80 - ع : سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ، الإمام أبو محمد القرشي المخزومي المدني ، عالم أهل المدينة بلا مدافعة .
ولد في خلافة عمر لأربع مضين منها ، وقيل : لسنتين مضتا منها . ورأى عمر ، وسمع عثمان ، وعليا ، وزيد بن ثابت ، وسعد بن أبي وقاص ، وعائشة ، وأبا موسى الأشعري ، وأبا هريرة ، وجبير بن مطعم ، وعبد الله بن زيد المازني ، وأم سلمة ، وطائفة من الصحابة .
روى عنه الزهري ، وقتادة ، وعمرو بن دينار ، ويحيى بن سعيد ، وبكير بن الأشج ، وشريك بن أبي نمر ، وداود بن أبي هند ، وآخرون .
قال أسامة بن زيد ، عن نافع : قال ابن عمر : سعيد بن المسيب هو والله أحد المفتين .
[2/1104] وقال قتادة : ما رأيت أحدا أعلم من سعيد بن المسيب .
وكذا قال محكول ، والزهري .
وقال ابن وهب ، عن مالك ، قال : غضب سعيد بن المسيب على الزهري وقال : ما حملك على أن حدثت بني مروان حديثي ! فما زال غضبان عليه حتى أرضاه بعد .
وقال ابن وهب : حدثنا مالك أن القاسم بن محمد سأله رجل عن شيء ، فقال : أسألت أحدا غيري ؟ قال : نعم ، عروة وفلانا وسعيد بن المسيب ، فقال : أطع ابن المسيب ، فإنه سيدنا وعالمنا .
وقال يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، سمع مكحولا يقول : طفت الأرض كلها في طلب العلم ، فما لقيت أحدا أعلم من سعيد بن المسيب .
وقال حماد بن زيد ، عن يزيد بن حازم : إن ابن المسيب كان يسرد الصوم .
وعن ابن المسيب قال : ما شيء عندي اليوم أخوف من النساء .
وقال مالك : كان يقال لابن المسيب : راوية عمر ، فإنه كان يتبع أقضية عمر يتعلمها ، وإن كان ابن عمر ليرسل إليه يسأله .
مجاشع بن عمرو ، عن أبي بكر بن حفص ، عن سعيد بن المسيب قال : من أكل الفجل وسره أن لا يوجد منه ريحه فليذكر النبي صلى الله عليه وسلم عند أول قضمة .
وقال بعضهم عن ابن المسيب ، قال : ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة .
وعنه قال : حججت أربعين حجة .
وعنه قال : ما نظرت إلى قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة ؛ يعني لمحافظته على الصف الأول .
وكان سعيد ملازما لأبي هريرة ، وكلان زوج ابنته .
وقال أحمد بن عبد الله العجلي : كان رجلا صالحا لا يأخذ العطاء ، وله أربعمائة دينار يتجر بها في الزيت .
[2/1105] وقال علي ابن المديني : لا أعلم في التابعين أوسع علما منه ، هو عندي أجل التابعين .
وقال أحمد بن حنبل وغيره : مرسلات سعيد بن المسيب صحاح .
قلت : قد مر في ترجمة هشام بن إسماعيل أنه ضرب سعيد بن المسيب ستين سوطا .
قال ابن سعد : ضرب سعيدا حين دعاه إلى بيعة الوليد ، إذ عقد له أبوه عبد الملك بالخلافة ، فأبى سعيد وقال : أنظر ما يصنع الناس ، فضربه هشام وطوف به وحبسه ، فأنكر ذلك عبد الملك ولم يرضه ، فأخبرنا محمد بن عمر قال : حدثنا عبد الله بن جعفر وغيره أن عبد العزيز بن مروان توفي ، فعقد عبد الملك لابنيه العهد ، وكتب بالبيعة لهما إلى البلدان ، وأن عامله يومئذ على المدينة هشام المخزومي ، فدعا الناس إلى البيعة ، فبايعوا ، وأبى سعيد بن المسيب أن يبايع لهما ، وقال : حتى أنظر ، فضربه ستين سوطا ، وطاف به في تبان من شعر حتى بلغ به رأس الثنية ، فلما كروا به قال : إلى أين ؟ قالوا : السجن . قال : والله لولا أني ظننت أنه الصلب ما لبست هذا التبان أبدا . فردوه إلى السجن ، وكتب هشام إلى عبد الملك بخلافه ، فكتب إليه عبد الملك يلومه فيما صنع به ، ويقول : سعيد كان والله أحوج إلى أن تصل رحمه من أن تضربه ، وإنا لنعلم ما عند سعيد شقاق ولا خلاف .
وعن عبد الله بن يزيد الهذلي قال : دخلت على سعيد بن المسيب السجن ، فإذا هو قد ذبحت له شاة ، فجعل الإهاب على ظهره ، ثم جعلوا له بعد ذلك قضبا رطبا ، وكان كلما نظر إلى عضديه قال : اللهم انصرني من هشام .
وروي أن أبا بكر بن عبد الرحمن دخل على سعيد السجن ، فجعل يكلمه ويقول : إنك خرقت به ولم ترفق . فقال : يا أبا بكر ، اتق الله وآثره على ما سواه . وأبو بكر يقول : إنك خرقت به . فقال : إنك والله أعمى البصر والقلب ، ثم ندم هشام بعد وخلى سبيله .
وقال يوسف بن يعقوب الماجشون ، عن المطلب بن السائب قال : [2/1106] كنت جالسا مع سعيد بن المسيب بالسوق ، فمر بريد لبني مروان ، فقال له سعيد : من رسل بني مروان أنت ؟ قال : نعم . قال : فكيف تركتهم ؟ قال : بخير . قال : تركتهم يجيعون الناس ويشبعون الكلاب ؟ قال : فاشرأب الرسول ، فقمت إليه ، فلم أزل أزجيه حتى انطلق ، ثم قلت لسعيد : يغفر الله لك ، تشيط بدمك بالكلمة هكذا تلقيها ! قال : اسكت يا أحيمق ، فوالله لا يسلمني الله ما أخذت بحقوقه .
وقال سلام بن مسكين : حدثنا عمران بن عبد الله قال : أرى نفس سعيد بن المسيب كانت أهون عليه في الله من نفس ذباب .
وعن علي بن الحسين زين العابدين قال : سعيد بن المسيب أعلم الناس بما تقدم من الآثار وأفقههم في رأيه .
وقال مالك : بلغني أن سعيد بن المسيب قال : إن كنت لأسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد .
وقال أبو يونس القوي : دخلت المسجد فإذا سعيد بن المسيب جالس وحده ، فقلت : ما له ؟ قالوا : نهي أن يجالسه أحد .
وكان ابن المسيب إماما أيضا في تعبير الرؤيا .
قال أبو طالب : قلت لأحمد بن حنبل : سعيد بن المسيب عن عمر حجة ؟ قال : هو عندنا حجة ، قد رأى عمر وسمع منه ، إذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل ؟!
قال ابن أبي خيثمة في " تاريخه " : حدثنا لوين قال : حدثنا عبد الحميد بن سليمان ، عن أبي حازم ، عن ابن المسيب قال : لو رأيتني ليالي الحرة وما في المسجد غيري ، ما يأتي وقت صلاة إلا سمعت الأذان من القبر ، ثم أقيم فأصلي ، وإن أهل الشام ليدخلون المسجد زمرا فيقولون : انظروا إلى هذا الشيخ المجنون .
قلت : عبد الحميد ليس بثقة .
وقال وكيع : حدثنا مسعر ، عن سعد بن إبراهيم ، سمع سعيد بن المسيب يقول : ما أحد أعلم بقضاءٍ قضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر مني .
ومن مفردات سعيد بن المسيب أن المطلقة ثلاثا تحل للأول بمجرد عقد الثاني من غير وطء .
[2/1107] توفي سعيد في قول الهيثم ، وسعيد بن عفير ، ومحمد بن عبد الله بن نمير ، وغيرهم - في سنة أربع وتسعين .
وقال أبو نعيم ، وعلي ابن المديني : سنة ثلاث وتسعين .
وقال يحيى القطان وغيره : توفي سنة إحدى أو اثنتين وتسعين .
وقال محمد بن سواء : حدثنا همام ، عن قتادة قال : مات سنة تسع وثمانين .
وقال أبو عبد الله الحاكم : فأما أئمة الحديث فأكثرهم على أنه توفي سنة خمس ومائة . حدثنا الأصم قال : حدثنا حنبل قال : حدثنا علي بن عبد الله قال : مات سعيد بن المسيب في سنة خمس ومائة .
وقال أحمد بن زهير : سمعت ابن معين يقول : مات ابن المسيب سنة خمس ومائة . قال أحمد بن زهير : وكذلك قال لي علي ابن المديني .
قلت : الصحيح ما تقدم من قول الجماعة .