الحَدِيث الثَّانِي
" أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأ من بئرِ بضَاعَة " .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، مَشْهُور من حَدِيث أبي سعيد سعد بن مَالك بن سِنَان ، الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، قَالَ : "قيل : يَا رَسُول الله ، أَنَتَوَضَّأُ من بِئْر بضَاعَة - وَهِي بِئْر يُلقى فِيهَا الحِيَضُ ، وَلُحُوم الْكلاب ، والنَّتْنُ ؟ فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إنَّ المَاء طهُور ، لَا يُنَجِّسُه شَيْء " .
رَوَاهُ الْأَئِمَّة ، أهل الْحل وَالْعقد : الشَّافِعِي فِي "الْأُم" ، و "اخْتِلَاف الحَدِيث" ، وَأحمد فِي "الْمسند" ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي "سُنَنهمْ" .
قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن ، وَفِي بعض نسخه : صَحِيح . [1/382] قَالَ : وَقد جَوَّد أَبُو أُسَامَة هَذَا الحَدِيث ، [ لم يَرْوِ أحد ] حَدِيث أبي سعيد فِي بِئْر بضَاعَة أحسن مِمَّا رَوَى أَبُو أُسَامَة ، قَالَ : (وَقد) رُوي هَذَا الحَدِيث من غير وَجه عَن أبي سعيد .
وَقَالَ الإِمام أَحْمد : هَذَا حَدِيث صَحِيح . نَقله الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي "تهذيبه" وَغَيره عَنهُ .
قَالَ النَّوَوِيّ فِي "كَلَامه عَلَى سنَن أبي دَاوُد" : صحَّحه يَحْيَى بن معِين ، وَالْحَاكِم ، وَآخَرُونَ من الْأَئِمَّة الْحفاظ ، وَقَالَ فِي " الْخُلَاصَة " : وَقَوْلهمْ مقدم عَلَى قَول الدَّارَقُطْنِيّ إِن هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِثَابِت .
قلت : كَذَا نَقَل عَن الدَّارَقُطْنِيّ هَذِه القولة أَيْضا ابْن الْجَوْزِيّ فِي " تَحْقِيقه " ، وَلم أَرَها فِي "علله" ، بل ذكر فِي " علله " الِاخْتِلَاف [1/383] فِي إِسْنَاده ، ثمَّ قَالَ : و (أحْسنهَا) إِسْنَادًا : حَدِيث الْوَلِيد بن كثير ، عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ ، عَن عبيد الله بن عبد الله بن رَافع ، عَن أبي سعيد ؛ وَحَدِيث ابْن إِسْحَاق ، عَن عبد الله بن أبي سَلمَة (الْمَاجشون) ، عَن (عُبيد الله) بِهِ ، فَاعْلَم ذَلِك .
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ : تكلَّم فِيهِ بَعضهم ، وَلم يبيِّنه رَحِمَهُ اللَّهُ .
وَقَالَ أَبُو الْحسن (بن) الْقطَّان فِي كتاب " الْوَهم والإِيهام " : أمره إِذا بُين ، تبين مِنْهُ ضعف الحَدِيث لَا حسنه ، وَذَلِكَ أَن مَدَاره عَلَى أبي أُسَامَة ، عَن مُحَمَّد بن كَعْب ، ثمَّ اختُلف عَلَى أبي أُسَامَة فِي الْوَاسِطَة [ الَّتِي ] بَين مُحَمَّد بن كَعْب ، وَأبي سعيد ، فقوم يَقُولُونَ : عبيد الله بن عبد الله بن رَافع بن خديج ، وَقوم يَقُولُونَ : عبد الله بن عبد الله بن رَافع بن خديج . وَله [ طَرِيق ] آخر ، من رِوَايَة : ابْن إِسْحَاق ، عَن سليط بن أَيُّوب .
واختُلف عَلَى ابْن إِسْحَاق فِي الْوَاسِطَة بَين سليط وَأبي سعيد ، فقوم يَقُولُونَ : عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن بن رَافع - قلت : وَنقل أَبُو دَاوُد هَذَا فِي "سنَنه" عَن بَعضهم - وَقوم يَقُولُونَ : عبد الله بن عبد الرَّحْمَن [1/384] ابن رَافع ؛ (وَقوم يَقُولُونَ : عَن عبد الرَّحْمَن بن رَافع) .
