعي والفراء وابن الأعرابي ، وقال النووي : ويقال لها لقطة بالضم ولقط بفتح اللام والقاف بغير هاء ، وهو من الالتقاط وهو وجود الشيء من غير طلب ، فإن قلت : ما هذه الصيغة ؟ قلت : قال بعض الشارحين هو اسم الفاعل للمبالغة ، وبسكون القاف اسم المفعول كالضحكة ، وهو اسم للمال الملتقط ، وسمي باسم المال مبالغة لزيادة معنى اختص به ، وهو أن كل من رآها يميل إلى رفعها فكأنه يأمره بالرفع لأنها حاملة إليه ، فأسند إليها مجازا فجعلت كأنها هي التي رفعت نفسها ، ونظيره قولهم ناقة حلوب ودابة ركوب ، وهو اسم فاعل ؛ سميت بذلك لأن من رآهما يرغب في الركوب والحلب ، فنزلت كأنها أحلبت نفسها أو أركبت نفسها ، وفيه تعسف وليس كذلك بل اللقطة سواء كان بفتح القاف أو سكونها اسم موضوع على هذه الصيغة للمال الملتقط ، وليس هذا مثل ضحكة ولا مثل ناقة حلوب ودابة ركوب ؛ لأن هذه صفات تدل على الحدوث والتجدد غير أن الأول في المبالغة في وصف الفاعل أو المفعول ، والثاني والثالث بمعنى المفعول للمبالغة ، وقال الكرماني : قال الخليل : بالفتح هو اللاقط وبالسكون الملقوط ، وقال الأزهري : هذا هو القياس في كلام العرب لأن فعلة كالضحكة جاء فاعلا ، وفعلة كالضحكة مفعولا إلا أن اللقطة على خلاف القياس إذ أجمعوا على الهاء بالفتح هو الملقوط ، وقال ابن مالك : فيها أربع لغات اللقطة بالفتح وبالسكون واللقاطة بضم اللام واللقطة بفتح اللام والقاف ، قوله " اعرف " بكسر الهمزة من المعرفة لا من الإعراف ، قوله " وكاءها " بكسر الواو وبالمد هو الذي تشد به رأس الصرة والكيس ونحوهما ، ويقال هو الخيط الذي يشد به الوعاء ، يقال : [2/109] أوكيته إيكاء فهو موكى مقصور ، والفعل منه معتل اللام بالياء ، يقال أوكى على ماء في سقائه أي شده بالوكاء ، ومنه أوكوا قربكم ، وأوكى يوكي مثل أعطى يعطي إعطاء ، وأما المهموز فمعنى آخر ، يقال أوكأت الرجل أعطيته ما يتوكأ عليه ، واتكأ على الشيء بالهمزة فهو متكئ ، قوله " وعاءها " بكسر الواو وهو الظرف ويجوز ضمها ، وهو قراءة الحسن " وعاء أخيه " وهو لغة ، وقرأ سعيد بن جبير " إعاء أخيه " بقلب الواو همزة ، ذكره الزمخشري ، وقال الجوهري : الوعاء واحد الأوعية ، يقال : أوعيت الزاد والمتاع إذا جعلته في الوعاء ، قال عبيد بن الأبرص :
الخير يبقى وإن طال الزمان به
والشر أخبث ما أوعيت من زاد
قوله " وعفاصها " بكسر العين المهملة وبالفاء ، وقال الكرماني : وبالقاف ، والظاهر أنه غلط من الناسخ أو سهو منه أو يكون ذهنه بادر إلى ما قيل العقاص بالقاف الخيط يشد به أطراف الذوائب ، قال في العباب : العفاص الوعاء الذي يكون فيه النفقة إن كان جلدا أو خرقة أو غير ذلك ، عن أبي عبيد ، وكذلك يسمى الجلد الذي يكبس رأس القارورة العفاص لأنه كالوعاء لها ، ومنه الحديث ، ثم ذكر هذا الحديث ، وقال الليث : عفاص القارورة صمامها ، ويقال أيضا عفاص القارورة غلافها ، وهو فعال من العفص وهو الثني والعطف ؛ لأن الوعاء ينثني على ما فيه وينعطف ، وقد عفصت القارورة أعفصها بالكسر عفصا إذا شددت عليها العفاص ، وقال الفراء : عفصت القارورة إذا جعلت لها عفاصا ، والصمام بكسر الصاد المهملة هو الجلد الذي يدخل في فم القارورة ، وكذا أيضا يقال لكل ما سددت به شيئا السداد بالكسر وهو البلغة أيضا ، ومنه قول الشاعر :
أضاعوني وأي فتى أضاعوا
ليوم كريهة وسداد ثغر
