|
129 – خت 4 م متابعة : شريك القاضي ، هو أبو عبد الله شريك بن عبد الله النخعي الكوفي الفقيه ، أحد الأعلام . مولده سنة خمس وتسعين . روى عن أبي صخرة جامع بن شداد ، وجامع بن أبي راشد ، وزياد بن علاقة ، وسلمة بن كهيل ، وسماك بن حرب ، وأبي إسحاق ، وحبيب بن أبي ثابت ، وعلي بن الأقمر ، ومنصور بن المعتمر ، وإبراهيم بن جرير البجلي ، وخصيف ، وعاصم بن بهدلة ، وعمار الدهني ، وعبد الملك بن عمير ، وطبقتهم . ولم يرحل ، بل اكتفى بعلم أهل بلده . وعنه أبان بن تغلب ، ومحمد بن إسحاق ؛ وهما من شيوخه ، وابن المبارك ، ووكيع ، وعبد الرحمن بن مهدي ، ويزيد بن هارون ، وإسحاق الأزرق ، وأبو نعيم ، وعلي بن الجعد ، وقتيبة ، وعلي بن حجر ، ولوين ، وهناد ، وابنا أبي شيبة ، وعباد بن يعقوب الرواجني ، وإسحاق بن أبي إسرائيل ، وخلف بن هشام ، وخلق كثير . [4/643] قال الخطيب : شريك بن عبد الله بن الحارث بن أوس النخعي القاضي أدرك عمر بن عبد العزيز . قلت : يعني بالسن ، ولم يره . قال : وسمع منه إسحاق الأزرق تسعة آلاف حديث . قال ابن المبارك : شريك أعلم بحديث بلده من الثوري . وقد قيل مثل هذا لابن معين ، فقال : ليس يقاس بسفيان أحد ، لكن شريك أروى منه في بعض المشايخ ، وهو ثقة . وقال أبو يعلى : سمعت ابن معين يقول : شريك أحب إلي من أبي الأحوص . وقال عثمان الدارمي : قلت ليحيى : شريك أحب إليك في أبي إسحاق أو إسرائيل ؟ فقال : شريك أحب إلي ، وهو أقدم . ذكر نسبه هو شريك بن عبد الله بن أبي شريك الحارث بن أوس ، وقيل : ابن أبي شريك سنان بن أوس بن الحارث بن الأذهل بن وهبيل بن سعد بن مالك بن النخع ، والنخع من مذحج . شهد جده أبو شريك القادسية ، وولد شريك فيما قيل ببخارى ، ونشأ بالكوفة ، وسمى البخاري جده سنانا ، وسماه أبو نعيم حارثا . وقال الفضل بن زياد : قال أحمد بن حنبل : شريك في أبي إسحاق أقوى من إسرائيل . قال : وكان يحيى القطان لا يروي عن شريك إلا على سبيل العبرة ، كان لا يرضاه . وقال علي بن المديني : شريك أعلم من إسرائيل ، وإسرائيل أقل خطأ منه . وقال أبو داود : شريك ثقة ، يخطئ على الأعمش . [4/644] وقال صالح جزرة : قل ما يحتاج إلى شريك في الأحاديث التي يحتج بها . ولما ولي القضاء اضطرب حفظه . وقال معاوية بن صالح : سألت أحمد بن حنبل عن شريك ، فقال : كان عاقلا صدوقا محدثا عندي ، وكان شديدا على أهل الريب والبدع ، قديم السماع من أبي إسحاق ، قبل زهير وقبل إسرائيل . فقلت له : إسرائيل أثبت منه ؟ قال : نعم . قلت : يحتج به ؟ قال : لا تسألني عن رأيي في هذا . قلت : فإسرائيل يحتج به ؟ قال : أي لعمري . قال أبو إسحاق الجوزجاني : شريك سيئ الحفظ مضطرب مائل . وقال النسائي : ليس به بأس . قلت : استشهد به البخاري ، وخرج له مسلم متابعة ، واحتج به النسائي وغيره . قال إبراهيم بن سعيد الجوهري : أخطأ شريك في أربعمائة حديث . قلت : لكنه كان من بحور العلم ، فعن عبد الرحمن بن شريك قال : كان عند أبي عن جابر الجعفي عشرة آلاف مسألة ، وعنده عن ليث بن أبي سليم عشرة آلاف . قال أبو