|
فصل وَأما مُسْند الإِمام أَحْمد ، (وَذَلِكَ) فِيمَا روينَا بالإِسناد الصَّحِيح عَنهُ أَنه قَالَ : عملت هَذَا الْكتاب - يَعْنِي الْمسند - إِمَامًا ، إِذا اخْتلف الناسُ فِي سُنَّةٍ عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُجِع إِلَيْهِ . وَقَالَ حَنْبَل بن إِسْحَاق : جَمَعَنا أَحْمد بن حَنْبَل ، أَنا وَصَالح ، وَعبد الله ، وَقَرَأَ علينا "الْمسند" ، و (مَا) سَمعه مِنْهُ غَيرنَا ، وَقَالَ لنا : هَذَا الْكتاب قد جمعته وانتقيته من أَكثر من سَبْعمِائة ألف وَخمسين ألفا ، فَمَا اخْتلف الْمُسلمُونَ فِيهِ من حَدِيث رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فارجِعُوا إِلَيْهِ ، فإنْ وجدتموه ، وإلَّا فَلَيْسَ بحجَّة . وَقَالَ الْحَافِظ عبد الْقَادِر الرُّهَاوي فِي كتاب "المادح والممدوح" - وَمن خطّ الْمُنْذِرِيّ نقلت - : كَيفَ قَالَ الإِمام أَحْمد هَذَا و "الْمسند" يشْتَمل عَلَى الصِّحَاح ، وغرائب ، وَأَحَادِيث فِيهَا ضعف ؟ ثمَّ أجَاب بِأَنَّهُ [1/296] إنَّما أَرَادَ بقوله : فإنْ وجدتموه فِيهِ ، وإلَّا فَلَيْسَ بِحجَّة : الْأَحَادِيث الصِّحَاح الَّتِي احتوى عَلَيْهَا مُسْنده ، دون الغرائب ، والضعاف . يَعْنِي : أَن كل حَدِيث يُرَاد للاحتجاج بِهِ ، وَالْعَمَل بِحكمِهِ ، وَلَيْسَ فِي مُسْنده فَلَيْسَ بِصَحِيح ، حكما مِنْهُ بأنَّه لم يبقَ حَدِيث صَحِيح خَارج "مُسْنده" ، وَهَذَا لسعة علمه بالأحاديث ، وإحاطته بهَا وبطرقها ، وصحاحها ، وسقامها . قَالَ : وَمن أَمْعَنَ فِي طلب الحَدِيث ، واستكثر مِنْهُ ، وَمن الْكتب المصنفة فِيهِ فِي أَنْوَاع علومه ، وَرَآهَا مشحونة بِكَلَامِهِ ، وَرَأَى اعْتِمَاد المُصَنِّفين عَلَى كَلَامه ، وإحالتهم عَلَيْهِ - من عصره ، وزمانه وهلم جرًّا ، إِلَى حِين قَلَّ طالبو الحَدِيث ، وكَسَد سوقه - عَرفَ صِحَة مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي "خَصَائِصه" : وَلم يخرج - أَي أَحْمد - إلَّا عَمَّن يثبت عِنْده صدقه ، وديانته ، دون من طُعِنَ فِي أَمَانَته ، يدل عَلَى ذَلِكَ قَول ابْنه عبد الله : سَأَلت أبي عَن عبد الْعَزِيز بن أبان فَقَالَ : لم أخرج عَنهُ فِي الْمسند شَيْئًا ، قد أخرجت عَنهُ عَلَى غير وَجه الحَدِيث ، لَمَّا حدَّث بِحَدِيث الْمَوَاقِيت تركته . قَالَ أَبُو مُوسَى : وَمن الدَّلِيل (عَلَى) أنَّ مَا أودعهُ "مُسْنده" قد (احتاط) فِيهِ إِسْنَادًا ومتنًا ، وَلم يوردْ فِيهِ إلَّا مَا صحَّ عِنْده (ضربه) عَلَى أَحَادِيث رجال (ترك) الرِّوَايَة عَنْهُم ، رَوَى عَنْهُم فِي غير "الْمسند" . فَائِدَة : عَدَدُ أَحَادِيث "الْمسند" أَرْبَعُونَ ألفا ، بِزِيَادَات ابْنه عبد الله . كَمَا قَالَه [1/297] ابْن دحْيَة فِي "فَوَائِد المشرقين والمغربين" . وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن بن (الْمُنَادِي) : إِنَّه ثَلَاثُونَ ألفا ، (وَقَالَ صَاحب "مُسْند الفردوس" : يُقَال : إِنَّه ضمَّنَه خمسين ألف حَدِيث) .
|