وأما السداد بالفتح فالقصد في الدين والسبيل ، قوله " ربها " أي مالكها ، ولا يطلق الرب على غير الله إلا مضافا مقيدا ، قوله " فضالة الإبل " قال الأزهري : لا يقع اسم الضالة إلا على الحيوان ، يقال : ضل الإنسان والبعير وغيرهما من الحيوان وهي الضوال ، وأما الأمتعة وما سوى الحيوان فيقال له : لقطة ، ولا يقال ضال ، ويقال للضوالي أيضا الهوامي والهوافي ، واحدتها هامية وهافية ، وهمت وهفت وهملت إذا ذهبت على وجهها بلا راع ، قوله " وجنتاه " الوجنة ما ارتفع من الخد ، ويقال : ما علا من لحم الخدين يقال فيه وجنة ، بفتح الواو وكسرها وضمها ، وأجنة بضم الهمزة ، ذكره الجوهري وغيره ، قوله " سقاؤها " بكسر السين هو اللبن والماء ، والجمع القليل أسقية والكثير أساقي ، كما أن الرطب للبن خاصة والنحي للسمن والقربة للماء ، قوله " وحذاؤها " بكسر الحاء المهملة وبالمد ما وطئ عليه البعير من خفه والفرس من حافره ، والحذاء النعل أيضا ، قوله " ترد " من الورود ، قوله " فذرها " أي دعها من يذر وأميت ماضيه ، قوله " الغنم " وهو اسم مؤنث موضوع للجنس يقع على الذكور وعلى الإناث وعليهما جميعا ، فإذا صغرتها ألحقتها الهاء فقلت : غنيمة ؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدمين فالتأنيث لها لازم ، يقال : خمس من الغنم ذكور فتؤنث العدد وإن عنيت الكباش إذا كان يليه من الغنم لأن العدد يجري تذكيره وتأنيثه على اللفظ لا على المعنى ، والإبل كالغنم في جميع ذلك ، قوله " للذئب " بالهمزة ، وقد تخفف بقلبها ياء والأنثى ذئبة .
بيان الإعراب : قوله " رجل " فاعل سأله ، قوله " وكاءها " بالنصب مفعول اعرف ، وقوله " ثم عرفها " عطف على " اعرفها " قوله " سنة " نصب بنزع الخافض أي مدة سنة ، قوله " ثم استمتع " عطف على " ثم عرفها " قوله " فأدها " جواب الشرط فلذلك دخلته الفاء ، قوله " فضالة الإبل " كلام إضافي مبتدأ وخبره محذوف أي ما حكمها أكذلك أم لا ، وهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف ، قوله " فغضب " الفاء فيه للسببية كما في قوله تعالى : فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قوله " حتى " للغاية بمعنى إلى أن ، وقوله " وجنتاه " فاعل احمرت ، وعلامة الرفع الألف ، قوله " ما لك ولها " وفي بعض النسخ وما لك بالواو ، وفي بعضها فما لك بالفاء ، وكلمة ما استفهامية ، ومعناه ما تصنع بها أي لم تأخذها ولم تتناولها وإنها مستقلة بأسباب تعيشها ، قوله " سقاؤها " مبتدأ و " معها " مقدما خبره " وحذاؤها " عطف على سقاؤها ، قوله " ترد الماء " جملة يجوز أن تكون بيانا لما قبلها فلا محل لها من الإعراب ، ويجوز أن يكون محلها الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف أي هي ترد الماء وترعى الشجر ، قوله " فذرها " جملة من الفعل والفاعل والمفعول ، والفاء فيها جواب شرط محذوف التقدير ، إذا كان الأمر كذلك فذرها ، فكلمة [2/110] حتى للغاية ، قوله " فضالة الغنم " كلام إضافي مبتدأ خبره أي ما حكمها أهي مثل ضالة الإبل أم لا ، قوله " لك أو لأخيك أو للذئب " فيه حذف تقديره ليست ضالة الغنم مثل ضالة الإبل ، هي لك إن أخذتها أو هي لأخيك إن لم تأخذها ، يعني يأخذها غيرك من اللاقطين أو يكون المار من الأخ صاحبها ، والمعنى أو هي لأخيك الذي هو صاحبها إن ظهر أو هي للذئب إن لم تأخذها ، ولم يتفق أن يأخذها غيرك أيضا لأنه يخاف عليها من الذئب ونحوه فيأكلها غالبا ، فإذا كان المعنى على هذا يكون محل لك من الإعراب الرفع لأنه خبر مبتدأ محذوف ، وكذلك لأخيك وللذئب .
