309 - ابْنُ حَرْبَوَيْهِ الْقَاضِي الْعَلَّامَةُ ، الْمُحَدِّثُ الثَّبْتُ ، قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو عُبَيْدٍ ، [14/537] عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ حَرْبِ بْنِ عِيسَى الْبَغْدَادِيُّ .
سَمِعَ أَحْمَدَ بْنَ الْمِقْدَامِ ، وَالْحَسَنَ بْنَ عَرَفَةَ ، وَزَيْدَ بْنَ أَخْزَمَ ، وَيُوسُفَ بْنَ مُوسَى الْقَطَّانِ ، وَالْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيَّ ، وَطَبَقَتَهُمْ . حَدَّثَ عَنْهُ : أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيُّوَيْهِ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُقْرِئِ ، وَأَبُو حَفْصِ بْنُ شَاهِينَ ، وَعِدَّةٌ .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ : ذَكَرْتُ ابْنَ حَرْبَوَيْهِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ ، فَذَكَرَ مِنْ جَلَالَتِهِ وَفَضْلِهِ ، وَقَالَ : حَدَّثَ عَنْهُ النَّسَائِيُّ فِي الصَّحِيحِ ، ثُمَّ قَالَ : لَمْ يَحْصُلْ لِي عَنْهُ حَرْفٌ وَاحِدٌ ، وَقَدْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ كَتَبْتُ الْحَدِيثَ بِخَمْسِ سِنِينَ .
قُلْتُ : وَلِيَ قَضَاءَ مِصْرَ ، فَقَدِمَهَا سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ .
قَالَ ابْنُ زُولَاقٍ : كَانَ عَالَمًا بِالِاخْتِلَافِ ، وَالْمَعَانِي ، وَالْقِيَاسِ ، عَارِفًا بِعِلْمِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ ، فَصِيحًا ، عَاقِلًا ، عَفِيفًا ، قَوَّالًا بِالْحَقِّ ، سَمْحًا ، مُتَعَصِّبًا ، كَانَ أَمِيرُ مِصْرَ تِكِينُ يَأْتِي مَجْلِسَهُ وَلَا يَدْعُهُ أَنْ يَقُومَ لَهُ ، فَإِذَا جَاءَ هُوَ إِلَى مَجْلِسِ تِكِينَ مَشَى لَهُ وَتَلَقَّاهُ . وَلَمْ يَكُنْ فِي زِيِّهِ وَلَا مَنْظَرِهِ بِذَاكَ ، وَكَانَ بِوَجْهِهِ جُدَرِيٌّ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مَنْ فُحُولِ الْعُلَمَاءِ .
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَدَّادِ : سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدٍ الْقَاضِيَ يَقُولُ : مَا لِي وَلِلْقَضَاءِ! لَوِ اقْتَصَرْتُ عَلَى الْوِرَاقَةِ ، مَا كَانَ خَطِّي بِالرَّدِيءِ . وَكَانَ رِزْقُهُ فِي الشَّهْرِ مِائَةً وَعِشْرِينَ دِينَارًا .
قَالَ ابْنُ زُولَاقٍ : قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاضِي : مَا يُقَلِّدُ إِلَّا عَصَبِيٌّ أَوْ [14/538] غَبِيٌّ . قَالَ : فَجَمَعَ أَحْكَامَهُ بِمِصْرَ بِمَا اخْتَارَهُ ، وَكَانَ أَوَّلًا يَذْهَبُ إِلَى قَوْلِ أَبِي ثَوْرٍ . وَكَانَ يُورِّثُ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَوَلِيَ قَضَاءَ وَاسِطٍ أَوَّلًا . إِلَى أَنْ قَالَ : وَأَبُو عُبَيْدٍ آخِرُ قَاضٍ رَكِبَ إِلَيْهِ الْأُمَرَاءُ بِمِصْرَ ، وَقَدْ تَسَرَّى بِمِصْرَ بِجَارِيَةٍ ، فَتَجَنَّتْ عَلَيْهِ ، وَطَلَبَتِ الْبَيْعَ ، وَكَانَ بِهِ فَتْقٌ . ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ زُولَاقٍ عِدَّةَ حِكَايَاتٍ تَدُلُّ عَلَى وَقَارِ أَبِي عُبَيْدٍ ، وَرَزَانَتِهِ ، وَوَرَعِهِ التَّامِّ ، وَسِعَةِ عِلْمِهِ . قَالَ : وَحَدَّثَ عَنْهُ فِي سَنَةِ ثَلَاثِمِائَةٍ النَّسَائِيُّ .
قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَاوِيُّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْوُجُوهِ ، تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ فِي " الْمُهَذَّبِ " و" الرَّوْضَةِ " .
وَقَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ يُونُسَ : هُوَ قَاضِي مِصْرَ ، أَقَامَ بِهَا طَوِيلًا ، كَانَ شَيْئًا عَجَبًا ، مَا رَأَيْنَا مِثْلَهُ ، لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ ، وَكَانَ يَتَفَقَّهُ لِأَبِي ثَوْرٍ ، وَعُزِلَ عَنِ الْقَضَاءِ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ ; لِأَنَّهُ كَتَبَ يَسْتَعْفِي مِنَ الْقَضَاءِ ، وَوَجَّهَ رَسُولًا إِلَى بَغْدَادَ يَسْأَلُ فِي عَزْلِهِ ، وَأَغْلَقَ بَابَهُ ، وَامْتَنَعَ مِنَ الْحُكْمِ ، فَأُعْفِيَ ، فَحَدَّثَ حِينَ جَاءَ عَزْلُهُ ، وَأَمْلَى مَجَالِسَ ، وَرَجَعَ إِلَى بَغْدَادَ . وَكَانَ ثِقَةً ثَبْتًا .
حَدَّثَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَخْزَمَ ، وَأَحْمَدَ بْنِ الْمِقْدَامِ ، وَطَبَقَتِهِمَا .
قَالَ الْخَطِيبُ تُوُفِّيَ ابْنُ حَرْبَوَيْهِ فِي صَفَرٍ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَصَلَّى عَلَيْهِ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ .