[1/345] كتاب الطَّهَارَة [1/346] [1/347] بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
كتاب الطَّهَارَة
بَاب المَاء الطَّاهِر
قَالَ الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - فِي مُحكم كِتَابه الْكَرِيم : ( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ) .
وَقَالَ : ( وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ) .
ذكر الإِمام الرَّافِعِيّ فِي هَذَا الْبَاب من الْأَحَادِيث سِتَّة أَحَادِيث : [1/348] الحَدِيث الأول
ورد فِي الْبَحْر قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " الْبَحْر هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ " .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح جليل ، مَرْوِيّ من طرق ، الَّذِي يحضرنا مِنْهَا تِسْعَة :
أَولهَا : من طَرِيق أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عبد الرَّحْمَن بن صَخْر - عَلَى الْأَصَح - عِنْد جمَاعَة من الْحفاظ ، كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ فِي "أَمَالِيهِ" . وَقَالَ النَّوَوِيّ : إِنَّه الْأَصَح (من) نَحْو ثَلَاثِينَ قولا ، كَنَّاه رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأبي هُرَيْرَة - وَقيل : أَبوهُ - لمَّا رَآهُ وَقد جمع أَوْلَاد هِرة وحشية ، حَكَاهُمَا الرَّافِعِيّ - أَيْضا - فِي "أَمَالِيهِ" - قَالَ : " جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إنَّا نركب الْبَحْر ونحمل مَعنا الْقَلِيل من المَاء ، فَإِن توضأنا بِهِ عطشنا ، أفنتوضأ بِمَاء الْبَحْر ؟ فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "هُوَ الطُّهُورُ مَاؤُهُ ، الحِلُّ ميتَته " .
رَوَاهُ الْأَئِمَّة الْأَعْلَام ، أهل الْحل وَالْعقد : مَالك فِي "الْمُوَطَّأ" وَالشَّافِعِيّ ، وَأحمد ، والدارمي فِي "مسانيدهم" ، وَالْبُخَارِيّ فِي [1/349] "تَارِيخه" ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، (وَالنَّسَائِيّ) ، وَابْن مَاجَه فِي "سُنَنهمْ" ، وَأَبُو بكر بن خُزَيْمَة ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي "صَحِيحَيْهِمَا" ، وَأَبُو مُحَمَّد بن الْجَارُود فِي "الْمُنْتَقَى" ، وَأَبُو الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ ، وَأَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ فِي "سُنَنهمَا" ، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي "الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ" .
قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح .
قَالَ : وَسَأَلت البُخَارِيّ عَنهُ ، فَقَالَ : هُوَ حَدِيث صَحِيح
.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابه "( الْمعرفَة ") : هُوَ حَدِيث صَحِيح ، كَمَا قَالَه البُخَارِيّ .
وَقَالَ ابْن الْمُنْذر : ثَبت أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْبَحْر : " هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ ، الْحل ميتَته " . [1/350] وَقَالَ الْبَغَوِيّ : هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، مُتَّفق عَلَى صِحَّته .
وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي " شرح الْمسند " : هَذَا حَدِيث صَحِيح مَشْهُور ، أخرجه الْأَئِمَّة فِي كتبهمْ ، وَاحْتَجُّوا بِهِ ، وَرِجَاله ثِقَات .
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي " الإِمَام " ، و " الإِلمام" : رجح ابْن مَنْدَه صِحَّته .
وَخَالف الْحَافِظ أَبُو عمر ابْن عبد الْبر ، فَقَالَ فِي " تمهيده " : اخْتلف أهل الْعلم فِي إِسْنَاده . قَالَ : وَقَول البُخَارِيّ : صَحِيح . لَا أَدْرِي مَا هَذَا مِنْهُ ؟ ! وَلَو كَانَ صَحِيحا عِنْده ، لأخرجه فِي كِتَابه . قَالَ : وَهَذَا الحَدِيث لم يحْتَج أهل الحَدِيث بِمثل إِسْنَاده . قَالَ : وَهُوَ عِنْدِي صَحِيح ؛ لِأَن الْعلمَاء تلقوهُ بِالْقبُولِ وَالْعَمَل بِهِ ، لَا يُخَالف [ فِي ] جملَته أحد (من) الْفُقَهَاء ، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي بعض مَعَانِيه .
