42 _ إِسْحَاقُ النَّدِيمُ
الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ الْحَافِظُ ذُو الْفُنُونِ ، أَبُو مُحَمَّدٍ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ [11/119] مَيْمُونٍ التَّمِيمِيُّ الْمَوْصِلِيُّ الْأَخْبَارِيُّ
، صَاحِبُ الْمُوسِيقَى ، وَالشِّعْرِ الرَّائِقِ ، وَالتَّصَانِيفِ الْأَدَبِيَّةِ مَعَ الْفِقْهِ وَاللُّغَةِ ، وَأَيَّامِ النَّاسِ ، وَالْبَصَرِ بِالْحَدِيثِ ، وَعُلُوِّ الْمَرْتَبَةِ . وُلِدَ سَنَةَ بِضْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ . وَسَمِعَ مِنْ : مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَهُشَيْمِ بْنِ بَشِيرٍ ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَبَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرِ ، وَالْأَصْمَعِيِّ ، وَعَدَدٍ كَثِيرٍ .
حَدَّثَ عَنْهُ : وَلَدُهُ حَمَّادُ الرَّاوِيَةُ ، وَشَيْخُهُ الْأَصْمَعِيُّ ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ ، وَأَبُو الْعَيْنَاءِ ، وَيَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُهَلَّبِيُّ ، وَآخَرُونَ . وَلَمْ يُكْثِرْ عَنْهُ الْحُفَّاظُ لِاشْتِغَالِهِ عَنْهُمْ بِالدَّوْلَةِ ، وَقِيلَ : وُلِدَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ .
قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ : كَانَ ثِقَةً عَالِمًا . وَقَالَ الْخَطِيبُ : كَانَ حُلْوَ النَّادِرَةِ ، حَسَنَ الْمَعْرِفَةِ ، جَيِّدَ الشِّعْرِ ، مَذْكُورًا بِالسَّخَاءِ . صَنَّفَ كِتَابَ " الْأَغَانِي " الَّذِي يَرْوِيهِ عَنْهُ ابْنُهُ .
وَعَنْ إِسْحَاقَ الْمَوْصِلِيِّ قَالَ : بَقِيتُ دَهْرًا مِنْ عُمْرِي أُغَلِّسُ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى هُشَيْمٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ ، ثُمَّ أَصِيرُ إِلَى الْكِسَائِيِّ ، أَوِ الْفَرَّاءِ ، أَوِ ابْنِ غَزَالَةَ ، فَأَقْرَأُ عَلَيْهِ جُزْءًا مِنَ الْقُرْآنِ ، ثُمَّ إِلَى أَبِي مَنْصُورٍ زَلْزَلَ فَيُضَارِبُنِي [11/120] طَرْقَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ، ثُمَّ آتِي عَاتِكَةَ بِنْتَ شَهْدَةَ ، فَآخُذُ مِنْهَا صَوْتًا أَوْ صَوْتَيْنِ ، ثُمَّ آتِي الْأَصْمَعِيَّ ، وَأَبَا عُبَيْدَةَ فَأَسْتَفِيدُ مِنْهُمَا ، وَآتِي مَجْلِسَ الرَّشِيدِ بِالْعَشِيِّ .
كَانَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ يَصِفُ إِسْحَاقَ بِالْعِلْمِ وَالصِّدْقِ وَالْحِفْظِ . وَيَقُولُ : هَلْ سَمِعْتُمْ بِأَحْسَنَ مِنَ ابْتِدَائِهِ : هَلْ إِلَى أَنْ تَنَامَ عَيْنِي سَبِيلُ إِنَّ عَهْدِي بِالنَّوْمِ عَهْدٌ طَوِيلُ
قَالَ إِسْحَاقُ : لَمَّا خَرَجْنَا مَعَ الرَّشِيدِ إِلَى الرِّقَّةِ ، قَالَ لِي الْأَصْمَعِيُّ : كَمْ حَمَلْتَ مَعَكَ مَنْ كُتُبِكَ ؟ قُلْتُ : سِتَّةَ عَشَرَ صُنْدُوقًا .
وَعَنْ إِسْحَاقَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى الْغِنَاءِ ، وَيَقُولُ : لَأَنْ أُضْرَبَ عَلَى رَأْسِي بِالْمَقَارِعِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُقَالَ عَنِّي : مُغَنٍّ .
وَقَالَ الْمَأْمُونُ : لَوْلَا شُهْرَةُ إِسْحَاقَ بِالْغِنَاءِ ، لَوَلَّيْتُهُ الْقَضَاءَ .
الصُّولَيُّ : أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَيْنَاءِ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ : كُنْتُ قَدْ جِئْتُ أَبَا مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرَ بِمِائَةِ حَدِيثٍ ، فَوَجَدْتُ ضَرِيرًا يَحْجُبُهُ لِيَنْفَعَهُ ، فَوَهَبْتُهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ ، فَاسْتَأْذَنَ لِي ، فَقَرَأْتُ الْمِائَةَ حَدِيثٍ ، فَقَالَ لِي أَبُو مُعَاوِيَةَ : هَذَا مُعِيدٌ ضَعِيفٌ ، وَمَا وَعَدْتَهُ فَيَأْخُذَهُ مِنْ أَذْنَابِ النَّاسِ ، وَأَنْتَ أَنْتَ قُلْتُ : قَدْ [11/121] جَعَلْتُهَا مِائَةَ دِينَارٍ . قَالَ : أَحْسَنَ اللَّهُ جَزَاءَكَ .
وَقَدْ أَنْشَدَ إِسْحَاقُ الرَّشِيدَ أَبْيَاتًا يَقُولُ فِيهَا : عَطَائِي عَطَاءُ الْمُكْثِرِينَ تَكَرُّمًا وَمَالِي كَمَا قَدْ تَعْلَمِينَ قَلِيلُ وَكَيْفَ أَخَافُ الْفَقْرَ أَوْ أُحْرَمُ الْغِنَى وَرَأْيُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ جَلِيلُ فَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ . مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ .