سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة
فيها افتتح أهل مصر صور ، وكان قد تغلب عليها القاضي عيّن الدّولة ابن أبي عقيل ، ثمّ توفي ووليها أولاده ، فسّلموها لضعفهم . وسارت العّساكر إلى صيدا فتسلموها . ثمّ ساروا إلى عكا ، فحاصروها وضيّقوا على المسلمين فافتتحوها . وملكوا مدينة جبيل ، ورتبوا نواب المستنصر بها ، ورجعوا إلى مصر منصورين مظفرين بعزم أمير الجيوش .
وفيها عظمت البليّة ببغداد بين السّنة والشّيعة ، وقتل بيّنهم بشرٌ كثير ، وركب شحنة بغداد ليكفهم فعجز ، وذلت الرّافضة بإعانة الخليفة وأعوانه عليهم ، وأجابوا إلى إظهار السّنة ، وكتبوا بالكرخ على أبواب مساجدهم: خّير الناس بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أبو بكر ، ثمّ عمر ، ثمّ عثمان ، ثمّ علي فعظم هذا [10/472] على جهلتهم وشطارهم ، فثاروا ونهبوا شارع ابن أبي عوف ، وفي جملة ما نهبوا دار المحدّث أبي الفضل بن خيرون ، فذهب مستصرخاً ومعه خلق ، ورفعت العامة الصلبان وهجموا على الوزير وما أبقوا ممكناً ، وقتل يومئذ رجل هاشمي بسهم غرب ، فقتلت السّنة عوضه رجلاً علوياً وأحرقوه . وجرت أمور قبيحة ، فطلب الخليفة من صدقة بن مزيد عسكراً فبعث عسكراً ، وتتبعوا المفسدين إلى أن خمدت الفتنة .
وفيها كان قحط بإفريقيّة وحروب ، ثمّ أمنوا ورخصت الأسعار .
وفيها عملت ببغداد مدرسة لتاج الملك مستوفي الدّولة بباب أبرز ، ودرس بها أبو بكر الشّاشيّ ، وتعرف بالمدرسة التاجية .
وفيها عمرت منارة جامع حلب .
وفيها سرق رجل نحوي أشقر ثياباً فأخذ وهموا به فهرب وذهب إلى بلاد بني عامر ، بنواحي الإحساء ، وقال لأميرهم: أنت تملك الأرض ويتم لك ، وأنت أجدادك أفعالهم بالحاج في التواريخ . وحسن له نهب البصرة فجمع العربان ، وقصد البصرة بغتة ، والناس آمنون بهيبة السّلطان ، فملكها ونهبها ، وفعلوا كل قبيح ، وأحرقوا عدة أماكن ، وجاء الصريخ إلى بغداد ، فانحدر سعد الدّولة كوهرائين ، وسيف الدّولة صدقة بن مزيد ، فوجدوا الأمر قد فات ، ثمّ أخذ ذلك النحوي فشهر وصلب ببغداد .
وفيها وصل للنّظامية مدرسان ، كل واحد معه منشور بها من نظام الملك ، وهما أبو محمد عبد الوهاب الشّيرازيّ ، وأبو عبد اللّه الطبري . ثمّ تقرر الأمر أن كل واحد يدرس يوماً .
وفيها مات فخر الدّولة بن جهير .
وفي شعبان تسلم ابن الصباح رأس الإسماعيلية قلعة أصبهان ، وذلك أول ظهورهم . وسيأتي ذكرهم في سنة أربع وتسعين .