136 - محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر ، أبو بكر ابن الحداد الكناني المصري ، الفقيه الشافعي شيخ المصريين . ولد يوم وفاة المزني . وسمع من : النسائي ، وغيره . وجالس الإمام أبا إسحاق المروزي لما قدم عليهم ، ودخل بغداد في سنة عشر . ودخل على ابن جرير الطبري وأخذ عنه . وسمع من : روح بن الفرج ، ومحمد بن جعفر ابن الإمام ، وخلق .
وصنف كتاب " الفروع " في المذهب ، وهو صغير الحجم ، دقق مسائله . شرحه القفال المروزي ، وأبو الطيب الطبري ، وأبو علي السنجي . وكان أبو بكر غواصاً على المعاني ، محققاً كبير القدر ، له وجه في المذهب . ولي القضاء والتدريس بمصر . وكانت الملوك تعظمه وتحترمه . وكان متصرفاً في علومٍ كثيرة .
قال أبو عبد الرحمن السلمي : سمعت الدارقطني يقول : سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمد النسوي المعدل بمصر يقول : سمعت أبا بكر ابن الحداد ، وذكره بالفضل والدين والاجتهاد ، يقول : أخذت نفسي بما رواه الربيع ، عن الشافعي ، أنه كان يختم في رمضان ستين ختمة . سوى ما يقرأ في الصلاة ، فأكثر ما قدرت عليه تسعاً وخمسين ختمة وأتيت في غير رمضان بثلاثين ختمة .
قال الدارقطني : كان ابن الحداد كثير الحديث ، لم يحدث عن غير أبي عبد الرحمن النسائي ، وقال : رضيت به حجةً بيني وبين الله .
وذكر غيره أن الإمام أبا بكر ابن الحداد حدث عن : محمد بن عقيل الفريابي الفقيه ، وأبي يزيد القراطيسي ، وعمر بن مقلاص ، والنسائي ، وغيرهم . قاله ابن يونس .
ثم قال : كان يحسن النحو والفرائض ، ويدخل على السلاطين . وكان [7/804] حافظاً للفقه على مذهب الشافعي . وكان كثير الصلاة متعبداً
. ولي القضاء بمصر نيابةً لابن هروان الرملي .
وقال غيره : حج ومرض في الرجوع ، فلما وصل إلى الجب توفي عند البئر والجميزة يوم الثلاثاء لأربعٍ بقين من المحرم سنة أربع . وهو يوم دخول الحاج إلى مصر .
وعاش تسعاً وسبعين سنة وشهوراً . ورخه المسبحي ، وقال : كان فقيهاً عالماً كثير الصلاة والصيام . يصوم يوماً ويفطر يوماً ، ويختم القرآن في كل يوم وليلة ، قائماً مصلياً . قال : وصلي عليه يوم الأربعاء ، ودفن بسفح المقطم عند قبر والدته ، وحضر جنازته أبو القاسم بن الإخشيد ، وأبو المسك كافور ، والأعيان . وكان نسيج وحده في حفظ القرآن واللغة والتوسع في علم الفقه . وكانت له حلقة من سنين كثيرة يغشاها المسلمون . وكان جداً كله رحمه الله ، فما خلف بمصر بعده مثله . وكان عالماً أيضاً بالحديث ، والأسماء ، والرجال ، والتاريخ .
قال ابن زولاق في كتاب " قضاة مصر " : ولما كان في شوال سنة أربعٍ وعشرين وثلاث مائة سلم محمد بن طغج الإخشيد قضاء مصر إلى أبي بكر الحداد . وكان أيضاً ينظر في المظالم ويوقع فيها ، ونظر في الحكم خلافةً عن الحسين بن محمد بن أبي زرعة محمد بن عثمان الدمشقي ، وهو لا ينظر ؛ وكان يجلس في الجامع وفي داره . وربما جلس في دار ابن أبي زرعة ووقع في الأحكام ، وكاتب خلفاء النواحي . وكان فقيها متعبدا يحسن علوما كثيرة منها علم القرآن ، وقول الشافعي ، وعلم الحديث والكنى ، واللغة ، واختلاف الفقهاء ، وأيام الناس ، وسير الجاهلية ، والشعر والنسب ، ويحفظ شعرا كثيرا ، ويجيد الشعر ، ويختم في كل يوم وليلة ، ويصوم يوما ويفطر يوما ، ويختم يوم الجمعة ختمة أخرى في ركعتين في الجامع قبل صلاة الجمعة ، سوى التي يختمها كل يوم ،حسن الثياب رفيعها ، حسن المركوب ، فصيحاً غير مطعون عليه في لفظٍ ولا فضل ، ثقة في اليد والفرج واللسان ، مجموعا على صيانته وطهارته . كان من محاسن مصر ، حاذقاً ، [7/805] يعلم القضاء . أخذ ذلك عن أبي عبيد القاضي . إلى أن قال : وكل من وقف على ما ذكرناه يقول : صدقت .
