137 - عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة بن محمد ، الإمام أبو القاسم القشيري النيسابوري الزاهد الصوفي ، شيخ خراسان وأستاذ الجماعة ، ومقدم الطائفة .
توفي أبوه وهو طفل ، فوقع إلى أبي القاسم اليماني الأديب ، فقرأ الأدب والعربية عليه . وكانت له ضيعة مثقلة الخراج بناحية أستوا ، فرأوا من الرأي أن يتعلم طرفاً من " الاستيفاء " ، ويشرع في بعض الأعمال بعدما أونس رشده في العربية ، لعله يصون قريته ، ويدفع عنها ما يتوجه عليها من مطالبات الدولة ، فدخل نيسابور من قريته على هذه العزيمة ، فاتفق حضوره مجلس الأستاذ أبي علي الدقاق ، وكان واعظ وقته ، فاستحلى كلامه ، فوقع في شبكة الدقاق ، وفسخ ما عزم عليه؛ طلب القباء ، فوجد العباء ، وسلك طريق الإرادة ، فقبله الدقاق وأقبل عليه ، وأشار عليه بتعلم العلم ، فمضى إلى درس الفقيه أبي بكر [10/218] الطوسي ، فلازمه حتى فرغ من التعليق ، ثم اختلف إلى الأستاذ أبي بكر بن فورك الأصولي ، فأخذ عنه الكلام والنظر ، حتى بلغ فيه الغاية . ثم اختلف إلى أبي إسحاق الإسفراييني ، ونظر في تواليف ابن الباقلاني . ثم زوجه أبو علي الدقاق بابنته فاطمة . فلما توفي أبو علي عاشر أبا عبد الرحمن السلمي وصحِبه .
وكتب الخط المنسوب الفائق ، وبرع في علم الفروسية واستعمال السلاح ، ودقق في ذلك وبالغ . وانتهت إليه رياسة التصوف في زمانه لما آتاه الله من الأحوال والمجاهدات ، وتربية المريدين وتذكيرهم ، وعباراتهم العذبة . فكان عديم النظير في ذلك ، طيب النفس ، لطيف الإشارة ، غواصاً على المعاني .
صنف كتاب " نحو القلوب " ، وكتاب " لطائف الإشارات " ، وكتاب " الجواهر " ، وكتاب " أحكام السماع " ، وكتاب " آداب الصوفية " ، وكتاب " عيون الأجوبة في فنون الأسولة " ، وكتاب " المناجاة " ، وكتاب " المنتهى في نكت أولي النهى " ، وغير ذلك .
أنشدنا أبو الحسين علي بن محمد ، قال : أخبرنا جعفر بن محمد ، قال : أخبرنا السلفي ، قال : أخبرنا القاضي حسن بن نصر بن مرهف بنهاوند ، قال : أنشدنا أبو القاسم القشيري لنفسه :
البدر من وجهك مخلوق والسحر من طرفك مسروق يا سيداً تيمني حبه عبدك من صدك مرزوق وسمع من أبي الحسين الخفاف ، وأبي نعيم الإسفراييني ، وأبي بكر بن عبدوس الحيري ، وعبد الله بن يوسف الأصبهاني ، وأبي نعيم أحمد بن محمد المهرجاني ، وعلي بن أحمد الأهوازي ، وأبي عبد الرحمن السلمي ، وأبي سعيد محمد بن إبراهيم الإسماعيلي ، وابن باكويه الشيرازي بنيسابور . ومن أبي الحسين بن بشران ، وغيره ببغداد .
وكان إماما قدوة ، مفسراً ، محدثاً ، فقيهاً ، متكلماً ، نحويا ، كاتباً ، شاعراً .
قال أبو سعد السمعاني : لم ير أبو القاسم مثل نفسه في كماله وبراعته . جميع بين الشريعة والحقيقة . أصله من ناحية أستوا ، وهو قشيري الأب ، سلمي الأم . روى عنه ابنه عبد المنعم ، وابن ابنه أبو الأسعد هبة الرحمن ، وأبو عبد الله [10/219] الفراوي ، وزاهر الشحامي ، وعبد الوهاب بن شاه الشاذياخي ، ووجيه الشحامي ، وعبد الجبار الخواري ، وعبد الرحمن بن عبد الله البحيري ، وخلق سواهم . ومن القدماء أبو بكر الخطيب ، وغيره . وقال الخطيب : كتبنا عنه وكان ثقة . وكان يقص ، وكان حسن الموعظة ، مليح الإشارة ، وكان يعرف الأصول على مذهب الأشعري ، والفروع على مذهب الشافعي ، قال لي : ولدت في ربيع الأول سنة ست وسبعين وثلاثمائة .
أخبرنا أحمد بن هبة الله ، عن أم المؤيد زينب الشعرية أن عبد الوهاب بن شاه أخبرها ، قال : أخبرنا أبو القاسم القشيري ، قال : أخبرنا أبو بكر بن فورك ، قال : أخبرنا أحمد بن محمود بن خرزاذ : قال : حدثنا الحسن بن الحارث الأهوازي ، قال : حدثنا سلمة بن سعيد ، عن صدقة بن أبي عمران ، قال : حدثنا علقمة بن مرثد ، عن زاذان ، عن البراء ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " حسنوا القرآن بأصواتكم ، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً " .
قال القاضي شمس الدين ابن خلكان : صنف أبو القاسم القشيري " التفسير الكبير " وهو من أجود التفاسير ، وصنف " الرسالة " في رجال الطريقة ، وحج مع البيهقي ، وأبي محمد الجويني ، وكان له في الفروسية واستعمال السلاح يد بيضاء .
وقال فيه أبو الحسن الباخرزي في " دمية القصر " : لو قرع الصخر بسوط تحذيره لذاب ، ولو ربط إبليس في مجلسه لتاب ، وله : " فصل الخطاب ، في فضل النطق المستطاب " . ماهر في التكلم على مذهب الأشعري ، خارج في إحاطته بالعلوم عن الحد البشري ، كلماته للمستفيدين فرائد وفوائد ، وعتبات منبره للعارفين وسائد . وله شعر يتوج به رؤوس معاليه إذا ختمت به أذناب أماليه .
قال عبد الغافر في " تاريخه " : ومن جملة أحواله ما خص به من المحنة في الدين ، وظهور التعصب بين الفريقين في عشر سنة أربعين إلى خمس [10/220] وخمسين وأربعمائة ، وميل بعض الولاة إلى الأهواء ، وسعي بعض الرؤساء إليه بالتخليط ، حتى أدى ذلك إلى رفع المجالس ، وتفرق شمل الأصحاب ، وكان هو المقصود من بينهم حسداً ، حتى اضطر إلى مفارقة الوطن ، وامتد في أثناء ذلك إلى بغداد ، فورد على القائم بأمر الله ، ولقي فيها قبولاً ، وعقد له المجلس في منازله المختصة به . وكان ذلك بمحضر ومرأى منه . وخرج الأمر بإعزازه وإكرامه فعاد إلى نيسابور ، وكان يختلف منها إلى طوس بأهله وبعض أولاده ، حتى طلع صبح النوبة البأرسلانية سنة خمس وخمسين ، فبقي عشر سنين مرفهاً محترماً مطاعاً معظماً .
ولأبي القاسم :
سقى الله وقتاً كنت أخلو بوجهكم وثغر الهوى في روضة الأنس ضاحك أقمنا زماناً والعيون قريرة وأصبحت يوماً والجفون سوافك قال عبد الغافر الفارسي : توفي الأستاذ عبد الكريم صبيحة يوم الأحد السادس عشر من ربيع الآخر .
قلت : وله عدة أولاد أئمة : عبد الله ، وعبد الواحد ، وعبد الرحيم ، وعبد المنعم ، وغيرهم . ولما مرض لم تفته ولا ركعة قائماً حتى توفي .
ورآه في النوم أبو تراب المراغي يقول : أنا في أطيب عيش ، وأكمل راحة .