بيان المعاني : قوله " سأله رجل " هو عمير والد مالك ، قوله " أو قال " شك من الراوي ، قال الكرماني : هو زيد بن خالد ، قلت : ويجوز أن يكون ممن دونه من الرواة ، وفي بعض طرقه عند البخاري " اعرف عفاصها ووكائها " من غير شك " ثم عرفها سنة ، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها " إنما أمر بمعرفة العفاص والوكاء ليعرف صدق واصفها من كذبه ولئلا يختلط بماله ، ويستحب التقييد بالكتابة خوف النسيان ، وعن ابن داود من الشافعية أن معرفتها قبل حضور المالك مستحب ، وقال المتولي : يجب معرفتها عند الالتقاط ويعرف أيضا الجنس والقدر وطول الثوب وغير ذلك ودقته وصفاقته ، قوله " ثم عرفها " أي للناس بذكر بعض صفاتها في المحافل " سنة " أي متصلة كل يوم مرتين ثم مرة ثم في كل أسبوع ثم في كل شهر في بلد اللقط ، فإن قلت : جاء في حديث أبي ثلاث سنين وفي بعض طرقه الشك في سنة أو ثلاث ، قلت : جمع بينها بطرح الشك والزيادة ، وترد الزيادة لمخالفتها باقي الأحاديث ، وقيل : هي قصتان الأولى للأعرابي والثانية لأبي أفتاه بالورع بالتربص ثلاثة أعوام إذ هو من فضلاء الصحابة ، قوله " ثم استمتع بها " قالوا : الإتيان هنا بثم دال على المبالغة في التثبت على العفاص والوكاء إذ كان وضعها للتراخي والمهلة ، فكأنه عبارة عن قوله لا تعجل وتثبت في عرفان ذلك ، قوله " فغضب " أي رسول الله عليه الصلاة والسلام ، قال الخطابي : إنما كان غضبه استقصارا لعلم السائل وسوء فهمه إذ لم يراع المعنى المشار إليه ولم يتنبه له فقاس الشيء على غير نظيره ، فإن اللقطة إنما هي اسم للشيء الذي يسقط من صاحبه ولا يدري أين موضعه ، وليس كذلك الإبل فإنها مخالفة للقطة اسما وصفة ، فإنها غير عادمة أسباب القدرة على العود إلى ربها لقوة سيرها وكون الحذاء والسقاء معها ؛ لأنها ترد الماء ربعا وخمسا وتمتنع من الذئاب وغيرها من صغار السباع ومن التردي وغير ذلك ، بخلاف الغنم فإنها بالعكس ، فجعل سبيل الغنم سبيل اللقطة ، قلت : في بعض من ذكره نظر وهو قوله : اللقطة اسم للشيء الذي يسقط من صاحبه ، إلى قوله : وصفة فإن الغنم أيضا ليس كذلك فينبغي أن يكون مثل الإبل على هذا الكلام ، مع أنه ليس مثل الإبل ، وقوله أيضا : وتمتنع من الذئاب فإن الجواميس تمتنع من كبار السباع فضلا عن صغارها وتغيب عن صاحبها أياما عديدة ترعى وتشرب ثم تعود فينبغي أن تكون مثل الإبل ، مع أنه ليس كذلك ، قوله " ما لك ولها " فيه نهي عن أخذها ، وقوله " لك أو لأخيك " فيه إذن لأخذها .