ولد في رمضان سنة أربعٍ وستين ومائتين ، وكتب عن طائفة ، وعول على النسائي وأخذ عنه علم الحديث . وأخذ الفقه عن أبي سعيد محمد بن عقيل الفريابي ، وعن بشر بن نصر غلام عرف ، وعن منصور بن إسماعيل ، وابن بحر . وأخذ العربية عن : محمد بن ولاد .
وكان لمحبته للحديث لا يدع المذاكرة . وكان ينقطع إليه أبو منصور محمد بن سعد البارودي الحافظ ، فأكثر عنه في مصنفاته . فذاكره يوماً بأحاديث فاستحسنها أبو بكر ، وقال : اكتبها لي . فكتبها له ، فقال : يا أبا منصور اجلس في الصفة . ففعل ، فقام أبو بكر وجلس بين يديه وسمعها منه وقال : هكذا يؤخذ العلم . فاستحسن الناس ذلك منه . وكانت ألفاظه تتبع ، وأحكامه تجمع .
ورميت له رقعة فيها :
قولا لحدادنا الفقيه والعالم الماهر الوجيه وليت حكماً بغير عقدٍ وغير عهدٍ نظرت فيه ثم أبحت الفروج لما وقعت فيها على البديه في أبيات ، يعني أن مادة ولايته من الإخشيد لا من الخليفة .
وله كتاب " أدب القاضي " في أربعين جزءاً ، وكتاب " الباهر في الفقه " في نحو مائة جزء ، وكتاب " جامع الفقه " ، وكتاب " المسائل المولدات " .
وفيه يقول أحمد بن محمد الكحال في قصيدة :
الشافعي تفقهاً والأصمعي تفهماً والتابعين تزهداً ثم أخذ ابن زولاق يذكر عن ابن الحداد ما يدل على تشيعه ، قال : فحدثنا بكتاب خصائص علي رضي الله عنه ، عن النسائي ، فبلغه عن بعضهم شيءٌ في علي ، فقال : لقد هممت أن أملي الكتاب في الجامع . وحدثني علي بن حسن قال : سمعت ابن الحداد يقول : كنت في مجلس ابن الإخشيد ، فلما قمنا أمسكني وحدي ، فقال : أيما أفضل : أبو بكر وعمر أو علي ؟ فقلت : اثنين حذاء واحد . قال : فأيما أفضل : أبو بكر أو علي . قلت : [7/806] إن كان عندك فعليٌّ ، وإن كان برا فأبو بكر . فضحك وقال : هذا يشبه ما بلغني عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنه سأله رجل : أيما أفضل : أبو بكر أو علي ؟ فقال : عُد إلي بعد ثلاث . فجاءه ، فقال : تقدمني إلى مؤخر الجامع . فتقدمه ، فنهض ابن عبد الحكم واستعفاه ، فأبى ، فقال : أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ، وبالله لئن أخبرت بهذا عني لأقولن للأمير أحمد بن طولون فيضربك بالسياط .
قال : ثم بعد ستة أشهرٍ ورد العهد بالقضاء من ابن أبي الشوارب لابن أبي زرعة ، فركب بالسواد إلى الجامع ، وقرئ عهده على المنبر ، وله يومئذٍ أربعون سنة . وكان عارفاً بالأحكام منفذاً ، ثم جمع له قضاء دمشق ، وحمص ، والرملة ، وغير ذلك . وكان حاجبه بسيف ومنطقة . ولم يزل ابن الحداد يخلفه إلى آخر أيامه . وكان الحسين بن أبي زرعة يتأدب معه ويعظمه ، ولا يخالفه في شيء . ثم عُزل من بغداد ابن أبي الشوارب بأبي نصر يوسف بن عمر القاضي فبعث العهد إلى ابن أبي زرعة باستمراره .