وَهَذَا الْكَلَام من الْحَافِظ أبي عمر فِيهِ نظر كَبِير ، لَا جرم أَن الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين تعقَّبه ، فَقَالَ فِي " شرح الإِلمام " : (قَوْله) : لَو كَانَ صَحِيحا لأخرجه (فِي كِتَابه) . غير لَازم ؛ لِأَنَّهُ (لم) يلْتَزم إِخْرَاج كل حَدِيث [1/351] (صَحِيح) . وَأما قَوْله : لم يحْتَج أهل الحَدِيث بِمثل إِسْنَاده . فقد ذكرنَا فِي كتاب " الإِمام " وُجُوه التَّعْلِيل الَّتِي يُعلل بهَا الحَدِيث .
قلت : وحاصلها - كَمَا قَالَ فِيهِ - أَنه يُعلل بأَرْبعَة أوجه :
أَحدهَا : الْجَهَالَة [ بِسَعِيد ] بن سَلمَة ، والمغيرة بن أبي بردة ، الْمَذْكُورين فِي إِسْنَاده ، وادَّعى أَنه لم يرو عَن سعيد غير صَفْوَان بن سليم ، وَلَا عَن الْمُغيرَة غير سعيد بن سَلمَة .
قَالَ الإِمام الشَّافِعِي : فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث من لَا أعرفهُ .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي "السّنَن" : يحْتَمل أَن يُرِيد سعيد بن سَلمَة ، أَو الْمُغيرَة أَو كِلَاهُمَا
.
وَالْجَوَاب : أَنه رَوَاهُ عَن سعيد غير صَفْوَان ، رَوَاهُ عَنهُ : الجُلاَح ، بِضَم الْجِيم ، وَتَخْفِيف اللَّام ، وَآخره حاء مُهْملَة . قَالَ أَبُو عبيد فِي كِتَابه "الطّهُور" : وَخَالف أَبُو الْأسود أَصْحَابه ، فَقَالَ : الجلاخ - بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة . انْتَهَى - كنيته : أَبُو كثير ، رَوَاهُ أَحْمد فِي "مُسْنده" من رِوَايَة [1/352] قُتَيْبَة ، عَن لَيْث ، عَنهُ . وَلَفظه : " أنَّ نَاسا أَتَوا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : إنَّا نبعد فِي الْبَحْر ، وَلَا نحمل [ من المَاء ] إلاَّ الإِداوة والإِداوتين ، [ لأنَّا ] لَا نجد الصَّيْد حَتَّى نبعد ، فنتوضأ بِمَاء الْبَحْر ؟ فَقَالَ : "نعم ، إنَّه الحِلُّ ميتَته ، الطّهُور مَاؤُهُ " .
وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي "الْمُسْتَدْرك" ، والحافظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه الْكَبِير" ، من طَرِيق : يَحْيَى بن بكير عَن اللَّيْث ، بِسَنَدِهِ ، وَلَفْظهمَا : " كُنَّا عِنْد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمًا ، فَجَاءَهُ صَيَّاد ، فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، إنَّنا ننطلق فِي الْبَحْر ، نُرِيد الصَّيْد فَيحمل أَحَدنَا (مَعَه) الإِداوة ، وَهُوَ يَرْجُو أَن يَأْخُذ الصَّيْد قَرِيبا ، فَرُبمَا وجده كَذَلِك ، وَرُبمَا لم يجد الصَّيْد حتَّى يبلغ من الْبَحْر مَكَانا لم يظنّ (أَن) يبلغهُ ، فَلَعَلَّهُ يَحْتَلِم ، أَو يتَوَضَّأ فإنْ اغْتسل أَو تَوَضَّأ بِهَذَا المَاء فَلَعَلَّ أَحَدنَا يُهْلِكُه الْعَطش ، فَهَل ترَى فِي مَاء الْبَحْر أَن نغتسل بِهِ ، أَو نَتَوَضَّأ (بِهِ) إِذا خفنا [1/353] ذَلِك ؟ فَزعم أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : "اغتسلوا مِنْهُ وَتَوَضَّئُوا بِهِ ، فَإِنَّهُ الطُّهُورُ مَاؤُهُ ، الحِلُّ ميتَته " .
قَالَ الْحَاكِم : قد احْتج مُسلم بالجلاح ، أبي كثير .
قلت : وَرَوَاهُ عَن الجلاح أَيْضا : يزِيد بن أبي حبيب ، وَعَمْرو بن الْحَارِث .
أما رِوَايَة عَمْرو : فَمن طَرِيق ابْن وهب ، وَأما رِوَايَة يزِيد : فَمن طَرِيق اللَّيْث عَنهُ .
وَأما الْمُغيرَة بن أبي بردة : فقد رَوَى عَنهُ يَحْيَى بن سعيد ، وَيزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي إِلَّا أَن يَحْيَى بن سعيد اخْتُلف عَلَيْهِ فِيهِ :
فَرَوَاهُ هشيم عَنهُ ، عَن الْمُغيرَة ، عَن رجل من بني مُدْلِج مَرْفُوعا .
وَرَوَاهُ حَمَّاد عَنهُ ، عَن الْمُغيرَة ، (عَن أَبِيه ) ، عَن أبي هُرَيْرَة
.
ذكرهمَا الْحَاكِم فِي "الْمُسْتَدْرك" .
وَرِوَايَة يزِيد بن مُحَمَّد : أخرجهَا أَيْضا فِيهِ ، وَرَوَاهَا أَيْضا : أَحْمد بن عبيد الصَفَّار ، صَاحب "الْمسند" . وَمن جِهَته أخرجهَا الْبَيْهَقِيّ .
قَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه : (فاتفاق صَفْوَان والجلاح) ، مِمَّا يُوجب شهرة سعيد بن سَلمَة ، واتفاق يَحْيَى بن سعيد ، وَسَعِيد بن سَلمَة ، عَلَى الْمُغيرَة بن أبي بردة ، مِمَّا يُوجب شهرة الإِسناد ، فَصَارَ الإِسناد مَشْهُورا .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين : وَقد زِدْنَا عَلَى مَا ذكرنَا عَن ابْن مَنْدَه : [1/354] رِوَايَة يزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي ، فتلخص أَن الْمُغيرَة رَوَى عَنهُ ثَلَاثَة ، فبطلت دَعْوَى التفرد الْمَذْكُور عَن سعيد وَصَفوَان .
قَالَ فِي " شرح الإِلمام " : فالجهالة فِي حق سعيد ترْتَفع بِرِوَايَة الجلاح وَصَفوَان عَنهُ ، وَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُور عِنْد الْمُحدثين : بِرَفْع الْجَهَالَة عَن الرَّاوِي . والجهالة مُرْتَفعَة عَن الْمُغيرَة بِرِوَايَة ثَلَاثَة عَنهُ كَمَا تقدم ، مَعَ كَونه مَعْرُوفا من غير الحَدِيث فِي مَوَاقِف (الحذر) فِي الحروب بالمغرب .
قَالَ : وَزَوَال الْجَهَالَة عَن سعيد بِرِوَايَة [ اثْنَيْنِ ] عَنهُ ، وَعَن الْمُغيرَة بِرِوَايَة ثَلَاثَة عَنهُ يَكْتَفِي بِهِ من لَا يرَى أَنه لا بد من معرفَة حَال الرَّاوِي فِي الْعَدَالَة ، بعد زَوَال الْجَهَالَة عَنهُ ، فإنْ كَانَ المصححون لَهُ قد علموها عَلَى جِهَة التَّفْصِيل ، فَلَا إِشْكَال مَعَ ذَلِك ، وإلاَّ فَلَا يبعد اعتمادهم عَلَى تحري مَالك ، وإتقانه للرِّجَال أَو عَلَى الِاكْتِفَاء بالشهرة .
قلت : قد ثَبت ثِقَة سعيد بن سَلمَة ، والمغيرة بن أبي بردة (صَرِيحًا) ، (فإنَّ الإِمام أَبَا عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ وثقهما ، كَمَا نَقله عَنهُ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي "تهذيبه" ، وَكَذَلِكَ أَبُو (حَاتِم) ابْن حبَان ، ذكرهمَا فِي كتاب " الثِّقَات ") . [1/355] وَرَوَى الْآجُرِيّ عَن أبي دَاوُد ، أَنه قَالَ : الْمُغيرَة بن أبي بردة مَعْرُوف . وأوضح ابْن يُونُس معرفَة عينه ، فارتفعت عَنْهُمَا جَهَالَة الْحَال بِهَذَا ، وجهالة الْعين بِمَا تقدم . وينضم إِلَى ذَلِك تَصْحِيح الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين لَهُ : التِّرْمِذِيّ ، وَالْبُخَارِيّ ، وَابْن الْمُنْذر ، وَابْن خُزَيْمَة ، وَابْن حبَان ، وَالْبَيْهَقِيّ ، وَابْن مَنْدَه ، وَالْبَغوِيّ ، وَغَيرهم .
قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي " الْمُسْتَدْرك " : (مثل هَذَا الحَدِيث) الَّذِي صَدَّر بِهِ مَالك كتاب "الْمُوَطَّأ" ، وتداوله فُقَهَاء الإِسلام من عصره إِلَى وقتنا هَذَا ، لَا يُردُّ بِجَهَالَة هذَيْن الرجلَيْن . قَالَ : عَلَى أَن اسْم الْجَهَالَة مَرْفُوع عَنْهُمَا بمتابعات . فَذكرهَا بأسانيده .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " السّنَن " : الَّذِي أَقَامَ إِسْنَاده ثِقَة ، أودعهُ مَالك فِي موطئِهِ .
الْوَجْه الثَّانِي من التَّعْلِيل : الِاخْتِلَاف فِي اسْم سعيد بن سَلمَة .
فَقيل - كَمَا قَالَ الإِمام مَالك - : سعيد بن سَلمَة ، من (آل) ابْن الْأَزْرَق . وَقيل : عبد الله بن سعيد المَخْزُومِي . وَقيل سَلمَة بن سعيد .
وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ المخالفان لرِوَايَة مَالك (هما من رِوَايَة : مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، عَلَى الِاخْتِلَاف عَنهُ ، وَالتَّرْجِيح لرِوَايَة مَالك) - مَعَ جلالته ، وَعدم الِاخْتِلَاف عَلَيْهِ - أولَى .
وَإِن كَانَ أَبُو عمر ابْن عبد الْبر (قَالَ) : [ رُوَاة الْمُوَطَّأ ] [1/356] اخْتلفُوا ، فبعضهم يَقُول : من آل بني الْأَزْرَق ، كَمَا قَالَ يَحْيَى . وَبَعْضهمْ يَقُول : من آل الْأَزْرَق . وَكَذَا قَالَ ( القعْنبِي ) . وَبَعْضهمْ يَقُول : من آل ابْن الْأَزْرَق ، كَذَلِك قَالَ [ ابْن ] الْقَاسِم ، وَابْن بكير . قَالَ ابْن عبد الْبر : وَهَذَا كُله مُتَقَارب غير (ضار) .
قلت : وَهَذَا الْوَجْه هُوَ الَّذِي اعتذر بِهِ الْبَيْهَقِيّ عَن الشَّيْخَيْنِ فِي عدم تخريجهما لهَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ فِي كتاب "الْمعرفَة" : (إنَّما) لم يخرجَاهُ فِي "صَحِيحَيْهِمَا" لاخْتِلَاف وَقع فِي اسْم سعيد بن سَلمَة ، والمغيرة بن أبي بردة .
وَهَذَا غير ضار ؛ إِذْ قد زَالَت الْجَهَالَة عَنْهُمَا عينا وَحَالا كَمَا تقدَّم ، فَلَا يضر حينئذٍ الِاخْتِلَاف فِي اسمهما
.
الْوَجْه الثَّالِث من التَّعْلِيل : التَّعْلِيل بالإِرسال .
قَالَ أَبُو عمر ابْن عبد الْبر : ذكر ابْن أبي عمر ، والْحميدِي ، والمخزومي ، عَن ابْن عُيَيْنَة ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن رجل من أهل الْمغرب - يُقَال لَهُ : الْمُغيرَة بن عبد الله بن أبي بردة - : "أنَّ نَاسا من بني مُدْلِج أَتَوا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : يَا رَسُول الله ! إنَّا نركب أَرْمَاثًا فِي الْبَحْر ..." وسَاق الحَدِيث بِمَعْنى حَدِيث مَالك . [1/357] قَالَ أَبُو عمر : هُوَ مُرْسل ، وَيَحْيَى بن سعيد أحفظ من صَفْوَان بن سليم ، وَأثبت من سعيد بن سَلمَة ، وَلَيْسَ إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث مِمَّا تقوم بِهِ عِنْد أهل الْعلم بِالنَّقْلِ حجَّة ؛ لِأَن فِيهِ رجلَيْنِ غير معروفين بِحمْل الْعلم .
وَأَرَادَ أَبُو عمر بِالرجلَيْنِ : سعيدًا والمغيرة ، وَقد تقدَّم رَدُّ جهالتهما ، وَأكْثر مَا بَقِي فِي هَذَا الْوَجْه - بعد اشتهار سعيد والمغيرة - تَقْدِيم إرْسَال الأحفظ ، عَلَى إِسْنَاد من دونه ، فإنَّ يَحْيَى بن سعيد أرْسلهُ من هَذَا الْوَجْه ، وَسَعِيد بن سَلمَة أسْندهُ ، وَهِي مَسْأَلَة مَعْرُوفَة فِي الْأُصُول .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "(شرح) الإِلمام" : وَهَذَا غير قَادِح عَلَى الْمُخْتَار عِنْد أهل الْأُصُول .
قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم ابْن عَسَاكِر - بعد أَن ذكر رِوَايَة من رَوَى عَن الْمُغيرَة بن أبي بردة عَن أَبِيه وَقد جَوَّدَه عبد الله بن يُوسُف ، عَن مَالك ، عَن صَفْوَان ، سمع (الْمُغيرَة) أَبَا هُرَيْرَة .
وَأَيْضًا تقدم رِوَايَة مَالك وَمن تَابعه لعدم الِاضْطِرَاب فِيهَا ، عَلَى رِوَايَة يَحْيَى بن سعيد للِاخْتِلَاف عَلَيْهِ .
الْوَجْه الرَّابِع : التَّعْلِيل بِالِاضْطِرَابِ .
قد تقدم اتِّفَاق رِوَايَة مَالك ، وَيزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي ، والجلاح ، من جِهَة اللَّيْث ، وَعَمْرو بن الْحَارِث .
وَأما ابْن إِسْحَاق : فَرَوَاهُ عَن يزِيد ، عَن جلاح ، عَن عبد الله [1/358] ابن سعيد المَخْزُومِي ، عَن الْمُغيرَة بن أبي بردة ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الدَّارمِيّ فِي "مُسْنده" كَذَلِك بالسند الْمَذْكُور (عَن أبي هُرَيْرَة ) ، قَالَ : " أَتَى (رجال) من بني مُدْلِج إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَقَالُوا) : يَا رَسُول الله ، إنَّا أَصْحَاب هَذَا الْبَحْر ، نعالج الصَّيْد عَلَى رِمْث ، فَنَعْزُب فِيهِ اللَّيْلَة والليلتين وَالثَّلَاث والأربع ، ونحمل مَعنا من العذب لشفاهنا ، فإنْ نَحن توضأنا بِهِ خشينا عَلَى أَنْفُسنَا ، وإنْ نَحن آثرنا بِأَنْفُسِنَا ، وتوضأنا من الْبَحْر ، وجدنَا فِي أَنْفُسنَا من ذَلِك ، فَخَشِينَا أَن لَا يكون طهُورا . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "توضئوا مِنْهُ ، فإنَّه الطَّاهِرُ ماؤُه ، (الحِلُّ) ميتَته " .
وَفِي رِوَايَة عَن ابْن إِسْحَاق : سَلمَة بن سعيد ، عَن الْمُغيرَة بن أبي بردة حَلِيف بني عبد الدَّار ، عَن أبي هُرَيْرَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
قَالَ البُخَارِيّ : وَحَدِيث مَالك أصح .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : اللَّيْث بن سعد أحفظ من مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، وَقد أَقَامَ إِسْنَاده عَن يزِيد بن أبي حبيب ، وَتَابعه عَلَى ذَلِك عَمْرو بن الْحَارِث عَن الجلاح ، فَهُوَ أولَى أَن يكون صَحِيحا ، وَقد رَوَاهُ يزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي ، عَن الْمُغيرَة بن أبي بردة (نَحْو رِوَايَة من رَوَاهُ عَلَى الصِّحَّة .
وَالِاخْتِلَاف عَلَى يَحْيَى بن سعيد فِيهِ كَبِير ، وَقَالَ هشيم عَنهُ فِي [1/359] رِوَايَة : عَن الْمُغيرَة بن أبي [ بَرزَة ]) . وَحمل التِّرْمِذِيّ الْوَهم عَلَى هشيم فِي ذَلِك ، وَحَكَاهُ عَن البُخَارِيّ ، فَقَالَ : وهم فِيهِ هشيم ، إنَّما هُوَ : ابْن أبي بردة ، وَقد رَوَاهُ أَبُو عبيد (عَن) هشيم عَلَى الصَّوَاب ، فقد يكون الْوَهم مِمَّن دونه .
قلت : وَقد جمع الِاخْتِلَاف فِي (إِسْنَاده) الدَّارَقُطْنِيّ فِي " علله " ، فَقَالَ مَا ملخصه : قيل : عَن صَفْوَان ، عَن سعيد بن سَلمَة ، عَن الْمُغيرَة ، عَن أبي هُرَيْرَة . قَالَه مَالك .
وَقيل : عَن سَلمَة بن سعيد - أَو عَكسه - عَن الْمُغيرَة (بِهِ) .
وَقيل : عَن سعيد ، عَن أبي بردة بن عبد الله ، عَن أبي هُرَيْرَة .
وَقيل : عَن صَفْوَان بن سليم مُرْسلا ، عَن أبي هُرَيْرَة .
وَقيل : عَن الْأَوْزَاعِيّ ، عَن عبد الله بن عَامر ، عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَقيل : عَن جلاح ، عَن سعيد ، عَن الْمُغيرَة ، عَن أبي هُرَيْرَة .
وَقيل : (عَن جلاح ، عَن سعيد ، عَن أبي هُرَيْرَة) .
وَقيل : عَن جلاح ، (عَن) الْمُغيرَة ، عَن أبي هُرَيْرَة .
وَقيل : عَن جلاح ، عَن أبي ذَر الْمصْرِيّ ، عَن أبي هُرَيْرَة . [1/360] وَقيل : عَن يزِيد بن مُحَمَّد الْقرشِي ، عَن الْمُغيرَة ، عَن أبي هُرَيْرَة .
وَقيل : عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن الْمُغيرَة ، عَن رجل من بني مُدْلِج ، "أنَّ رجلا أَتَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ..." الحَدِيث .
وَقيل : عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن الْمُغيرَة ، عَن رجل من قومه ، عَن رجل سَأَلَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَقيل : عَن يَحْيَى ، عَن الْمُغيرَة ، عَن أَبِيه ، مَرْفُوعا .
وَقيل : عَن يَحْيَى ، عَن الْمُغيرَة بن عبد الله - أَو عبد الله بن الْمُغيرَة - "أَن نَاسا من بني مُدْلِج سَأَلُوا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ..." الحَدِيث .
وَقيل : عَن يَحْيَى ، عَن عبد الله بن الْمُغيرَة ، عَن أَبِيه ، عَن رجل من بني مُدْلِج ، (اسْمه عبد الله ، مَرْفُوعا . [ وَقيل ] : عَن يَحْيَى عَن الْمُغيرَة بن عبد الله - أَو عبد الله بن الْمُغيرَة - عَن رجل من بني مُدْلِج ، مَرْفُوعا .
وَقيل : عَن يَحْيَى ، عَن عبد الله بن الْمُغيرَة ، عَن أبي بردة مَرْفُوعا .
وَقيل : عَن يَحْيَى ، عَن عبد الله بن الْمُغيرَة ، عَن بعض بني مُدْلِج) مَرْفُوعا . وَهُوَ فِي "مُسْند أَحْمد" .
وَقيل : عَن الْمُغيرَة ، عَن عبد الله المدلجي ، مَرْفُوعا .
وَقيل : عَن جَعْفَر بن ربيعَة ، عَن بكر بن سوَادَة ، عَن مُسلم بن مخشيِّ ، عَن (الفراسيِّ) ، مَرْفُوعا .
(وَقيل : عَن يَحْيَى بن عبَّاد ، عَن أبي سَلمَة ، عَن أبي هُرَيْرَة [1/361] مَرْفُوعا) .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : وأشبهها بِالصَّوَابِ قَول مَالك ، وَمن تَابعه ، عَن صَفْوَان بن سليم
.