ومن البيان : فيه التشبيه وهو في قوله " معها سقاؤها وحذاؤها " فإنه شبه الإبل بمن كان معه حذاء وسقاء في السفر .
ومن البديع : فيه الجناس الناقص وهو في قوله اعرف وعرف ، والحرف المشدد في حكم المخفف في هذا الباب فافهم .
بيان استنباط الأحكام : وهو على وجوه ، الأول : حكى القاضي عن بعضهم الإجماع على أن معرفة العفاص والوكاء من إحدى علامات اللقطة ، قلت : فإن وصفها وبينها ، قال أصحابنا الحنفية : حل للملتقط أن يدفعها إليه من غير أن يجبر عليه في القضاء ، وقال الشافعي ومالك : يجبر على دفعها لما جاء في رواية مسلم " فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها إياه وإلا فهي لك " وهذا أمر وهو للوجوب ، قالت الحنفية : هذا مدع وعليه البينة لقوله عليه الصلاة والسلام " البينة على من ادعى " والعلامة لا تدل على الملك ولا على اليد لأن الإنسان قد يقف على مال غيره ويخفى عليه مال نفسه ، فلا عبرة بها ، والحديث محمول على الجواز توفيقا بين الأخبار ؛ لأن الأمر قد يراد به الإباحة وبه نقول ، وقال الشيخ قطب الدين : إذا وصفها فهل يجب إعطاؤها بالوصف أم لا ؟ ذهب مالك إلى وجوبه ، واختلف أصحابه هل يحلف ؟ قال ابن القاسم : لا يحلف ، وقال أشهب وسحنون : يحلف ، وألحقوا به السارق إذا سرق مالا ونسي المسروق منه ثم أتى من وصفه فإنه يعطى ، وأما الوديعة إذا نسي من أودعها إياه فمن أصحابه من أجراها مجرى اللقطة والسرقة ، ومنهم من فرق بينهما بأن كل موضع يتعذر فيه على المالك إقامة البينة اكتفى فيه بالصفة ، وفي [2/111] المثالين الأولين يتعذر إقامة البينة بخلاف الوديعة ، ثم في الإعطاء بالوصف منهم من شرط الأوصاف الثلاثة ، ومنهم من اقتصر على البعض ، وعند مالك خلاف قيل عنده : لا بد من معرفة الجميع ، وقيل يكفي وصفان ، وقيل لا بد من العفاص والوكاء ، وفي شرح السنة اختلفوا في أنه لو ادعى رجل اللقطة وعرف عفاصها ووكاءها ، فذهب مالك وأحمد إلى أنه يدفع إليه من غير بينة أقامها عليه ، وهو المقصود من معرفة العفاص والوكاء ، وقال الشافعي والحنفية : إذا وقع في النفس صدق المدعي فله أن يعطيه وإلا فبينة .
الثاني : هل يجب على اللاقط التقاط اللقطة ، فروي عن مالك الكراهة ، وروي عنه أن أخذها أفضل فيما له بال ، وللشافعي ثلاثة أقوال أصحها يستحب الأخذ ولا يجب ، والثاني يجب ، والثالث إن خاف عليها وجب وإن أمن عليها استحب ، وعن أحمد يندب تركها ، وفي شرح الطحاوي إذا وجد لقطة فالأفضل له أن يرفعها إذا كان يأمن على نفسه ، وإذا كان لم يأمن لا يرفعها ، وفي شرح الأقطع يستحب أخذ اللقطة ولا يجب ، وفي النوازل قال أبو نصر محمد بن محمد بن سلام : ترك اللقطة أفضل في قول أصحابنا من رفعه ، ورفع اللقيط أفضل من تركه ، وفي خلاصة الفتاوى إن خاف ضياعها يفترض الرفع وإن لم يخف يباح رفعها ، أجمع العلماء عليه ، والأفضل الرفع في ظاهر المذهب ، وفي فتاوى الولوالجي : اختلف العلماء في رفعها ، قال بعضهم : رفعها أفضل من تركها ، وقال بعضهم : يحل رفعها ، وتركها أفضل ، وفي شرح الطحاوي : ولو رفعها ووضعها في مكانه ذلك فلا ضمان عليه في ظاهر الرواية ، وقال بعض مشايخنا : هذا إذا لم يبرح من ذلك المكان حتى وضع هناك ، فأما إذا ذهب عن مكانه ذلك ثم أعادها ووضعها فيه فإنه يضمن ، وقال بعضهم : يضمن مطلقا ، وهذا خلاف ظاهر الرواية .
