56 - حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا أبو شهاب ، عن عوف ، عن أبي المنهال قال : لما كان ابن زياد ومروان بالشأم ، ووثب ابن الزبير بمكة ، ووثب القراء بالبصرة ، فانطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي ، حتى دخلنا عليه في داره ، وهو جالس في ظل علية له من قصب ، فجلسنا إليه ، فأنشأ أبي يستطعمه الحديث . فقال : يا أبا برزة ، ألا ترى ما وقع فيه الناس ؟ فأول شيء سمعته تكلم به : إني احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطا على أحياء قريش ، إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة ، وإن الله أنقذكم بالإسلام وبمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى بلغ بكم ما ترون ، وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم ، إن ذاك الذي بالشأم ، والله إن يقاتل إلا على الدنيا ، وإن هؤلاء الذين بين أظهركم ، والله إن يقاتلون إلا على الدنيا .

مطابقته للترجمة من حيث إن الذي عابهم أبو برزة كانوا يظهرون أنهم يقاتلون لأجل القيام بأمر الدين ونصر الحق ، وكانوا في الباطن إنما يقاتلون لأجل الدنيا .
وأحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس أبو عبد الله التميمي اليربوعي الكوفي ، وهو شيخ مسلم أيضا ، وأبو شهاب هو عبد ربه بن نافع المدايني الحناط - بالحاء المهملة والنون - وهو أبو شهاب الأصغر . وعوف - بالفاء - المشهور بالأعرابي ، وأبو المنهال - بكسر الميم وسكون النون - سيار بن سلامة .
قوله : " لما كان ابن زياد " بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف : ابن أبي سفيان الأموي بالاستلحاق ، ومروان هو ابن الحكم بن أبي العاص ابن عم عثمان رضي الله تعالى عنه .
قوله : " وثب ابن الزبير " الواو فيه للحال ، أي وثب على الخلافة عبد الله بن الزبير ، ظاهر الكلام أن وثوب ابن الزبير وقع بعد قيام ابن زياد ومروان بالشام ، وليس كذلك ، وإنما وقع في الكلام حذف ، وتحريره ما وقع عند الإسماعيلي من طريق يزيد بن زريع ، عن عوف قال : حدثنا أبو المنهال قال : لما كان زمن خروج ابن زياد - يعنى من البصرة - وثب مروان بالشام ، وثب ابن الزبير بمكة ، ووثب الذين يدعون القراء بالبصرة - غم أبي غما شديدا . وتصحيح ما وقع في رواية ابن شهاب بأن يزاد [24/210] واو قبل قوله : " وثب ابن الزبير " بأن ابن زياد لما أخرج من البصرة توجه إلى الشام فقام مع مروان . قلت : فلذلك وقع الواو في بعض النسخ قبل قوله : " وثب ابن الزبير " ووقع في بعض النسخ بدون زيادة الواو . فإن قلت : ما جواب لما في قوله : لما كان ابن زياد ومروان بالشام ؟ قلت : على عدم زيادة الواو هو قوله : " وثب " وعلى تقدير الواو يكون الجواب قوله : " فانطلقت مع أبي " والفاء يدخل في جوابه ، كقوله تعالى : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ
قوله : " ووثب القراء بالبصرة " والقراء جمع قارئ ، وهم طائفة سموا أنفسهم توابين ؛ لتوبتهم وندامتهم على ترك مساعدة الحسين رضي الله تعالى عنه ، وكان أميرهم سليمان بن صرد - بضم الصاد المهملة وفتح الراء - الخزاعي ، كان فاضلا قارئا عابدا ، وكان دعواهم : إنا نطلب دم الحسين ، ولا نريد الإثارة ، غلبوا على البصرة ونواحيها ، وهذا كله عند موت معاوية بن يزيد بن معاوية .
قوله : " فانطلقت مع أبي " قائله أبو المنهال ، وأبو سلامة الرياحي .
قوله : " إلى أبي برزة " بفتح الباء الموحدة وإسكان الراء وبالزاي ، واسمه نضلة - بفتح النون وسكون الضاد المعجمة - الأسلمي الصحابي ، غزا خراسان ، فمات بها .
قوله : " هو جالس " الواو فيه للحال .
قوله : " في ظل علية " بضم العين المهملة وكسرها وتشديد اللام والياء آخر الحروف ، وهي الغرفة ، ويجمع على علالي ، وأصل علية عليوة ، فأبدلت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء .
قوله : " فأنشأ أبي " أي جعل أبي يستطعمه الحديث ، أي يستفتحه ويطلب منه التحديث .
قوله : " فقال : يا با برزة " فحذفت الألف للتخفيف .
قوله : " إني احتسبت عند الله " أي تقربت إليه ، وفي رواية الكشميهني : " أحتسب " قيل : معناه أنه يطلب بسخطه على الطوائف المذكورين من الله الأجر على ذلك ؛ لأن الحب في الله والبغض في الله من الإيمان .
قوله : " ساخطا " حال ويروى : لائما .
قوله : " على أحياء قريش " أي على قبائلهم .
قوله : " إنكم معشر العرب " وفي رواية ابن المبارك : العريب .
قوله : " كنتم على الحال الذي علمتم " وفي رواية يزيد بن زريع : على الحال التي كنتم عليها في جاهليتكم .
قوله : " حتى بلغ بكم ما ترون " أي من العزة والكثرة والهداية .
قوله : " إن ذاك الذي بالشام " يعني مروان بن الحكم " والله إن يقاتل " أي ما يقاتل " إلا على الدنيا " .
وإن ذاك الذي بمكة ، والله إن يقاتل إلا على الدنيا ، وإن هؤلاء الذين بين أظهركم ، والله إن يقاتلون إلا على الدنيا .

هذا أيضا من جملة كلام أبي برزة ، ولا يوجد إلا في بعض النسخ .
قوله : " وإن ذاك الذي بمكة " أراد به عبد الله بن الزبير .
قوله : " وإن هؤلاء الذين بين أظهركم " أراد بهم القراء ، توضحه رواية ابن المبارك : إن الذين حولكم الذين يزعمون أنهم قراؤهم .
قوله : " إن " بكسر الهمزة وسكون النون بعد قوله : " والله " كلمة النفي .