فَتحصل فِي هَذَا الرجل - يَعْنِي الرَّاوِي لَهُ عَن أبي سعيد - خَمْسَة أَقْوَال : عبد الله بن (عبد الله) بن رَافع ، وَعبيد الله بن عبد الله بن رَافع ، وَعبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن رَافع ، وَعبد الرَّحْمَن بن رَافع ، وَعبيد الله بن عبد الرَّحْمَن بن رَافع .
وكيفما كَانَ ، فَهُوَ من لَا (تعرف) لَهُ حَال وَلَا عين
، والأسانيد بِمَا ذَكرْنَاهُ فِي كتب الحَدِيث مَعْرُوفَة ، وَقد ذكر البُخَارِيّ فِي "تَارِيخه" الْخلاف الْمَذْكُور مُفَسرًا
.
قَالَ ( ابْن الْقطَّان ) : وَلِحَدِيث بِئْر بضَاعَة (طَرِيق) حسن ، من غير رِوَايَة أبي سعيد ، من رِوَايَة سهل بن سعد .
قَالَ قَاسم بن أصبغ : ثَنَا مُحَمَّد بن وَضَّاح ، ثَنَا أَبُو عَلّي عبد الصَّمد بن أبي سكينَة الْحلَبِي ، بحلب ، نَا عبد الْعَزِيز بن أبي حَازِم ، عَن أَبِيه ، عَن سهل بن سعد : قَالُوا : " يَا رَسُول الله ، (إِنَّك تتوضأ) من بِئْر [1/385] بضَاعَة ، وفيهَا مَا يُنْجِي النَّاس والمحايض ، وَالْجنب ؟ ! فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء " .
قَالَ قَاسم : هَذَا من أحسن شَيْء فِي بِئْر بضَاعَة .
وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الْملك بن أَيمن : ثَنَا ابْن وَضَّاح ... فَذكره - أَيْضا - بِإِسْنَادِهِ وَمَتنه .
وَقَالَ ابْن حزم فِي (كتاب) " الإِيصال " : عبد الصَّمد بن أبي سكينَة ثِقَة مَشْهُور .
وَذكره (المنتجالي) ، وَقَالَ : (إِن) ابْن وضاح لقِيه بحلب . ويُروى عَن سهل بن سعد فِي بِئْر بضَاعَة من طرق ، هَذَا (خَيرهَا) .
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "الإِمام" : أخرج أَبُو عبد الله بن مَنْدَه هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ ، عَن عبيد الله بن عبد الله بن رَافع ، وَقَالَ : هَذَا إِسْنَاد مَشْهُور ، أخرجه أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ ، وَتَركه البُخَارِيّ وَمُسلم لاخْتِلَاف فِي إِسْنَاده . رَوَاهُ ابْن أبي ذِئْب ، عَن الثِّقَة عِنْده ، عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن ، عَن أبي سعيد . ثمَّ ذكر رِوَايَة مطرف [1/386] ابن طريف ، عَن خَالِد بن أبي نوف ، عَن سليط بن أَيُّوب ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ، عَن أَبِيه . وَقَالَ بعد ذَلِك : فإنْ كَانَ عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن بن رَافع هَذَا ، هُوَ الْأنْصَارِيّ الَّذِي رَوَى عَن جَابر بن عبد الله ، فقد (رَوَى) عَنهُ هِشَام بن عُرْوَة ، وَهُوَ رجل مَشْهُور فِي أهل الْمَدِينَة . وَعبد الله بن رَافع بن خديج مَشْهُور ، ( وَعبيد الله ) ابْنه مَجْهُول . فَهَذَا حَدِيث مَعْلُول (بِرِوَايَة) عبيد الله بن عبد الله بن رَافع .
وَقد أخرج الْحَافِظ ، أَبُو مُحَمَّد عبد الْغَنِيّ (بن سعيد) الْمصْرِيّ ، فِي (كتاب) : "إِيضَاح الإِشكال" رِوَايَة مطرف ، عَن خَالِد بن أبي نوف ، عَن سليط ، عَن ابْن أبي سعيد ، عَن أَبِيه قَالَ : "انْتَهَيْت إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يتَوَضَّأ من بِئْر بضَاعَة ، فَقلت : يَا رَسُول الله ، تتوضأ مِنْهَا وَهِي يُلقى فِيهَا مَا يُلقى من النتن ؟ ! فَقَالَ : إنَّ المَاء لَا يُنَجِّسه شَيْء " .