الثالث : احتج به من يمنع التقاط الإبل إذا استغنت بقوتها عن حفظها ، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد ، ويقال عند الشافعي : لا يصح في الكبار ويصح في الصغار ، وعند مالك : لا يصح في الإبل والخيل والبغل والحمار فقط ، وعند أحمد : لا يصح في الكل حتى الغنم ، وعنه يصح في الغنم ، وفي بعض شروح البخاري وعند الشافعية : يجوز للحفظ فقط إلا أن يوجد بقرية أو بلد فيجوز على الأصح ، وعند المالكية ثلاثة أقوال في التقاط الإبل ، ثالثها : يجوز في القرى دون الصحراء ، وقالت الشافعية : في معنى الإبل كل ما امتنع بقوته عن صغار السباع كالفرس والأرنب والظبي ، وعند المالكية خلاف في ذلك ، وقال ابن القاسم : يلحق البقر بالإبل دون غيرها إذا كانت بمكان لا يخاف عليها فيه من السباع ، وقال القاضي : اختلف عند مالك في الدواب والبقر والبغال والحمير هل حكمها حكم الإبل أو سائر اللقطات ، وقالت الحنفية : يصح التقاط البهيمة مطلقا من أي جنس كان لأنها مال يتوهم ضياعه ، والحديث محمول على ما كان في ديارهم إذ كان لا يخاف عليها من شيء ، ونحن نقول في مثله بتركها وهذا لأن في بعض البلاد الدواب يسيبها أهلها في البراري حتى يحتاجوا إليها فيمسكوها وقت حاجتهم ولا حاجة في التقاطها في مثل هذه الحالة ، والذي يدل على هذا ما رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب قال : كان ضوال الإبل في زمن عمر رضي الله عنه إبلا مؤبلة تتناتج لا يمسكها أحد ، حتى إذا كان زمن عثمان رضي الله عنه أمر بمعرفتها ثم تباع ، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها ، قلت : قال الجوهري : إذا كانت الإبل للقنية فهي إبل مؤبلة .
الرابع : التعريف باللقطة ، قال أصحابنا : يعرفها إلى أن يغلب على ظنه أن ربها لا يطلبها ؛ وهو الصحيح لأن ذلك يختلف بقلة المال وكثرته ، وروى محمد عن أبي حنيفة : إن كانت أقل عن عشرة دراهم عرفها أياما ، وإن كانت عشرة فصاعدا عرفها حولا ، وقدره محمد في الأصل بالحول من غير تفصيل بين القليل والكثير ، وهو قول الشافعي ومالك ، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنها إن كانت مائتي درهم فصاعدا يعرفها حولا ، وفيما فوق العشرة إلى مائتين شهرا ، وفي العشرة جمعة ، وفي ثلاثة دراهم ثلاثة أيام ، وفي درهم يوما ، وإن كانت تمرة ونحوها تصدق بها مكانها ، وإن كان محتاجا أكلها مكانها ، وفي الهداية إذا كانت اللقطة شيئا يعلم أن صاحبها لا يطلبها كالنواة وقشر الرمان يكون إلقاؤه مباحا ، ويجوز الانتفاع به من غير تعريف ، لكنه مبقي على ملك مالكه ؛ لأن التمليك من المجهول لا يصح ، وفي الواقعات : المختار في القشور والنواة تملكها ، وفي الصيد لا يملكه وإن جمع سنبلا بعد الحصاد فهو له لإجماع الناس على ذلك ، وإن سلخ شاة ميتة فهو له ولصاحبها أن يأخذها منه ، وكذلك الحكم في صوفها ، وقال القاضي : وجوب