وقال ابن وهب : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب قال : حدثني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : نساء قريش خير نساء ركبن الإبل ؛ أحناه على طفل ، وأرعاه على زوج في ذات يده . يقول أبو هريرة على إثر ذلك : ولم تركب مريم بنت عمران بعيرا قط .

مطابقته للترجمة في قوله : " ولم تركب مريم بنت عمران " .
وابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري ، ويونس هو ابن يزيد الأيلي ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري ، وهذا التعليق وصله مسلم عن حرملة عن ابن وهب إلى آخره .
قوله : ( نساء قريش ) كلام إضافي مبتدأ ، وقوله : " خير نساء ركبن الإبل " خبره ، وهو كناية عن نساء العرب .
قوله : ( أحناه على طفل ) ؛ يعني أشفقه وأعطفه ، وكان القياس أن يقال أحناهن ، لكن قالوا : العرب لا تتكلم في مثله إلا مفردا . وقال ابن الأثير : إنما وحد الضمير ذهابا إلى المعنى ، تقديره : أحنى من وجد أو خلق أو من هناك . ومثله قوله : " أحسن الناس وجها وأحسنه خلقا " ، يريد أحسنهم خلقا ، وهو كثير في العربية ومن أفصح الكلام . وأحنى على وزن أفعل التفضيل ، من حنا يحنو أو حنى يحني ، ومنه الحانية وهي التي تقيم على ولدها ولا تتزوج شفقة وعطفا ، ويقال حنت المرأة على ولدها تحنو إذا لم تتزوج بعد أبيهم .
وفي التوضيح : وفي بعض الكتب " أحناه " بتشديد النون . وقال ابن التين : ولعله مأخوذ من الحنان وهو الرحمة ، ومنه حنين المرأة وهو نزاعها إلى ولدها وإن لم يكن لها صوت عند ذلك ، وقد يكون حنينها صوتها على ما جاء في الحديث من حنين الجذع ، والأصل فيه ترجيع الناقة صوتها على إثر ولدها .
قوله : ( وأرعاه ) كذلك أفعل التفضيل من رعى يرعى رعاية ، والكلام فيه مثل الكلام في " أحناه " .
قوله : ( في ذات يده ) ؛ أي في ماله المضاف إليه .
وفيه فضيلة نساء قريش وفضل هذه الخصال ؛ وهي الحنو على الأولاد والشفقة عليهم وحسن تربيتهم ، ومراعاة حق الزوج في ماله وحفظه والأمانة فيه وحسن تدبيره في النفقة .
قوله : ( على إثر ذلك ) ؛ أي على عقبه ، " ولم تركب مريم بنت عمران بعيرا قط " يريد به أن مريم لم تدخل في النساء المذكورات بما ذكرن ؛ لأنه قيده بركوب الإبل ومريم لم تكن ممن يركب الإبل ، وقال صاحب التوضيح : يؤخذ من قول أبي هريرة هذا ومن ذكر البخاري له في قصة مريم تفضيلها على خديجة وفاطمة لأنهما من العرب المخصوصين بركوب الإبل .