210 - [ 156 ] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ أبو طَالِبٍ . فَقَالَ : لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ النَارٍ ، يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ ، يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ .
212 - [ 157] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : أَهوَنُ أهل النَّارِ عَذَابًا أبو طَالِبٍ ، وهو مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ.
213 - [ 158 ] وَعَنِ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ؛ قَالَ : سَمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : إِنَّ أَهوَنَ أهل النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؛ لَرَجُلٌ تُوضَعُ فِي أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَتَانِ ، يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ .


[1/457] و ( قوله : " لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة " ) هذا المترجى في هذا الحديث قد تحقق وقوعه ؛ إذ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " وجدته في غمراتٍ فأخرجته إلى ضحضاح " ، فكأنه لما ترجى ذلك أعطيه وحقق له فأخبر به ، وهل هذه الشفاعة لبيان قول محقق أو لسان حال ؟ اختلف فيه ، فإن تنزلنا على أنه حقيقة ، وأنه - عليه الصلاة والسلام - شفع لأبي طالب بالدعاء والرغبة حتى شُفِّع ، عارضه قوله تعالى : فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ وقوله : وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وما في معناه .
والجواب من أوجه ؛ أقربها : أن الشفاعة المنفية إنما هي شفاعةٌ خاصةٌ ، وهي التي تخلّص من العذاب . وغاية ما ذكر من المعارضة إنما هي بين خصوصٍ وعموم . ولا تعارُض بينهما ؛ إذ البناء والجمع ممكن ، وإن تنزّلنا على أنه لسان حال ، فيكون معناه . أن أبا طالب لمّا بالغ في إكرام النبي - صلى الله عليه وسلم - والذبّ عنه ، خُفّف عنه بسبب ذلك ما كان يستحقه بسبب كفره مع ما حصل عنده من معرفته صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قدمناه .
ولما كان ذلك بسبب وجود النبي - صلى الله عليه وسلم - وببركة الحنو عليه ؛ نسبه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى نفسه . ولا يستبعد إطلاق الشفاعة على مثل هذا المعنى ، فقد سلك الشعراء هذا المعنى ، فقال بعضهم :
في وجهه شافعٌ يمحو إساءته
إلى القلوب وجيه حيثما شفعا
[1/458] وقد يُورَد أيضًا على هذا المعنى ، فيقال : هذا إثبات نَفْع الكافر في الآخرة بما عمله في الدنيا . وقد نفاه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله في حديث ابن جدعان الآتي : " لا ينفعه " ، وبقوله : " وأمّا الكافر ، فيُعطى بحسنات ما عمل في الدنيا ، حتى إذا أفضى إلى الآخرة ، لم تكن له حسنة يجزى بها " .
والجواب من وجهين ؛ أحدهما : ما تقدم في بناء العام على الخاص . والثاني : أنّ المخفّف عنه لَمَّا لم يجد أثرًا لما خُفف عنه ، فكأنّه لم ينتفع بذلك . ألا ترى أنه يعتقد أنّه ليس في النار أشدّ عذابًا منه ، مع أنّ عذابه جمرة من جهنّم في أخمصه . وسببه أن القليل من عذاب جهنّم - أعاذنا الله منه - لا تطيقه الجبال ، وخصوصًا عذاب الكافر . وإنما تظهر فائدة التخفيف لغير المعذّب ، وأما المعذّب ، فمشتغل بما حلّ به ؛ إذ لا يخلَّى ، ولا بغيره يتسلى ، فيصدق عليه أنه لم ينتفع ، ولم يحصل له نفع ألبتة ، والله أعلم .