التعريف سنة إجماع ولم يشترط أحد تعريف ثلاث سنين إلا ما روي عن عمر رضي الله عنه ، ولعله لم يثبت عنه ، قلت : وقد روي عنه أنه يعرفها ثلاثة أشهر ، وعن أحمد يعرفها شهرا ، حكاه المحب الطبري في أحكامه [2/112] عنه ، وحكى عن آخرين أنه يعرفها ثلاثة أيام ، حكاه عن الشاشي ، وقال بعض الشافعية : هذا إذا أراد تملكها ، فإن أراد حفظها على صاحبها فقط فالأكثرون من أصحابنا على أنه لا يجب التعريف والحالة هذه ، والأقوى الوجوب ، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين القليل والكثير في وجوب التعريف وفي مدته ، والأصح عند الشافعية أنه لا يجب التعريف في القليل منه ، بل يعرفه زمنا يظن أن فاقده يتركه غالبا ، وقال الليث : إن وجدها في القرى عرفها وإن وجدها في الصحراء لا يعرفها ، وقال المازري : لم يجر مالك اليسير مجرى الكثير واستحب فيه التعريف ولم يبلغ به سنة ، وقد جاء أنه عليه السلام " مر بتمرة ، فقال : لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها " فنبه على أن اليسير الذي لا يرجع إليه أهله يؤكل ، وفي سنن أبي داود عن جابر رضي الله عنه " رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصا والسوط والحبل وأشباهه ، يلتقطه الرجل وينتفع به " وقد حد بعض العلماء اليسير بنحو الدينار تعلقا بحديث علي رضي الله عنه في التقاط الدينار ، وكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر له تعريفا ، رواه أبو داود أيضا في سننه ويمكن أن يكون اختصرها الراوي ، هكذا كلام المازري ، وقال القاضي : حديث أبي رضي الله عنه يدل على عدم الفرق بين اليسير وغيره لاحتجاجه في السوط بعموم الحديث ، وأما حديث علي رضي الله عنه فعرفه علي ولم يجد من يعرفه ، قلت : أراد بحديث أبي هو قوله " وجدت صرة مائة دينار ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : عرفها حولا ، فعرفتها فلم أجد من يعرفها ، ثم أتيته فقال : عرفها حولا ، فعرفتها فلم أجد ، ثم أتيته ثلاثا ، فقال : احفظ وعاءها وعددها ووكاءها ، فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع " قال الراوي : فلقيت - يعني أبي بن كعب - فقال : لا أدري ثلاثة أحوال أو حولا واحدا ، وقال بعض العلماء : إن السوط والعصا والحبل ونحوه ليس فيه تعريف ، وإنه مما يعفى عن طلبه وتطيب النفس بتركه كالتمرة وقليل الطعام ، وقال أصحاب الشافعي : اليسير التافه الذي لا يتمول كالحبة من الحنطة والزبيب وشبهها لا يعرف وإن كان قليلا متمولا يجب تعريفه ، واختلفوا في القليل ، فقيل : ما دون نصاب السرقة ، وقيل الدينار فما فوقه ، وقيل وزن الدرهم ، واختلفوا أيضا في تعريفه ، فقيل سنة كالكثير ، وقيل مدة يظن في مثلها طلب الفاقد لها ، وإذا غلب على ظنه إعراضه عنها سقط الطلب ، فعلى هذا يختلف بكثرة المال وقلته ، فدانق الفضة يعرف في الحال ودانق الذهب يوما أو يومين .
