|
ثم كانت غزوة الحديبية خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ألف وثمانمائة رجل وسبعون بدنة ، فأحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من [1/296] ذي الحليفة ، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، وساق أبو بكر بدنا ، وطلحة بدنا ، وسعد بن عبادة بدنا ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم غدير عسفان ذات - الأشطاط لقيه بسر بن سفيان الكعبي ، فقال : يا رسول الله ، هذه قريش سمعت بك وخرجت ، قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم أبدا ، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ويح قرش لقد أكلتهم الحرب ، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب ، فإن أصابوني كان الذي أرادوا ، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وآووني ، ووالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله عليه حتى يظهرني الله ، ثم أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض على طريق يخرجه على ثنية المرار مهبط الحديبية ، فلما بلغ صلى الله [1/297] عليه وسلم ثنية المرار ، بركت ناقته ، فقالوا : خلأت القصواء ، فقال : ما خلأت القصواء ، وما هو لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة ، والله لا يدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها ، ثم قال للناس : انزلوا ، فقالوا : يا رسول الله ما بالوادي ما ينزل عليه الناس ، فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه ، فنزل في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه ، فجاش بالرواء حتى ضرب الناس بعطن ، فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله لبشر بن سفيان ، فرجعوا إلى قريش فقالوا : يا معشر قريش ، إنكم تعجلون على محمد ، إن محمدا لم يأت لقتال ، إنما جاء زائرا لهذا البيت ، فقالوا : وإن جاء لذلك فلا ، والله لا يدخلها علينا عنوة ولا تتحدث بذلك العرب ، ثم بعثوا مكرز بن حفص بن الأحنف أحد بني عامر بن لؤي ، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال : هذا رجل غادر ، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم لنحو ما كلم به أصحابه ، فرجع إلى قريش ، وأخبرهم بذلك ، فبعثوا إليه الحليس بن علقمة الكناني وهو يومئذ سيد الأحابيش [1/298] فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي في وجهه ، فلما رأى الهدي يسير عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس ، رجع إلى قريش فقال : يا معشر قريش قد رأيت ما لا يحل صد الهدي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله ، فقالوا : اجلس لا علم لك ، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خراش بن أمية الخزاعي إلى مكة ، وحمله على جمل يقال له الثعلب ، فلما دخل مكة أراد قريش قتله فمنعه الأحابيش ، حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب ليبعث إلى مكة فقال : يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي ، وليس لي بها من بني - عدي بن كعب أحد يمنعني [1/299] وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ولكن أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان ، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثه إلى قريش ليخبرهم أنه لم يأت لحرب ، وإنما جاء زائرا لهذا البيت ، معظما لحرمته - فخرج عثمان بن عفان حتى أتى مكة ، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص ، فنزل عن دابته ، وحمله بين يديه ، وأجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانطلق حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش ، فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به ، فقالوا لعثمان : إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به - فقال عثمان : ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم رجع عثمان . [1/300] وبعث قريش سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي ، وقالوا : ائت محمدا وصالحه ، ولا يكون في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا ، فوالله لا تتحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدا ، فأتى سهيل بن عمرو ، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال : قد أراد القوم الصلح حتى بعثوا هذا الرجل ، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم فأطال الكلام وتراجعا ، ثم جرى بينهما الصلح ، فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب ، وثب عمر فقال : يا رسول الله ألست برسول الله ؟ أولسنا بالمسلمين ؟ أوليسوا بالمشركين ؟ قال : بلى ، قال : فلم نعطي الدنية في ديننا ؟ قال : أنا عبد الله ورسوله ، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ، فقال : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال سهيل : لا أعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهم ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [1/301] اكتب باسمك اللهم ، هذا ما صالح عليه محمد رسول الله وسهيل بن عمرو ، فقال : لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك ، ولكن اكتب محمد بن عبد الله اسمك واسم أبيك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اكتب محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو ، فكتب : محمد بن عبد الله ، هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين ، يأمن بهذا الناس ، ويكف بعضهم عن بعض ، على أنه - من أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابهم بغير إذن - وليه رده عليهم ، ومن جاء قريشا ممن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يردوه ، وأنه لا أسلال ولا أغلال ، فلما فرغ [1/302] من الكتاب - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الحرم وهو مضطرب في الحل - قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أيها الناس انحروا واحلقوا ، فما قام رجل من المسلمين ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة ، فقال : يا أم سلمة ما شأن الناس ؟ قالت له : يا رسول الله قد أحل بهم ما رأيت ، كأنهم كرهوا الصلح ، فاعمد [1/303] إلى هديك حيث كان ، وانحر واحلق ، فإنك لو فعلت ذلك فعلوا ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكلم أحدا حتى أتى هديه فنحرها ، ثم جلس فحلق ، فقام الناس ينحرون ويحلقون ، فحلق رجال منهم وقصر آخرون ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يرحم الله المحلقين ، قالوا : يا رسول الله والمقصرين ؟ قال : والمقصرين ، قالوا : ما بال المحلقين يا رسول الله ذكرت لهم الترحم ؟ قال : لأنهم لم يشكوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعة على الناس تحت الشجرة هناك ، أن لا يفروا فبايعه الناس كلهم غير الجد بن قيس اختبأ تحت إبط بعيره ، فذلك قول الله عز وجل : إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وقال صلى الله عليه وسلم : لن يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية . ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بين مكة والمدينة في وسط الطريق نزلت عليه سورة الفتح إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا إلى آخر السورة ، فما فتح في الإسلام فتح أعظم من نزول هذه السورة . ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وكانت الهدنة [1/304] وضعت الحرب أوزارها ، وأمن الناس كلهم بعضهم بعضا ، واستفاضوا ، ولا يكلم أحد بالإسلام يعقل عنه إلا دخل فيه ، حتى دخل فيه في تلك السنة من المسلمين قريبا مما كان قبل ذلك وفي هذه العمرة أصاب [1/305] كعب بن عجرة أذى في رأسه فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلق ويذبح شاة ويصوم ثلاثة أيام أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين مدين ، وأهدى الصعب بن جثامة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل حمار وحش ، فرده ، وقال : لم نرده ولكنا حرم . وفي هذه العمرة صلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح في إثر سماء في الحديبية ، فلما انصرف أقبل عليهم بوجهه فقال : أتدرون [1/306] ما قال ربكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : يقول : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي ، فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته ، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب . وفي هذه العمرة أصاب الناس عطش شديد ، فحبسوا ، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في الركوة ، فثار الماء مثل العيون ، فتوضئوا منها ورووا .
|