نعيم : سمعت شريكا يقول : قدم عثمان بن عفان يوم قدم وهو أفضل القوم . وعن شريك قال : لو أدركت عليا لقاتلت معه . وقال منصور بن أبي مزاحم : سمعت شريكا في مجلس الوزير أبي عبيد الله ، وفيه الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن مصعب الزبيري ، وابن أبي موسى ، والأشرف ، فتذاكروا النبيذ ، فرخص مرخص من العراقيين فيه ، وشدد الباقون ، فقال شريك : حدثنا أبو إسحاق ، عن عمرو بن ميمون قال : قال عمر : إنا لنأكل لحوم هذه الإبل وليس نقطعها في بطوننا إلا بهذا النبيذ الشديد . فقال الحسن بن زيد : ( ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق ) ، فقال : أجل ، شغلك الجلوس على الطنافس في صدور المجالس عن استماع هذا وأمثاله ! فلم يجبه الحسن ، وأسكت [4/645] القوم ، فتحدثوا بعد في النبيذ ، وشريك ساكت ، فقال له الوزير : حدثنا يا أبا عبد الله بما عندك . فقال : كلا ! الحديث أعز على أهله من أن يعرض للتكذيب . فقال بعضهم : شربه سفيان الثوري ، فقال قائل : بلغنا أن سفيان تركه . فقال شريك : أنا رأيته يشرب في بيت خير أهل الكوفة في زمانه ؛ مالك بن مغول . قال عيسى بن يونس : ما رأيت أحدا أورع في علمه من شريك . وجرى بحضرة عيسى بن يونس في المذاكرة : من رجل الآمة ؟ فقال : رجل الأمة شريك . قال يعقوب بن شيبة : دعا المنصور شريكا فقال : إني أريد أن أوليك قضاء الكوفة . فقال : أعفني يا أمير المؤمنين . قال : لست أعفيك . قال : فأنصرف يومي هذا ، وأعود فيرى أمير المؤمنين رأيه . قال : تريد أن تتغيب ، ولئن فعلت لأقدمن على خمسين من قومك بما تكره . فولاه القضاء ، فبقي إلى أيام المهدي ، فأقره المهدي ، ثم عزله . قال : وكان شريك مأمونا ، ثقة ، كثير الحديث ، أنكر عليه الغلط والخطأ . قال عيسى بن يونس : ومن يفلت من الخطأ والتصحيف ! ربما رأيت شريكا يخطئ ويصحف حتى أستحي . وقال يحيى القطان : أملى علي شريك ، فإذا هو لا يدري . يعقوب بن شيبة : حدثنا سليمان بن منصور قال : حدثنا إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة قال : قلت لمحمد بن الحسن : أما ترى كثرة قول الناس في شريك ؟ يعني في حمده مع كثرة خطئه وخطله . قال : اسكت ويلك ، أهل الكوفة كلهم معه ، يتعصب للعرب فهم معه ، ويتشيع لهؤلاء الموالي الحمقى ، فهم معه . قال عيسى بن يونس : ما رأيت في أصحابنا أشد تقشفا من شريك ، وربما رأيته يأخذ شاته يذهب بها إلى التياس ، وربما حزرت ثوبيه قبل أن يلي القضاء بعشرة دراهم ، وربما دخلت بيته فإذا ليس فيه إلا شاة يحلبها ومطهرة وبارية وجرة ، فربما بل الخبز في المطهرة فيلقي إلي كتبه فيقول : اكتب حديث جدك ومن أردت . [4/646] قال يعقوب : وحدثني الهيثم بن خالد قال : حدث شريك يوما بهذا الحديث : " وضعت في كفة ، ووضعت الأمة في كفة " ، فقال رجل لشريك : فأين كان علي عليه السلام ؟ قال : كان مع الناس في الكفة الأخرى . قال أحمد بن عبد الله العجلي : سمعت بعض الكوفيين يقول : قال شريك : قدم علينا سالم الأفطس ، فأتيته ومعي قرطاس فيه مائة حديث ، فسألته ، فحدثني بها ، وسفيان يسمع . فلما فرغت قال لي سفيان : أرني قرطاسك . فأعطيته فخرقه ، فرجعت إلى منزلي ، واستلقيت على قفاي فحفظت منها سبعة وتسعين ، وحفظها سفيان كلها . ابن عدي : حدثنا أبو العلاء محمد بن أحمد بن جعفر قال : حدثنا محمد بن الصباح الدولابي قال : حدثنا نصر بن المجدر قال : كنت شاهدا حيث أدخل شريك ومعه أبو أمية ، وكان أبو أمية رفع إلى المهدي أن شريكا حدثه عن الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " استقيموا لقريش ما استقاموا لكم ، فإذا زاغوا عن الحق فضعوا سيوفكم على عواتقكم ، ثم أبيدوا خضراءهم " . فقال المهدي : أنت حدثت بهذا ؟ فقال : لا . فقال أبو أمية : علي المشي إلى بيت الله وكل مالي صدقة إن لم يكن حدثني . فقال شريك : علي مثل الذي عليه إن كنت حدثته . فكأن المهدي رضي ، فقال أبو أمية : يا أمير المؤمنين ، عندك أدهى العرب ، إنما يعني مثل الذي علي من الثياب ، قل له يحلف كما حلفت . فقال : احلف . قال شريك : قد حدثته . فقال : ويلي على شارب الخمر ؛ يعني الأعمش ، وذلك أنه كان يشرب المنصف ، ولو علمت موضع قبره أحرقته . قال شريك : لم يكن يهوديا ، كان رجلا صالحا . قال : بل زنديق . قال : للزنديق علامات ؛ بتركه الجماعات ، وجلوسه مع القيان ، وشربه الخمر . فقال : والله لأقتلنك . قال : ابتلاك الله بمهجتي . قال : أخرجوه . فأخرج ، فجعل الحرس يشققون ثيابه ، وخرقوا قلنسوته . قال نصر : فقلت لهم : أبو عبد الله . قال المهدي : دعهم . [4/647] أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي : أخبرنا أبي قال : كان شريك القاضي لا يجلس للحكم حتى يتغدى ويشرب أربعة أرطال نبيذا ، ثم يصلي ركعتين ، ثم يخرج رقعة ، فينظر فيها ثم يدعو بالخصوم . وقيل لابنه عن الرقعة ، فأخرجها إلينا فإذا فيها : يا شريك ، اذكر الصراط وحدته ، يا شريك ، اذكر الموقف بين يدي الله تعالى . قيل : إن شريكا دخل على المهدي فقال : لا بد من ثلاث ؛ إما أن تلي القضاء ، أو أن تؤدب ولدي وتحدثهم ، أو أن تأكل عندي أكلة . ففكر ساعة فقال : الأكلة أخف علي . فأمر المهدي بعمل ألوان من المخ المعقود بالسكر ، وغير ذلك ، فأكل . فقال الطباخ : ليس يفلح بعدها . قال : فحدثهم بعد ذلك ، وعلمهم العلم ، وولي القضاء ! ولقد كتب له برزقه على الصيرفي فضايقه في النقد ، فقال : إنك لم تبع به بزا . فقال شريك : بل والله بعت به ديني . قال علي بن الحسن بن الجنيد : سمعت أبا توبة يقول : كنا بالرملة فقالوا : من رجل الأمة ؟ فقال قوم : ابن لهيعة . وقال قوم : مالك . وقال عيسى بن يونس : شريك . قال منجاب بن الحارث : قال رجل لشريك : كيف تجدك ؟ قال : أجدني شاكيا غير شاكي الله . قال أحمد بن زهير : حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال : قال شريك لبعض إخوانه : أكرهت على القضاء . قال : أفأكرهت على أخذ الرزق ؟ قال ابن أبي شيخ : وحدثني عبد الله بن صالح بن مسلم قال : كان شريك على قضاء الكوفة ، فخرج يتلقى الخيزران ، فبلغ شاهي ، وأبطأت ، فانتظرها ثلاثا ، ويبس خبزه ، فجعل يبله بالماء ويأكله ، فقال العلاء بن المنهال : فإن كان الذي قد قلت حقا بأن قد أكرهوك على القضاء فما لك موضعا في كل يوم تلقى من يحج من النساء [4/648] مقيما في قرى شاهي ثلاثا بلا زاد سوى كسر وماء قال عبد الرحمن بن شريك : كانت أم شريك خراسانية ، فرآها أعرابي وهي على حمار ، وشريك صبي بين يديها ، فقال : إنك لتحملين جندلة من الجنادل . قال ابن أبي شيخ : قال موسى بن عيسى الأمير لشريك : يا أبا عبد الله ، عزلوك عن القضاء ؟ ما رأينا قاضيا عزل . قال : هم الملوك ، يعزلون ويخلعون ولاة العهود ؛ يعرض أن أباه عزل . ولقي مرة عبد الله بن مصعب الزبيري فقال : بلغني أنك تنال من أبي بكر وعمر . فقال شريك : والله ما أتنقص الزبير ، فكيف أبا بكر وعمر ؟ قال ابن أبي شيخ : حدثني أبي قال : لما وجه شريك إلى قضاء الأهواز جلس فجعل لا يتكلم حتى قام ، وهرب واختفى ، يقال : اختفى عند الوالي ، فحدثني يحيى بن سعيد الأموي قال : كنت عند الحسن بن عمارة حين بلغه ذلك ، فقال : الخبيث استصغر قضاء الأهواز . البغوي في " الجعديات " : حدثنا محمد بن يزيد ، حدثني حمدان ابن الأصبهاني قال : كنت عند شريك ، فأتاه ابن المهدي فاستند وسأل عن حديث ، فلم يلتفت شريك ، ثم أعاد فعاد ، فقال : كأنك تستخف بأولاد الخلفاء ! قال : لا ، ولكن العلم أزين عند أهله من أن يضيعوه . قال : فجثا على ركبتيه ثم سأله ، فقال شريك : هكذا يطلب العلم . عباد بن العوام ، قال شريك : أثر فيه بعض الضعف أحب إلي من رأيهم . عفان قال : كان شريك يخضب بالحمرة . ولشريك مناقب جمة ، ولسنا نرى فيه العصمة ، وقد بلغنا عنه أنه قال : ما وليت القضاء حتى حلت لي الميتة . قال العقيلي : حدثنا محمد بن عثمان العنسي قال : حدثنا علي بن حكيم الأودي قال : حدثنا علي بن قادم قال : جاء عتاب وآخر إلى شريك ، [4/649] فقال عتاب : الناس يقولون إنك شاك ؟ فقال : يا أحمق ، كيف أكون شاكا ؟! لوددت أني كنت مع علي فخضبت يدي بسيفي من دمائهم . قلت : كان في شريك يسير تشيع مع ثنائه على عثمان . قال محمد بن عثمان العنسي : وحدثنا عبد الله بن محمد بن سالم قال : حدثنا محمد بن سعيد قال : ذكر قوم معاوية عند شريك فنعتوه بالحلم ، فقال : ليس بحليم من سفه الحق وقاتل عليا . قال محمد بن عثمان : وحدثنا الحسن ، سمعت أبا نعيم يقول : شهد ابن إدريس بشهادة عند شريك ، أو تقدم إليه في شيء ، فأمر به ، فأقيم ودفع في قفاه ، وقال شريك : من أهل بيت حمق ما علمت . قلت : هذا لما كان ابن إدريس شابا ، ثم إنه طال عمره وساد أهل الكوفة . وكانت في شريك قوة نفس ، فعن يحيى بن أيوب قال : كنا عند شريك ، فظهر منه جفاء للمحدثين انتهر بعضهم ، فقال له شيخ إلى جنبه : يا أبا عبد الله ، لو رفقت بهم . قال شريك : النبل عون على الدين . عبد الله بن أحمد : سمعت أبي يقول : كان شريك لا يبالي كيف حدث ، حسن بن صالح أثبت منه . قال أبو نعيم ، وأحمد بن حنبل ، وغيرهما : مات شريك سنة سبع وسبعين ومائة . قلت : مات في أول ذي القعدة ، وقد وقع لي من عواليه ، رحمه الله .
|