قَالَ الشَّيْخ فِي "الإِمام" : وَفِي رِوَايَة [ ابْن ] إِسْحَاق ، عَن سليط شَيْء آخر ، ذكره أَبُو مُحَمَّد بن أبي حَاتِم فِي "الْمَرَاسِيل" عَن أَبِيه ، قَالَ : مُحَمَّد بن إِسْحَاق بَينه وَبَين سليط رجل .
وَكَلَامه مُحْتَمل لِأَن يكون بَينهمَا رجل فِي حَدِيث بِئْر بضَاعَة ، وَبَين [1/387] أَن يكون بَينهمَا رجل مُطلقًا ، وَالْأَقْرَب إِلَى وضع الْكتاب الْمَذْكُور هُوَ الثَّانِي . اهـ .
قلت : وَالَّذِي يظْهر ، صِحَة الحَدِيث مُطلقًا ، كَمَا صحَّحه الْأَئِمَّة المتقدمون : التِّرْمِذِيّ ، وَأحمد ، وَيَحْيَى بن معِين ، وَالْحَاكِم ، وهم أَئِمَّة هَذَا الْفَنّ والمرجوع إِلَيْهِم .
وتضعيف ابْن الْقطَّان إِيَّاه لجَهَالَة الوسائط بَين سليط بن أَيُّوب وَأبي سعيد ، يُعَارضهُ رِوَايَة سليط عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ، وَلَيْسَت مِمَّا ذكره ، فَلَيْسَ عبد الرَّحْمَن هَذَا مَجْهُولا ، رَوَى لَهُ الْجَمَاعَة إلاَّ البُخَارِيّ .
وَأما قَوْله : إنَّ الْخَمْسَة الَّذين (رَوَوْهُ) عَن أبي سعيد كلهم مَجَاهِيل . فَفِيهِ نظر ؛ لِأَن تَصْحِيح الحفَّاظ الأُوَل لهَذَا الحَدِيث تَوْثِيق مِنْهُم لَهُم ، إِذْ لَا يُظن بِمن دونهم الإِقدام عَلَى تَصْحِيح مَا رِجَاله مَجَاهِيل ؛ لِأَنَّهُ تَدْلِيس فِي (الرِّوَايَة) وغش ، وهم برَاء من ذَلِك .
وَقد وثَّق أَبُو حَاتِم ابْن حبَان ( عبيد الله) بن عبد الله بن رَافع ، وَعبيد الله بن عبد الرَّحْمَن بن رَافع ، وَعقد لَهما ترجمتين فِي "ثقاته " . وهما فِي كتاب البُخَارِيّ وَاحِد ، وَكَذَلِكَ عِنْد (ابْن) أبي حَاتِم ، بل لَعَلَّ الْخَمْسَة الْمَذْكُورين عِنْد ابْن الْقطَّان [ واحدٌ ] عِنْد البُخَارِيّ . [1/388] لَا جرم أَن الْحَافِظ أَبَا مُحَمَّد بن حزم (قَالَ) فِي كِتَابه "المحلَّى شرح المجلَّى " عقب حَدِيث بِئْر بضَاعَة : هَذَا حَدِيث صَحِيح ، جَمِيع رُوَاته معروفون عدُول .
وَقَالَ أَبُو حَاتِم ابْن حبَان فِي "صَحِيحه" - لمَّا ذكر (حَدِيث) عبيد الله بن عبد الرَّحْمَن عَن جَابر رَفعه : "من أَحْيَا أَرضًا ميتَة ، فَلهُ فِيهَا أجر ..." الحَدِيث - : (ذكر) الْخَبَر المدحض قَول من زعم أَن [ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن ] هَذَا مَجْهُول ، لَا يعرف . ثمَّ أخرجه من حَدِيث هِشَام ، عَن (عبد الله) بن عبد الرَّحْمَن بن رَافع بن خديج ، سَمِعت جَابِرا يذكر ... الحَدِيث . وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا فِي كتاب "إحْيَاء الْموَات" حِين يذكر الإِمام الرَّافِعِيّ هَذَا الحَدِيث .
