|
625- موسى بن يونس بن محمد بن منعة بن مالك . العلامة ، كمال الدين ، أبو الفتح ، الموصلي ، الشافعي ، أحد الأعلام . ولد في صفر سنة إحدى وخمسين وخمسمائة بالموصل . وتفقه على والده . ثم توجه إلى بغداد ، فتفقه بالنظامية على معيدها السديد السلماسي بالخلاف والأصول . وقرأ العربية بالموصل على الإمام يحيى بن سعدون ، وببغداد على الكمال عبد الرحمن الأنباري . وتميز ، وبرع في العلم . ورجع إلى الموصل ، وأقبل على الدروس والاشتغال والاستبحار من العلوم حتى اشتهر اسمه وبعد صيته ، ورحل إليه الطلبة ، وتزاحموا عليه . قال القاضي شمس الدين ابن خلكان - وهو من بعض تلامذته - : انثال عليه الفقهاء ، وجمع من العلوم ما لم يجمعه أحد ، وتفرد بعلم الرياضي . قال : وقيل : إنه كان يتقن أربعة عشر فنًا من العلوم . وكان الحنفية يقرؤون عليه مذهبهم ، ويحل مسائل " الجامع الكبير " أحسن حلٍ . وكذلك أهل الذمة يقرؤون عليه التوراة والإنجيل ، ويشرحهما لهم شرحًا يعترفون أنهم لا يجدون من يوضحهما لهم مثله . وكذلك في كل فنٍ متى أخذ معه فيه يوهم أنه لا يعرف سواه لجودة معرفته به . وبالجملة فأخبار فضله في جميع العلوم مشهورةٌ حتى إن الأثير مفضل بن عمر الأبهري - على جلالة قدره في العلم وما له من التصانيف كالتعليقة في الخلاف والزيج - يجلس بين يديه ، ويقرأ عليه والناس - يوم ذاك - يشتغلون في تصانيف الأثير . وسئل الشيخ كمال الدين عن الأثير ومنزلته في العلوم ، فقال : ما أعلم ! فقيل : وكيف وهو في خدمتك منذ سنين عديدة واشتغل عليك ؟ فقال : لأني مهما قلت له تلقاه بالقبول وما جاذبني في مبحثٍ قط حتى أعلم حقيقة فضله . ولما حج الشيخ قال الأثير - لما بلغه أنهم لم ينصفوه من دار الخلافة - : والله ما دخل بغداد مثل أبي [14/306] حامدٍ الغزالي ، ووالله ما بينه وبين الشيخ نسبة . قال ابن خلكان : وكان الشيخ يعرف الفقه ، والأصلين ، والخلاف ، والمنطق ، والطبيعي ، والإلهي ، والمجسطي ، وإقليدس ، والهيئة ، والحساب ، والجبر ، والمقابلة ، والمساحة ، والموسيقى معرفةً لا يشاركه فيها غيره . وكان يقرئ " كتاب سيبويه " ، و " المفصل " للزمخشري . وكان له في التفسير ، والحديث ، وأسماء الرجال يد جيدة . وكان يحفظ من التاريخ والأخبار شيئًا كثيرًا . وله شعر حسن . وكان الأثير يقرأ عليه في المجسطي ، وهي لفظة يونانية ، أي : الترتيب . وكان شيخنا تقي الدين ابن الصلاح يبالغ في الثناء عليه ، ويعظمه ، فقيل له يومًا : من شيخه ؟ فقال : هذا الرجل خلقه الله عالمًا ، لا يقال : على من اشتغل ؟ فإنه أكبر من هذا . وطول ابن خلكان ترجمته ، ثم قال : ومن وقف على هذه الترجمة فلا ينسبني إلى المغالاة فمن كان فاضلًا وعرف ما كان عليه الشيخ ، عرف أني ما أعرته وصفًا ونعوذ بالله من الغلو . ثم إن القاضي - رحمه الله - أنصف ، وقال : كان - سامحه الله - يتهم في دينه لكون العلوم العقلية غالبةً عليه . وعمل فيه العماد المغربي وهو عمر بن عبد النور الصنهاجي النحوي : أجدّك أن قد جاد بعد التعبس غزالٌ بوصل لي وأصبح مؤنسي وعاطيته صهباء من فيه مزجها كرقة شعري أو كدين ابن يونس وللعماد هذا فيه - وقد حضر درس الشيخ جماعةٌ بالطيالسة - : كمال كمال الدين للعلم والعلى فهيهات ساعٍ في معاليك يطمع إذا اجتمع النّظّار في كلّ موطنٍ فغاية كلٍّ أن تقول ويسمعوا فلا تحسبوهم من عنادٍ تطيلسوا ولكن حياءً واعترافًا تقنّعوا [14/307] وقال الموفق أحمد بن أبي أصيبعة في " تاريخ الأطباء " له في ترجمة كمال الدين : هو علامة زمانه ، وأوحد أوانه ، وقدوة العلماء ، وسيد الحكماء ، أتقن الحكمة - يعني الفلسفة - وتميز في سائر العلوم ، كان يقرئ العلوم بأسرها ، وله مصنفاتٌ في نهاية الجودة ، ولم يزل مقيمًا بالموصل . وقيل : إنه كان يعرف علم السيمياء وله كتاب " تفسير القرآن " ، وكتاب " شرح التنبيه " وكتاب " مفردات ألفاظ القانون " وكتاب في الأصول ، وكتاب " عيون المنطق " ، وكتاب " لغز في الحكمة " ، وكتاب في " النجوم " . قال ابن خلكان : توفي بالموصل في رابع عشر شعبان . ولما ترددت إليه ، وقع في نفسي إن جاءني ابنٌ سميته باسمه ، فرزقت ولدي الأكبر في صفر سنة إحدى وخمسين بالقاهرة - يعني كمال الدين موسى خطيب كفربطنا - قال : وعجبت من موافقته له في تاريخ المولد فبينهما مائة سنة كاملة . قال الموفق عبد اللطيف : ولما كان سنة خمس وثمانين وخمسمائة حيث لم يبق ببغداد من يملأ عيني ، ويحل ما يشكل علي ، دخلت الموصل فلم أجد فيها بغيتي ، لكن وجدت الكمال بن يونس جيدًا في الرياضيات والفقه متطرفًا من باقي أجزاء الحكمة ، قد استغرق عقله ووقته حب الكيمياء ، وعملها حتى صار يستخف بكل ما عداها . وقال أبو شامة : توفي في نصف شعبان .
|