10 - فصل
وقال الشافعي " في الرسالة " : " ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة - يعني بذلك خبر الواحد - إلا أن يكون من حدث ثقة في دينه ، معروفا بالصدق في حديثه ، عاقلًا بما يحدث به ، عالما بما يحيل معاني الحديث من الألفاظ ، [1/215] أو يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمعه ، لا يحدث به على المعنى ، فإنه إذا حدث به على المعنى ، وهو غير عالم بما يحيل معناه لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام ، وإذا أدى بحروفه لم يبق وجه يخاف منه إحالة الحديث .
حافظًا إن حدث بحروفه من حفظه ، حافظًا لكتابه إن حدث من كتابه ، إذا شرك أهل الحفظ في الحديث : وافقهم ، بريئا من أن يكون مدلسا يحدث عمن لقي بما لم يسمع منه ، أو يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم بما يحدث الثقات خلافه .
ويكون كذلك حكم من فوقه ممن حدثه ، حتى ينتهي الحديث موصولًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، أو إلى من انتهى به إليه دونه ؛ لأن كل واحد منهم مُثْبِتٌ مَنْ حدثه ، وشاهدٌ على من حدث عنه ، فلا يُستغنى في كل واحد منهم عما وصفت .
قال : ومن كثر غلطه من المحدثين ، ولم يكن له أصل كتاب صحيح لم يقبل حديثه ، كما يكون من أكثر التخليط في الشهادة لم تقبل شهادته .
وأقبل الحديث ممن قال : حدثني فلان ، عن فلان إذا لم يكن مدلسا ، ومن عرفناه دلس مرة ، فقد أبان لنا عورته في روايته ، وتلك العورة ليست بكذب فيرد بها حديثه ، ولا على النصيحة في الصدق فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق ، فقلنا : لا نقبل من مدلس حديثًا حتى يقول : حدثني ، أو سمعت" . انتهى كلام الشافعي رحمه الله .
[1/216] وخرج بقوله : " ثقة في دينه " من كان مبتدعًا بدعة يكفر بها ، وكذلك غير المميز من صبي ومجنون .
وأما قوله : " عاقلًا لما يحدث به " ، فقال ابن حبان : العقل لما يحدث من الحديث أن يعقل من اللغة مقدار ما لا يزيل معاني الأخبار عن سننها ، ويعقل من صناعة الحديث ما لا يرفع موقوفا ، ولا يصل مرسلا ، أو يصحف اسمًا .
قال : والعلم بما يحيل معاني ما يرويه ؛ هو أن يعرف من الفقه مقدار ما إذا أدى خبرا ، أو رواه من حفظه ، أو اختصره : لم يُحله عن المعنى الذي أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معنى آخر .
قلت : ولا خلاف بين الأئمة في اشتراط هذه الشروط ، إن جوزنا الرواية بالمعنى .
وقد تضمن هذا الفصل من كلام الشافعي جميع الشروط المتفق عليها بين أهل الحديث في حد من تقبل روايته .
وأما من شرط العدد فهو قول شاذ ، مخالف لما عليه الجمهور ، بل تقبل رواية الواحد إذا جمع أوصاف القبول .
وكذا من يشترط أن يكونه فقيهًا عالمًا ، فهو خلاف ما عليه الجمهور ، وحجتهم قول الله تعالى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا الآية ، معناه أن لا يتثبت في غير خبر الفاسق ، ولو لم يكن عالما .
[1/217] وفي قوله صلى الله عليه وسلم : نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها . . . الحديث ، أقوى دليل على ذلك ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يفرق ، بل صرح بقوله : فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه .
وكذا قول من شرط أن يكون مشهورًا بسماع الحديث ، ومعرفة نسب الراوي ، وأن لا ينكر راوي الأصل رواية الفرع عنه على وجه النسيان .
فكل هذه الشروط مخالف لما عليه الجمهور ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ، إليه المرجع والمآب ، لا إله إلا هو .