الخامس : الاستمتاع بها إن كان فقيرا ولا يتصدق بها على فقير أجنبي أو قريب منه ، وأباح الشافعي للغني الواجد لحديث أبي بن كعب فيما رواه مسلم وأحمد " عرفها فإن جاء أحد يخبرك بعدتها ووعائها ووكاءها فأعطها إياه ، وإلا فاستمتع بها " وبظاهر ما في هذا الحديث ، أعني حديث الباب " ثم استمتع بها " قال الخطابي في لفظ " ثم استمتع " بيان أنها له بعد التعريف يفعل بها ما شاء بشرط أن يردها إذا جاء صاحبها إن كانت باقية أو قيمتها إن كانت تالفة ، فإذا ضاعت اللقطة نظر فإن كان في مدة السنة لم يكن عليه شيء لأن يده يد أمانة ، وإن ضاعت بعد السنة فعليه الغرامة لأنها صارت دينا عليه ، وأغرب الكرابيسي من الشافعية فقال : لا يلزمه ردها بعد التعريف ولا رد بدلها ، وهو قول داود ، وقول مالك في الشاة ، وقال سعيد بن المسيب والثوري : يتصدق بها ولا يأكلها ، وروي ذلك عن علي وابن عباس ، وقال مالك : يستحب له أن يتصدق بها مع الضمان ، وقال الأوزاعي : المال الكثير يجعل في بيت المال بعد السنة ، وحجة الحنفية فيما ذهبوا إليه قوله صلى الله عليه وسلم " فليتصدق به " ومحل الصدقة الفقراء ، وأجابوا عن حديث أبي رضي الله تعالى عنه وأمثاله بأنه حكاية حال ، فيجوز أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عرف فقره إما لديون عليه أو قلة ماله أو يكون إذنا منه عليه الصلاة والسلام بالانتفاع به ؛ وذلك جائز عندنا من الإمام على سبيل القرض ، ويحتمل أنه عليه الصلاة والسلام عرف أنه في مال كافر حربي .
السادس : استدل المازري لعدم الغرامة بقوله عليه الصلاة والسلام " هي لك " وظاهره التمليك ، والمالك لا يغرم ، ونبه بقوله " للذئب " أنها كالتالفة على كل حال وأنها مما لا ينتفع صاحبها ببقائها ، وأجيب لأبي حنيفة والشافعي رحمهما الله تعالى بأن اللام للاختصاص أي إنك تختص بها ويجوز لك أكلها وأخذها ، وليس فيه تعرض للغرم ولا لعدمه ، بل بدليل آخر وهو قوله " فإن جاء ربها يوما فأدها إليه " .
السابع : فيه دليل على جواز الحكم والفتيا في حال الغضب وأنه نافذ لكن يكره في حقنا بخلاف النبي عليه الصلاة والسلام لأنه يؤمن عليه في الغضب ما يخاف علينا ، وقد حكم عليه الصلاة والسلام للزبير رضي الله عنه في شراج الحرة في حال غضبه .
الثامن : فيه جواز قول الإنسان رب المال ورب المتاع ، ومنهم من كره إضافته إلى ما له روح .
التاسع : في قوله " اعرف عفاصها [2/113] ووكاءها " دليل بين على إبطال قول من ادعى علم الغيب في الأشياء كلها من الكهنة والمنجمين وغيرهم ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لو علم أنه يوصل إلى علم ذلك من هذه الوجوه لم يكن في قوله في معرفة علاماتها وجه .
العاشر : إن صاحب اللقطة إذا جاء فهو أحق بها من ملتقطها إذا ثبت أنه صاحبها ، فإن وجدها قد أكلها الملتقط بعد الحول وأراد أن يضمنه كان له ذلك ، وإن كان قد تصدق بها فصاحبها مخير بين التضمين وبين أن يترك على أجرها ، روي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم ، وهو قول طاوس وعكرمة وأبي حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري والحسن بن حي رحمهم الله .
الحادي عشر : احتجت الشافعية بقوله " استمتع بها " وبما جاء في بعض طرق الحديث " فإن جاء من يعرفها وإلا فاخلطها بمالك " وفي بعضها " عرفها سنة ثم اعرف وكاءها وعفاصها ، ثم استنفق بها ، فإن جاء ربها فأدها إليه " وبما جاء في مسلم " فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها إياه وإلا فهي لك " وفي بعض طرقه " ثم عرفها سنة ، فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك ، فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه " على أن من عرفها سنة ولم يظهر صاحبها كان له تملكها سواء كان غنيا أو فقيرا ، ثم اختلفوا هل تدخل في ملكه باختياره أو بغير اختياره ، فعند الأكثرين تدخل بغير الاختيار وقد مر الكلام فيه عن قريب مستوفى .