|
الحَدِيث الثَّانِي أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " أُحِلَّت لنا ميتَتَانِ وَدَمَان : السمكُ والجرادُ ، والكبدُ وَالطحَال " . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْأَئِمَّة : الشَّافِعِي ، وَأحمد فِي "مسنديهما" ، وَابْن مَاجَه ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي "سُنَنهمْ" . من رِوَايَة : عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ : وَرَوَاهُ سُلَيْمَان بن بِلَال ، عَن زيد بن أسلم ، عَن عبد الله بن عمر ، أَنه قَالَ : "أحلّت لنا ميتَتَانِ وَدَمَانِ ..." الْخَبَر . قَالَا : وَهُوَ الْأَصَح . يَعْنِي : أَن الْقَائِل : "أحلّت لنا ميتَتَانِ وَدَمَانِ" ، هُوَ ابْن عمر ؛ لِأَن الرِّوَايَة الأولَى - وَهِي رِوَايَة الْمَرْفُوع - ضَعِيفَة جدًّا ، لأجل عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم ، فإنَّه ضَعِيف بِاتِّفَاق [1/449] الْحفاظ ، ضعفه الإِمام أَحْمد ، وَعلي ابن الْمَدِينِيّ ، حتَّى قَالَ : لَيْسَ فِي ولد زيد بن أسلم ثِقَة . وَأَبُو دَاوُد ، وَأَبُو زرْعَة ، وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ و ( النَّسَائِيّ ) ، وَالدَّارَقُطْنِيّ . وَقَالَ يَحْيَى بن معِين : بَنو زيد بن أسلم لَيْسُوا بِشَيْء . وَقَالَ الشَّافِعِي : سَأَلَ رجل عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم : حَدَّثك أَبوك عَن أَبِيه : أنَّ سفينة نوح طافت بِالْبَيْتِ ، وَصَلى خلف الْمقَام ؟ قَالَ : نعم . وَقَالَ الشَّافِعِي : ذُكِرَ لمَالِك حَدِيث ، فَقَالَ : من حَدَّثك ؟ فَذكر لَهُ إِسْنَادًا مُنْقَطِعًا ، فَقَالَ : اذْهَبْ إِلَى عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم ، يحدِّثك عَن أَبِيه ، عَن نوح - عَلَيْهِ السَّلَام - وَقَالَ ابْن حبَان : كَانَ يقلب الْأَخْبَار وَهُوَ لَا يعلم ، حتَّى كَثُر ذَلِك فِي رِوَايَته ، من رفع الْمَرَاسِيل ، وَإسْنَاد الْمَوْقُوف ، فَاسْتحقَّ التّرْك . وَقَالَ الذَّهَبِيّ : ضَعَّفه الْجُمْهُور . قلت : وَأخرج الْحَاكِم فِي " مُسْتَدْركه " حَدِيثا فِي مَنَاقِب سيدنَا [1/450] رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيه عبد الرَّحْمَن هَذَا ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الإِسناد ، وَفِي ذَلِك نظر ، لما عَلمته من أَقْوَالهم فِيهِ . قَالَ الْعقيلِيّ فِي " تَارِيخه " : قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل : رَوَى حَدِيثا مُنْكرا : أُحِلَّت لنا ميتَتَانِ وَدَمَانِ . يَعْنِي الإِمام أَحْمد : الرِّوَايَة الأولَى ، وَأما الثَّانِيَة : فَهِيَ أصحّ مِنْهَا ، كَمَا ذكره الدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ ، وَأَبُو زرْعَة الرَّازِيّ ، فإنَّ ابْن أبي حَاتِم نقل فِي " علله " أَنه قَالَ : الْمَوْقُوف أصح . كَمَا قَالَاه . (مَعَ) أَن ابْن عدي فِي " كَامِله " قَالَ : رَوَاهُ يَحْيَى بن حَسَّان ، عَن سُلَيْمَان بن بِلَال مَرْفُوعا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقد رفع هَذَا الحَدِيث أولادُ زيد عَن أَبِيهِم ، وهم : عبد الله ، وَأُسَامَة ، وَعبد الرَّحْمَن بَنو زيد بن أسلم ، عَن أَبِيهِم ، عَن ابْن عمر ، قَالَ : وَأَوْلَاد زيد كلهم ضعفاء ، جرحهم يَحْيَى بن معِين ، [1/451] وَكَانَ أَحْمد بن حَنْبَل ، وَعلي ابن الْمَدِينِيّ يوثقان عبد الله بن زيد ، إلاَّ أَن الصَّحِيح من هَذَا الحَدِيث هُوَ الأول ، يَعْنِي : الْمَوْقُوف الَّذِي قدمه . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ابْن الصّلاح فِي " كَلَامه عَلَى الْوَسِيط " : هَذَا الحَدِيث ضَعِيف عِنْد أهل الحَدِيث ، غير أَنه متماسك . قَالَ : وَأَوْلَاد زيد ، وإنْ كَانُوا قد ضُعِّفوا ثَلَاثَتهمْ ، فعبد الله مِنْهُم : قد وثَّقه أَحْمد ، وَعلي ابن الْمَدِينِيّ . قَالَ : وَفِي اجْتِمَاعهم عَلَى رَفعه مَا يقويه تَقْوِيَة صَالِحَة . قلت : وجنح الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي " الإِمام " إِلَى تَصْحِيح الرِّوَايَة المرفوعة من طَرِيق عبد الله بن زيد ، فإنَّه قَالَ - عقب قَول الْبَيْهَقِيّ : إِن أَحْمد بن حَنْبَل (و) عَلّي ابن الْمَدِينِيّ كَانَا يوثِّقان عبد الله بن زيد ، إِلَى آخِره - : إِذا كَانَ عبد الله عَلَى مَا قَالَاه ، فَيدْخل حَدِيثه فِيمَا رَفعه الثِّقَة ، وَوَقفه غَيره ، (قَالَ) وَقد عُرِف مَا فِيهِ عِنْد الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاء . يَعْنِي : والأصحّ تَقْدِيم مَا رَوَاهُ (الرافع) ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَة ، وَهِي من الثِّقَة مَقْبُولَة . (قَالَ) : لا سيما وَقد تَابعه عَلَى ذَلِك أَخَوَاهُ . أَي : فَلَا يُسَلَّم أَن الصَّحِيح الأول كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ ، (فَتكون هَذِه الطَّرِيقَة حَسَنَة ، مَعَ أَن الرِّوَايَة الْأُخْرَى يحسن الِاسْتِدْلَال بهَا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ) : هِيَ فِي مَعْنَى الْمسند . قلت : (لِأَن) قَول الصَّحَابِيّ : "أمرنَا بِكَذَا" ، "ونهينا عَن كَذَا" ، "وأحلَّ كَذَا" ، "وحُرِّم كَذَا" : مَرْفُوع إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (عَلَى الْمُخْتَار) عِنْد [1/452] جُمْهُور الْفُقَهَاء ، والأصوليين ، والمحدثين . لَا جرم أَن الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ابْن الصّلاح ، وَالشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ قَالَا : يحصل الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الرِّوَايَة ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْمَرْفُوع . وَلِهَذَا الحَدِيث طَريقَة (ضَعِيفَة) جدًّا ، غَرِيبَة ، لَا بَأْس بالتنبيه عَلَيْهَا ، وَهِي : عَن الْمسور بن الصَّلْت ، عَن زيد بن أسلم ، عَن عَطاء بن يسَار ، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ، مَرْفُوعا كَمَا تقدم . قَالَ الدارقطني : لَا يصحّ ؛ لِأَن الْمسور كَانَ ضَعِيفا . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، فقد (كَذًَّبه) أَحْمد . وَقَالَ ابْن حبَان : يروي عَن الثِّقَات الموضوعات ، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ .
|