ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة ذي قرد
خرج سلمة بن الأكوع ومعه غلام له يقال له رباح مع الإبل [1/307] فلما كان بغلس أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقتل راعيها وجعل ينظر في أناس معه في خيل ، فقال سلمة لرباح : اركب هذا الفرس وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد أغير على سرحه ثم قام سلمة على تل وجعل وجهه قبل المدينة ثم نادى ثلاث مرات - وكان صيتا : يا صباحاه ، ثم أتبع القوم ومعه سيفه ونبله ، فجعل يرميهم ، وذلك حين كثر الشجر ، فإذا كر عليه الفارس جلس له في أصل شجرة ثم رماه ، ولا يظفر بفارس إلا عقر فرسه ، فجعل يرمي ويقول : أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع وإذا كان كثر - الشجر رشقهم بالنبل ، فإذا تضايقت [1/308] الشجرة علا الجبل ورماهم بالحجارة ، فما زال ذلك دأبه ودأبهم ويرتجز حتى ما بقي من ظهر النبي صلى الله عليه وسلم إلا استنقذه من أيديهم وخلفه وراء ظهره ، ثم لم يزل يرميهم حتى طرحوا أكثر من ثلاثين بردة يستخفون بها ، فكلما ألقوا شيئا جمع عليه سلمة ، فلما اشتد الضحى أتاهم عيينة بن حصن بن بدر الفزاري ممدا لهم وهم في ثنية ضيقة في علوة الجبل ، فقال لهم : ما هذا الذي أرى ؟ قالوا : لقد لقينا من هذا - يعنون سلمة - ما فارقنا منذ سحر حتى الآن وأخذ كل شيء من أيدينا وخلفه وراءه ، فقال عيينة : لولا أن هذا يرى وراءه طلبا لقد ترككم ، فليقم إليه نفر منكم ، فقام إليه نفر منهم أربعة وصعدوا في الجبل ، فقال لهم سلمة : أتعرفوني ؟ قال : ومن أنت ؟ قال : ابن الأكوع ، والذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لا يطلبني رجل منكم فيدركني ولا أطلبه فيفوتني ، فبينا سلمة يخاطبهم إذ نظر فرأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحقوا يتخللون الشجر ، وإذا أولهم الأخرم الأسدي وعلى [1/309] أثره أبو قتادة ، وعلى أثره المقداد الكندي ، فولى المشركون مدبرين ، فنزل سلمة من الجبل وقال : يا أخرم احذر القوم فإني لا آمن أن يقتطعوك ، فاتئد حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، قال : يا سلمة ، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق ، فلا تحل بيني وبين الشهادة ، ثم أرخى عنان فرسه ولحق بعبد الرحمن بن عيينة ، ويعطف عليه عبد الرحمن ، واختلف بينهما طعنتان فقتله عبد الرحمن وتحول عبد الرحمن على فرس الأخرم ، فلحق أبو قتادة بعبد الرحمن ، واختلف بينهما طعنتان ، فعقر بأبي قتادة وقتله أبو قتادة ، وتحول أبو قتادة على فرس الأخرم ، ثم خرج سلمة يعدو في أثر القوم حتى ما يرى [1/310] من غبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ، فلم يقرب غيبوبة الشمس ، وقرب المشركون من شعب فيه ماء يقال له : ذو قرد ، فأرادوا أن يشربوا منه فالتفتوا فأبصروا سلمة وراءهم ، فعطفوا عن الماء وشدوا في الثنية ، وغربت الشمس فلحق سلمة رجل منهم فرماه بسهم قال : خذها : وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع قال : يا ثكل أمياه أكوع بكرة ؟ قلت : نعم أي عدو نفسه ، وكان الذي رماه بكرة وأتبعه سهما آخر ، فأثبت فيه سهمين ، وخلفوا فرسين ، فجاء بهما يسوقهما ورسول الله صلى الله عليه وسلم على الماء الذي خلفهم عند ذي قرد ، وإذا بلال قد نحر جزورا مما خلفه بسهمه وهو يشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كبدها وسنامها ، فقال سلمة : يا رسول الله خلني فأنتخب من أصحابك مائة رجل وأتبع الكفار [1/311] حتى لا يبقى منهم مخبر إلا قتلته ، قال : أكنت فاعلا ذلك ؟ قال : نعم ، والذي أكرم وجهك ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ، فجاء رجل من غطفان فقال : مر المشركون على فلان الغطفاني فنحر لهم جزورا ثم خرجوا هرابا ، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف إلى المدينة ، وجعل يقول : خير فرساننا اليوم أبو قتادة ، وخير رجالتنا سلمة ، فأعطى سلمة ذلك اليوم سهم الراجل والفارس جميعا .
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أردفه وراءه على العضباء ، فلما كان بينهم وبين المدينة قريب ، وفي القوم رجل من الأنصار كان لا يسبق ، فجعل ينادي : هل من مسابق ، ألا رجل يسابق إلى المدينة ، فقلت : يا رسول الله بأبي أنت وأمي خلني فلأسابق الرجل ، قال : إن شئت ، قلت : اذهب إليك ، فطفر عن راحلته وثنيت رجلي ، فطفرت عن الناقة ثم إني ربطت عيله شرفا أو شرفين يعني استبقيت نفسي ، ثم عدوت حتى لحقته فأصكه بين كتفيه بيدي وقلت : سبقت والله
[1/312] حتى قدمنا المدينة ، ثم توفيت أم رومان امرأة أبي بكر الصديق أم عبد الرحمن وعائشة في ذي الحجة .