5 - بَابُ تَعَالُجِ الْمَرِيضِ
1708 - حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : أَنَّ رَجُلًا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَابَهُ جُرْحٌ فَاحْتَقَنَ الْجُرْحُ الدَّمَ ، وَأَنَّ الرَّجُلَ دَعَا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي أَنْمَارٍ فَنَظَرَا إِلَيْهِ ، فَزَعَمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمَا : أَيُّكُمَا أَطَبُّ ؟ فَقَالَا : أَوَفِي الطِّبِّ خَيْرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَزَعَمَ زَيْدٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَنْزَلَ الدَّوَاءَ الَّذِي أَنْزَلَ الْأَدْوَاءَ
.

5 - بَابُ تَعَالُجِ الْمَرِيضِ
1757 1708 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ) مُرْسَلٌ عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ ، ( أَنَّ رَجُلًا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصَابَهُ جُرْحٌ ) - بِضَمِّ الْجِيمِ - ( فَاحْتَقَنَ ) أَيِ احْتَبَسَ الْجُرْحُ ( الدَّمُ ) ، قَالَ الْبَاجِيُّ : أَيْ فَاضَ وَخِيفَ عَلَيْهِ مِنْهُ ، ( وَأَنَّ الرَّجُلَ دَعَا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي أَنْمَارٍ ) - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، وَإِسْكَانِ النُّونِ ، وَمِيمٍ - بَطْنٌ مِنَ الْعَرَبِ ، ( فَنَظَرَا إِلَيْهِ فَزَعَمَا ) أَيْ قَالَا : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُمَا : أَيُّكُمَا أَطَبُّ ؟ ) أَيْ أَعْلَمُ بِالطِّبِّ ( فَقَالَا : أَوَفِي الطِّبِّ خَيْرٌ ) مُثَلَّثُ الطَّاءِ : عِلَاجُ الْجِسْمِ ، وَالنَّفْسِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ ، ( يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَزَعَمَ ) أَيْ قَالَ ( زَيْدُ ) بْنُ أَسْلَمَ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أَنْزَلَ الدَّوَاءَ ) : مَا يُتَدَاوَى بِهِ ( الَّذِي أَنْزَلَ الْأَدْوَاءَ ) جَمْعُ دَاءٍ ، وَهُوَ الْمَرَضُ ، أَيِ الْأَمْرَاضَ ، وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ، وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْإِنْزَالِ ، فَقِيلَ : إِعْلَامُهُ عِبَادَهُ بِهِ ، وَمُنِعَ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَ بِعُمُومِ الْإِنْزَالِ لِكُلِّ دَاءٍ ، وَدَوَائِهِ ، وَأَكْثَرُ الْخَلْقِ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِقَوْلِهِ : عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ .
وَقِيلَ : إِنْزَالُهُمَا إِنْزَالَ الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ [4/520] بِمُبَاشَرَةِ مَخْلُوقَاتِ الْأَرْضِ ، فَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ ، فَيُخْبِرُونَ بِذَلِكَ النَّبِيَّ مَثَلًا ، أَوْ إِلْهَامٌ لِغَيْرِهِ ، وَقِيلَ : عَامَّةُ الْأَدْوَاءِ وَالْأَدْوِيَةِ بِوَاسِطَةِ إِنْزَالِ الْغَيْثِ الَّذِي تَتَوَلَّدُ مِنْهُ الْأَغْذِيَةُ وَالْأَدْوِيَةُ وَغَيْرُهُمَا ، وَهَذَا مِنْ تَمَامِ لُطْفِ الرَّبِّ بِخَلْقِهِ ، فَكَمَا ابْتَلَاهُمْ بِالْأَدْوَاءِ أَعَانَهُمْ عَلَيْهَا بِالْأَدْوِيَةِ ، وَكَمَا ابْتَلَاهُمْ بِالذُّنُوبِ أَعَانَهُمْ عَلَيْهَا بِالتَّوْبَةِ وَالْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ .
وَفِي الْفِرْدَوْسِ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا : " لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ ، وَدَاءُ الذُّنُوبِ الِاسْتِغْفَارُ " ، وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : فِيهِ إِبَاحَةُ التَّدَاوِي ، وَإِتْيَانُ الطَّبِيبِ إِلَى الْعَلِيلِ ، وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُمْرِضُ وَالشَّافِي ، وَأَنَّهُ أَنْزَلَ الْأَمْرَيْنِ ، وَلِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْقِي ، وَيَقُولُ : " اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي يَا رَبِّ لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ ، اشْفِ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا " ، وَهَذَا يُصَحِّحُ أَنَّ الْمُعَالَجَةَ إِنَّمَا هِيَ لِتَطْبِيبِ نَفْسِ الْعَلِيلِ ، وَأُنْسِهِ لِلْعِلَاجِ ، وَرَجَاءِ أَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ الشِّفَاءِ كَالتَّسَبُّبِ بِطَلَبِ الرِّزْقِ الْمَفْرُوغِ مِنْهُ ، وَفِيهِ أَنَّ الْبُرْءَ لَيْسَ فِي وُسْعِ مَخْلُوقٍ تَعْجِيلُهُ قَبْلَ حِينِهِ ، وَقَدْ رَأَيْنَا الْأَطِبَّاءَ يُعَالِجُ أَحَدُهُمُ اثْنَيْنِ عِلَّتُهُمَا وَاحِدَةٌ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ ، وَسِنٍّ وَاحِدٍ ، وَبَلَدٍ وَاحِدٍ ، وَرُبَّمَا كَانَا تَوْأَمَيْنِ فَيُعَالِجُهُمَا بِعِلَاجٍ وَاحِدٍ ، فَيَصِحُّ أَحَدُهُمَا وَيَمُوتُ الْآخَرُ ، أَوْ تَطُولُ عِلَّتُهُ ، ثُمَّ يَصِحُّ عِنْدَ الْأَمَدِ الْمَعْدُودِ لَهُ ، انْتَهَى .
ثُمَّ حَدِيثُ مَالِكٍ ، وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا ، لَكِنَّ شَوَاهِدَهُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ مُسْنَدَةٌ كَحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ ، وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً " ، وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ : " لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ : بَرِئَ بِإِذْنِ اللَّهِ " ، وَلِأَحْمَدَ ، وَالْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالْحَاكِمُ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ رَفَعَهُ : " تَدَاوَوْا يَا عِبَادَ اللَّهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً ، إِلَّا دَاءً وَاحِد : الْهَرَمُ " ، وَفِي لَفْظٍ : " إِلَّا السَّامَ " بِمُهْمَلَةٍ مُخَفَّفًا ، أَيِ الْمَوْتَ ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا دَوَاءَ لَهُ ، فَيُخَصُّ بِهِ عُمُومُ الْحَدِيثِ ، وَزَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ دَوَاؤُهُ الطَّاعَةُ لَيْسَ شَيْءٌ ، لِأَنَّهَا دَوَاءٌ لِلْمَرَضِ الْمَعْنَوِيِّ كَعُجْبٍ وَكِبْرٍ لَا الْمَوْتِ .
وَفِي قَوْلِهِ : " بِإِذْنِ اللَّهِ " إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِالدَّوَاءِ إِذَا لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ ، بَلْ قَدْ يَنْقَلِبُ دَاءً .