|
باب من قال لامرأته أنت علي حرام
أي : هذا باب في بيان حكم من قال لامرأته أنت علي حرام ، ولم يذكر جواب " مَنْ " الذي هو حكم هذا الكلام اكتفاء بما ذكره في الباب . وقال الحسن : نيته .
أي قال الحسن البصري إذا قال لامرأته أنت علي حرام الاعتبار فيه نيته . ووصل عبد الرزاق هذا التعليق عن معمر عنه قال : إذا نوى طلاقا فهو طلاق ، وإلا فهو يمين . انتهى ، وهو قول ابن مسعود وابن عمر ، وبه قال النخعي وطاوس ، وفي التوضيح : في هذه الصورة أربعة عشر مذهبا . قلت : ذكر القرطبي ثمانية عشر قولا ، قيل : وزاد غيره عليها . وذكر ابن بطال منها ثمانية أقوال ، فقالت طائفة : هي ثلاث ، ولا يسأل عن نيته . رَوى ذلك عن علي وزيد بن ثابت وابن عمر ، وبه قال الحسن البصري في رواية والحكم بن عتيبة وابن أبي ليلى ومالك ، ورُوي عنه وعن أكثر أصحابه : إن قال ذلك لامرأته قبل الدخول فثلاث ، إلا أن يقول نويت واحدة . وقال عبد العزيز بن أبي سلمة : هي واحدة إلا أن يقول أردت ثلاثا فثلاث ، وإن نوى واحدة فواحدة [20/240] بائنة ، وإن نوى يمينا فهو يمين يكفرها ، وإن لم ينو فرقة ولا يمينا فهي كذبة . وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ، غير أنهم قالوا : إن نوى اثنتين فهي واحدة ، وإن لم ينو طلاقا فهو يمين . وهو قول ، وقال ابن مسعود : إن نوى طلاقا فهي تطليقة ، وهو أملك بها ، وإن لم ينو طلاقا فهي يمين يكفرها . وعن ابن عمر مثله ، وقال الشافعي : ليس قوله أنت حرام بطلاق حتى ينويه ، فإن أراد الطلاق فهو ما أراد من الطلاق ، وإن قال أردت تحريما بلا طلاق كان عليه كفارة يمين - وليس بقول ، وقال ابن عباس : يلزمه كفارة ظهار . وهو قول أبي قلابة وسعيد بن جبير وأحمد ، وقيل : إنها يمين فيكفر ، وروِي عن الصديق وعمر وابن مسعود وعائشة وسعيد بن المسيب وعطاء والأوزاعي وأبي ثور ، وقيل : لا شيء فيه ولا كفارة كتحريم الماء . وروي عن الشعبي ومسروق وأبي سلمة ، وقال أبو سلمة : ما أدري حرمتها أو حرمت القرآن ، وهو شذوذ . وقال أهل العلم : إذا طلق ثلاثا فقد حرمت عليه - فسموه حراما بالطلاق والفراق ، وليس هذا كالذي يحرم الطعام ؛ لأنه لا يقال لطعام الحل حرام ويقال للمطلقة حرام ، وقال في الطلاق ثلاثا : لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره .
لما وضع الترجمة بقوله " من قال لامرأته أنت علي حرام " ولم يذكر الجواب فيها أشار بقوله " وقال أهل العلم . . . " إلخ - إلى أن تحريم الحلال ليس على إطلاقه ، فإن من طلق امرأته ثلاثا تحرم عليه ، وهو معنى قوله " فقد حرمت عليه ، فسموه - أي فسماه العلماء - حراما بالطلاق " ؛ أي بقول الرجل طلقت امرأتي ثلاثا . قوله ( والفراق ) ؛ أي وبقوله فارقتك ، ومن حرم عليه أكل الطعام لا يحرم عليه ، وهو معنى قوله " وليس هذا - أي الحكم المذكور في الطلاق ثلاثا - كالذي يحرم الطعام " ؛ أي كحكم الذي يقول هذا الطعام علي حرام لا آكله ، فإنه لا يحرم ، وأشار إلى الفرق بينهما بقوله " لا يقال لطعام الحل - أي الحلال - حرام ويقال للمطلقة ثلاثا حرام " ، والدليل عليه قوله تعالى : فَإِنْ طَلَّقَهَا - أي الثالثة - فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره . وقال المهلب : من نعم الله تعالى على هذه الأمة فيما خفف عنهم أن من قبلهم كانوا إذا حرموا على أنفسهم شيئا حرم عليهم ، كما وقع ليعقوب عليه الصلاة والسلام ، فخفف الله ذلك عن هذه الأمة ونهاهم عن أن يحرموا على أنفسهم شيئا مما أحل لهم ، فقال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ انتهى ، وحاصل الكلام أن بين المسألتين فرقا وأن تحريم المباح يمين وأن فيه ردا على من لم يفرق بين قوله لامرأته أنت علي حرام وبين قوله هذا الطعام علي حرام ؛ حيث لا يلزمه شيء فيهما كما ذكرنا عن قريب من قال ذلك وذكرنا أقوال العلماء فيه . وقال الليث عن نافع : كان ابن عمر إذا سئل عمن طلق ثلاثا قال : لو طلقت مرة أو مرتين ! فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرني بهذا ، فإن طلقها ثلاثا حرمت حتى تنكح زوجا غيرك .
أورد هذا التعليق عن الليث بن سعد تأييدا لما قال أهل العلم إذا طلق ثلاثا فقد حرمت عليه ، وأطلقوا عليه حراما كما مر الآن ، وهذا هو وجه المناسبة بينه وبين الترجمة ، وخفي هذا على صاحب التلويح وقال : لا مناسبة بينهما . وقال صاحب التوضيح : وكأن البخاري أراد بإيراد هذا أن فيه لفظة " حرمت عليك " ، وإلا فلا مناسبة بينهما في الباب . قلت : هذا أقرب إليه ، وصاحب التلويح أبعد . قوله ( عن نافع ) ، ويروى " حدثني نافع : كان عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا سئل عمن طلق امرأته ثلاثا - أي ثلاث تطليقات - قال : لو طلقت مرة - أي طلقة واحدة - أو مرتين - أي طلقتين " ، قال الكرماني : وجواب " لو " يعني جزاؤه - محذوف ، وهو : لكان خيرا ، أو هو حرف لو للتمني فلا يحتاج إلى جواب . وقال بعضهم : ليس كما قال ، بل الجواب : لكان لك الرجعة . قلت : مقصود الكرماني أن " لو " إذا كان للشرط لا بد له من جزاء ، فلذلك قدره بقوله " لكان خيرا " ، وهو معنى قوله " لكان لك الرجعة " ، وذلك لانسداد باب الرجعة بعد الثلاث بخلاف ما بعد مرة أو مرتين ، وهذا القرطبي أيضا قال في هذا الموضع : فكأنه قال للسائل إن طلقت تطليقة أو تطليقتين فأنت مأمور بالمراجعة لأجل الحيض ، وإن طلقت ثلاثا لم يكن لك مراجعة لأنه لا تحل لك إلا بعد زوج . انتهى ، [20/241] وهكذا قدر الجزاء بما ذكره ، وتقدير الكرماني مثله أو قريب منه فلا حاجة إلى الرد عليه بغير وجه . قوله ( فإن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أمرني بهذا ) ؛ أي بأن أراجع بعد المرتين . قوله ( فإن طلقها ) ، كذا هو في رواية الكشميهني بصيغة المفرد الغائب من الماضي " حرمت عليه " بضمير الغائب ، وفي رواية غيره " فإن طلقتها " بتاء المخاطب " حرمت عليك حتى تنكح " أي المرأة " زوجا غيرك " ، ويروى " غيره " ، وهذا لا يجيء إلا على رواية الكشميهني ، فافهم . والتعليق المذكور رواه مسلم في صحيحه عن يحيى بن يحيى وقتيبة ومحمد ابن رمح عن الليث .
|