الْحَدِيثُ الْعِشْرُونَ :
رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَجْمَعْ فِي الْمُحْصَنِ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ . قُلْت : فِيهِ حَدِيثُ الْعَسِيفِ ، وَحَدِيثُ مَاعِزٍ .
فَحَدِيثُ الْعَسِيفِ :
أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَقَالَ الْآخَرُ ، وَكَانَ أَفْقَهَهُمَا : أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَأْذَنْ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ ، قَالَ : تَكَلَّمْ ، قَالَ : إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا ، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْت [3/329] مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَبِجَارِيَةٍ لِي ، ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ ، فَأَخْبَرُونِي أنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ ، وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ ، أَمَّا غَنَمُك وَجَارِيَتُك فَرَدٌّ إلَيْك ، وَعَلَى ابْنِك جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسٌ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا ، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا ، قَالَ : فَغَدَا عَلَيْهَا ، فَاعْتَرَفَتْ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا فَرُجِمَتْ انْتَهَى .
وَحَدِيثُ مَاعِزٍ :
تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ ، وَفِيهِ الرَّجْمُ ، وَلَيْسَ فِيهِ الْجَلْدُ ، حَتَّى إنَّ الْأُصُولِيِّينَ اسْتَدَلُّوا عَلَى تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَجَمَ مَاعِزًا وَلَمْ يَجْلِدْهُ ; لِأَنَّ آيَةَ الْجَلْدِ شَامِلَةٌ لِلْمُحْصَنِ وَغَيْرِهِ .
أَحَادِيثُ الْخُصُومِ :
أَخْرَجَ مُسْلِمٌ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذُوا عَنِّي ، خُذُوا عَنِّي ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ ، جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ ، جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ انْتَهَى .
وَحَدِيثُ شُرَاحَةَ :
تَقَدَّمَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ ، وَأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ جَلَدَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ وَرَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَقَالَ : جَلَدْتهَا بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَرَجَمْتهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْحَدِيثُ فِي " الْبُخَارِيِّ " لَيْسَ فِيهِ الْجَلْدُ ، وَلَفْظُهُ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيٍّ حِينَ رَجَمَ الْمَرْأَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، قَالَ : رَجَمْتهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى .
وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ، قَالَ الْحَازِمِيُّ فِي " كِتَابِهِ " رَوَى حَدِيثَ مَاعِزٍ جَمَاعَةٌ : كَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَنَفَرٌ تَأَخَّرَ إسْلَامُهُمْ ، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ، وَبَيْنَ الزَّمَانَيْنِ مُدَّةٌ ، انْتَهَى .
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي " مُخْتَصَرِهِ " : ذَهَبَ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَسُفْيَانُ : إنَّ الثَّيِّبَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ دُونَ الْجَلْدِ ، وَرَأَوْا حَدِيثَ عُبَادَةَ مَنْسُوخًا ، وَتَمَسَّكُوا بِأَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ : مِنْهَا حَدِيثُ الْعَسِيفِ ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَفِيهِ : فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا ، فَغَدَا عَلَيْهَا ، فَاعْتَرَفَتْ ، فَرَجَمَهَا ، فَهَذَا الْحَدِيثُ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ ، لِأَنَّ رَاوِيَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْجَلْدِ فِيهِ بِذِكْرٍ ، انْتَهَى .
الثَّانِي : أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْلَمْ بِإِحْصَانِهِ ، فَجَلَدَهُ ، ثُمَّ عَلِمَ بِإِحْصَانِهِ فَرَجَمَهُ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ [3/330] مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، عَنْ ابْنِ وَهْبٍ ، قَالَ : سَمِعْت ابْنَ جُرَيْجٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا زَنَى ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجُلِدَ ، ثُمَّ أُخْبِرَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَحْصَنَ ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ انْتَهَى .
وَأَخْرَجَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي عَاصِمٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا زَنَى ، فَلَمْ يَعْلَمْ بِإِحْصَانِهِ ، فَجُلِدَ ، ثُمَّ عَلِمَ بِإِحْصَانِهِ فَرُجِمَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ النَّسَائِيُّ : لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ غَيْرَ ابْنِ وَهْبٍ ، وَوَقْفُهُ هُوَ الصَّوَابُ ، وَرَفْعُهُ خَطَأٌ ، انْتَهَى .
وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الْجَوَابَ الْأَوَّلَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ، وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ ، انْتَهَى .