و (إِذْ) قد فَرغْنَا من تَصْحِيح هَذَا (الحَدِيث) ، فَلَا بُد من إِيرَاد ضبط بعض أَلْفَاظه ، وفوائده ، فَنَقُول :
"بضَاعَة" : بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة ، وَيُقَال : بِكَسْرِهَا ، لُغَتَانِ ، حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِي وَغَيره ، وَالضَّم أشهر وأفصح ، وَلم يذكر جمَاعَة [1/389] (سواهُمَا) . ثمَّ قيل : هُوَ اسْم لصَاحب الْبِئْر . وَقيل : اسْم لموضعها . وَهِي بِئْر بِالْمَدِينَةِ ، بَصق رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا ، وبرَّك فِيهَا ، وَتَوَضَّأ فِي دلو وَرَدَّه فِيهَا ، وَكَانَ إِذا مرض مَرِيض يَقُول لَهُ : "اغْتسل بِمَائِهَا" فيغتسل فَكَأَنَّمَا نشط من عقال . وَهِي فِي ديار بني سَاعِدَة مَعْرُوفَة ، وَبهَا مَال من أَمْوَال الْمَدِينَة .
و "الحِيَض" : بِكَسْر الْحَاء وَفتح الْيَاء ، جمع : حِيَضة - بِكَسْر الْحَاء - وَهِي الْخِرْقَة الَّتِي تحشي (بهَا) الْمَرْأَة . وَقد تطلق "الحِيضة" - بِكَسْر الْحَاء - عَلَى الِاسْم من "الحَيضة" بِالْفَتْح .
وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد (و) الدَّارَقُطْنِيّ : "وعَذِر النَّاس" : وَهِي - بِفَتْح الْعين ، وَكسر الذَّال - اسْم جنس للعذرة . وَضبط أَيْضا بِكَسْر الْعين وَفتح الذَّال ، كمعدة ومِعَد ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح ، وَضم الْعين فِيهَا تَصْحِيف .
وَقَوله : "وَمَا يُنْجِي الناسُ" : هُوَ بياء مثناة تَحت مَضْمُومَة ، ثمَّ نون سَاكِنة ، ثمَّ جِيم (مَكْسُورَة) . كَذَا ضَبطه صَاحب "الإِمام" .
ثمَّ قَالَ : و "النَّاس" : بِرَفْع السِّين عَلَى الفاعلية ، يُقَال : أنجى الرجل ، إِذا أحدث ، فَيحْتَمل أَلا يكون فِيهِ حذف وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ - الْمَذْكُورَة "وَعذر النَّاس" - وَيحْتَمل أَن يكون (فِيهِ) حذف عَلَى تَقْدِير : ويُلقى فِيهِ خرق مَا يُنجي النَّاس ، كَمَا قيل فِي المحايض . [1/390] قَالَ الْخطابِيّ وَآخَرُونَ : لم يكن (إِلْقَاء) ذَلِك تعمدًا من آدَمِيّ ، بل كَانَت هَذِه الْبِئْر فِي حَدُور السَّيْل تكسح الأقذار من الأفنية ، فتلقيها فِيهَا ، وَلَا يُؤثر فِي المَاء لكثرته . وَقيل : كَانَت الرّيح تلقي ذَلِك . وَقيل : المُنَافِقُونَ . وَيحْتَمل الرّيح والسيول ، وَأما : المُنَافِقُونَ ، فبعيد ؛ لِأَن الِانْتِفَاع بهَا مُشْتَرك ، مَعَ تَنْزِيه الْمُنَافِقين وَغَيرهم الْمِيَاه فِي الْعَادة .
وَوَقع فِي "الرَّافِعِيّ" : أَن مَاء هَذِه الْبِئْر كَانَ (كَنُقَاعَةِ) الْحِنَّاء . وَهَذَا (غَرِيب) جدًّا ، لم أَرَه بعد الْبَحْث ، وسؤال بعض الْحفاظ عَنهُ ، وَهَذَا الْوَصْف لَا أعلمهُ يلقى إلاَّ فِي صفة الْبِئْر الَّتِي (سُحِر) فِيهَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِي : بِئْر ذروان .
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي "تلبيسه" : "أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأ من غَدِير مَاؤُهُ كنقاعة الْحِنَّاء" .
وَذكرهَا ابْن الرّفْعَة فِي "الْمطلب" ، وَلَعَلَّه أَخذهَا من "كتاب الرَّافِعِيّ" . قَالَ بَعضهم : إنَّها مَوْجُودَة فِي "شرح السنَّة" لِلْبَغوِيِّ ، وراجعته ، فَلم أجد ذَلِك فِيهِ .
وَالَّذِي أعلمهُ فِي صفة (بِئْر) بضَاعَة مَا قَالَه أَبُو دَاوُد فِي "سنَنه" : سَمِعت قُتَيْبَة بن سعيد يَقُول : سَأَلت قَيِّمَ بِئْر بضَاعَة عَن [1/391] عمقها ، قَالَ : أَكثر مَا يكون فِيهَا المَاء إِلَى الْعَانَة . قلت : فَإِذا نقص ؟ قَالَ : دون الْعَوْرَة . قَالَ أَبُو دَاوُد : وقَدَّرتُ بِئْر بضَاعَة بردائي ، مددته عَلَيْهَا ثمَّ ذرعته فَإِذا عرضهَا سِتَّة أَذْرع ، وَسَأَلت الَّذِي فتح لي بَاب الْبُسْتَان فأَدخلني إِلَيْهِ : هَل غُيِّر بنيانها عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ : لَا . وَرَأَيْت فِيهَا مَاء متغير اللَّوْن .
وَقَالَ الإِمَام الشَّافِعِي - كَمَا نَقله عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "الْمعرفَة" و "السّنَن" - : بِئْر بضَاعَة كَثِيرَة المَاء وَاسِعَة ، وَكَانَ يُطرح فِيهَا من الأنجاس مَا لَا يُغير لَهَا لونًا ، وَلَا طعمًا ، وَلَا يظْهر لَهُ (فِيهَا) ريح ، فَقيل للنَّبِي صلى الله عليه وسلم (: تتوضأ من بِئْر بضَاعَة ، وَهِي يُطرح فِيهَا كَذَا وَكَذَا ؟ فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مجيبًا : "المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء" . يَعْنِي : فِي المَاء مثلهَا .
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يُعْلَمَ : أَن بِئْر بضَاعَة كَانَت واقفةً ، وأمَّا مَا قَالَه الْوَاقِدِيّ وَغَيره : أنَّ هَذِه الْبِئْر كَانَ يُسْقَى مِنْهَا الزَّرْع و (الْبَسَاتِين) . وَقَول بَعضهم : إِنَّهَا كَانَت جَارِيَة . فغلط ؛ لِأَن الْعلمَاء ضبطوا بِئْر بضَاعَة ، وعرَّفوها فِي كتب مَكَّة وَالْمَدينَة ، وَأَن المَاء لم يكن يجْرِي ، والواقدي لَا يحْتَج بِرِوَايَاتِهِ الْمُتَّصِلَة ، فَكيف بِمَا يُرْسِلهُ أَو يَقُوله عَن نَفسه ؟ وَعَلَى تَقْدِير صِحَة ذَلِك ، فَيكون مَعْنَاهُ : أَنه يُسْقَى مِنْهَا بالدلو والناضح ، عملا بِمَا نَقله الْأَثْبَات فِي صفتهَا .
وَالْمرَاد "بالعورة" فِي كَلَام (قَيِّم) الْبِئْر : الْفرج ، يَعْنِي : دون الْفرج بِقَلِيل . وَكَأَنَّهَا كَانَت تنقص شبْرًا أَو نَحوه ، وإنَّما قدرهَا أَبُو دَاوُد [1/392] بردائه ، وَسَأَلَ عَنْهَا قُتَيْبَة ، ليعلم أَنَّهَا كَبِيرَة جدًّا .
وَالْمَقْصُود : أَن بعض الْأَئِمَّة يَقُول : إِذا كَانَ المَاء غير جارٍ ، وَوَقعت فِيهِ نَجَاسَة ، فَإِن كَانَ بِحَيْثُ لَو حُرِّك أحد طَرفَيْهِ تَحرَّك الآخر فَهُوَ نجس كُله ، وإلاَّ فطاهر . وَهَذِه الْبِئْر كَانَت دون هَذَا ، فمعلوم أَنَّهَا إِذا حرَّك أحد طرفيها ، تَحرَّك الآخر ، وَقد صَحَّ أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأ مِنْهَا ، وَكَانَت النَّجَاسَات تقع فِيهَا ، فَهَذَا يردُّ مَذْهَب هَذَا الإِمام . هَذَا مَقْصُود قُتَيْبَة وَأبي دَاوُد بِمَا ذكرَاهُ وَلِهَذَا قَالَ : سَأَلت الَّذِي فتح لي الْبَاب : هَل غُيِّر بناؤها عمَّا كَانَ فِي زمن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالَ : لَا .
وَقَوله : رَأَيْت فِيهَا مَاء متغير اللَّوْن . هَذَا التَّغَيُّر كَانَ بطول الْمكْث أَو نَحوه ، أَو من أَصْلهَا ، لَا بِنَجَاسَة ، ثمَّ إنَّ هَذِه صفة مَائِهَا فِي زمن أبي دَاوُد ، وَلَا يلْزم مِنْهُ أَن تكون صفتهَا كَذَلِك فِي زمن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَلَعَلَّه) قلَّ اسْتِعْمَالهَا ، فَتغير مَاؤُهَا .
وَاعْلَم : أَن هَذَا الحَدِيث عَام مَخْصُوص ، خُصَّ مِنْهُ الْمُتَغَيّر بِنَجَاسَة ، فإنَّه ينجس بالإِجماع ، وَخص مِنْهُ أَيْضا : مَا دون الْقلَّتَيْنِ إِذا لاقته نَجَاسَة ، عَلَى قَول الشَّافِعِي وَأحمد وكثيرين ، وَقَالَ مَالك وَآخَرُونَ (بِعُمُومِهِ) ، فَالْمُرَاد : المَاء الْكثير الَّذِي لم تغيره نَجَاسَة لَا يُنجسهُ شَيْء ، وَهَذِه كَانَت صفة بِئْر بضَاعَة .
وَهَذَا الحَدِيث لَا يُخَالف حَدِيث الْقلَّتَيْنِ الْآتِي ؛ لِأَن ماءها كَانَ كثيرا ، لَا يُغَيِّره وُقُوع هَذِه الْأَشْيَاء فِيهِ .
وَقَوله : "أَتَتَوَضَّأُ" هُوَ بتاءين مثناتين من فَوق ، خطابٌ للنَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَمَا وَقع مُصَرحًا بِهِ فِي رِوَايَة قَاسم بن أصبغ الْمُتَقَدّمَة ، قَالُوا : "يَا رَسُول [1/393] الله ، إِنَّك تتوضأ من بِئْر بضَاعَة" . وَفِي رِوَايَة ابْن مَنْدَه الْمُتَقَدّمَة أَيْضا : "انْتَهَيْت إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يتَوَضَّأ من بِئْر بضَاعَة" . وَكَذَلِكَ جَاءَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة الشَّافِعِي "قيل : يَا رَسُول الله ، أتتوضأ من بِئْر بضَاعَة" . وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ : "مَرَرْت بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يتَوَضَّأ من بِئْر بضَاعَة ، فَقلت : يَا رَسُول الله ، أتتوضأ مِنْهَا ، وَهِي يُطرح فِيهَا ..." الحَدِيث ، وَأول من نَبَّه عَلَى هَذَا الضَّبْط : النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَتَبعهُ شَيخنَا فتح الدَّين بن سيد النَّاس فِي "شرح التِّرْمِذِيّ" . قَالَ النَّوَوِيّ : إنَّما ضبطت كَونه بِالتَّاءِ لئلا يُصَحَّف ، فَيُقَال : "أَنَتَوَضَّأُ" بالنُّون . قَالَ : وَقد رَأَيْت من صحَّفه ، واستبعد كَون النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتَوَضَّأ مِنْهَا قَالَ : وَهَذَا غلط فَاحش . لما ذَكرْنَاهُ .
قلت : و (مِمَّا) يَنْبَغِي أَن (يُنتبه لَهُ) أَن النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ فِي "شرح الْمُهَذّب" : أخرج هَذَا الحَدِيث من أخرج الأول - يَعْنِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة - وَهَذِه الْعبارَة تَقْتَضِي كَونه فِي "الْمُوَطَّأ" ، فإنَّ الأول عزاهُ إِلَى "الْمُوَطَّأ" وَهَذَا الحَدِيث لَا يُوجد فِي موطأ من الموطآت المرويَّة عَن الإِمام مَالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - بل لم يعزه أحد من مصنفي الْأَحْكَام إِلَيْهِ .
وَقد يُجاب عَن النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : بِأَنَّهُ أَرَادَ بقوله : أخرجه من أخرج الأول : الْمُعظم . وَلَا يخْفَى مَا فِي هَذَا الْجَواب
.