الحَدِيث السَّادِس
" سُئِلَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أفضلت الحُمُر ؟ قَالَ : نعم ، وَبِمَا أفضلت السِبَاعُ كُلُّها " .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي "الْأُم" عَن إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى ، عَن دَاوُد بن الْحصين ، عَن أَبِيه ، عَن جَابر بن عبد الله ، (قَالَ) : "قيل : يَا رَسُول الله ، أَنَتَوَضَّأُ ..." الحَدِيث ، كَمَا ذكر المُصَنّف .
وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي "مُسْنده" عَن سعيد بن سَالم - وَهُوَ القَدَّاح - [1/468] (عَن) (ابْن) أبي حَبِيبَة - أَو ابْن حَبِيبَة - عَن دَاوُد بن الْحصين ، عَن جَابر بِهِ . وَهَذَا الشَّك فِي أَنه (ابْن) أبي حَبِيبَة أَو ابْن حَبِيبَة ، شكٌ من الرّبيع ، كَمَا رَوَاهُ الْأَصَم ، وَالرجل هُوَ : ابْن أبي حَبِيبَة بِلَا شكّ . وَقد رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَن النَّيْسَابُورِي عَن الرّبيع ، فَقَالَ : ابْن (أبي) حَبِيبَة بِلَا شكّ ، لَكِن لَفظه : " أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأ بِمَا أفضلت السبَاع " .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ - بعد أَن أخرجه من طَرِيق الشَّافِعِي الأولَى - : وَفِي غير روايتنا ، قَالَ الشَّافِعِي : وأُخْبِرنا عَن ابْن أبي ذِئْب ، عَن دَاوُد بن الْحصين بِمثلِهِ . وَحَاصِل مَا يُعلَّل بِهِ هَذَا الحَدِيث وَجْهَان :
أَحدهمَا : الِاخْتِلَاف فِي إِسْنَاده ، حَيْثُ رُوِيَ عَن دَاوُد بن الْحصين ، عَن جَابر ، وَعَن دَاوُد عَن أَبِيه ، عَن جَابر كَذَلِك .
رَوَاهُ جماعات : الزَّعْفَرَانِي ، وَالربيع عَن الشَّافِعِي ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الشَّافِعِي وَعبد الرَّزَّاق ، عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد ، عَن دَاوُد بن الْحصين ، وَابْن أبي ذِئْب عَن دَاوُد . [1/469] قَالَ الإِمام الرَّافِعِيّ فِي " شرح الْمسند " : فَيُشبه أَن تكون الرِّوَايَة الأولَى مُرْسلَة ، (قَالَ) : وَيدل عَلَيْهِ أَنهم لم يذكرُوا فِي تَعْرِيف دَاوُد بن الْحصين رِوَايَته عَن جَابر ، ولا غيره من الصَّحَابَة . (وَذكر هَذَا التَّعْلِيل الإِمام أَبُو الْقَاسِم الرَّافِعِيّ فِي "شرح الْمسند") ، وَهُوَ تَعْلِيل لَا يقْدَح ؛ لِأَن الحَدِيث رُوي من طَرِيقين ، إِحْدَاهمَا مَقْطُوعَة ، وَالْأُخْرَى مُتَّصِلَة ، وَالْحكم للمتصلة
.
الْوَجْه الثَّانِي : أَن فِي إِسْنَاده جمَاعَة تُكُلِّم فيهم :
أَوَّلهمْ : إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى ، وَالْجُمْهُور عَلَى تَضْعِيفه ، كَمَا مر فِي الْبَاب قبله ، وصَرَّح ابْن عدي بِأَن الْبلَاء فِي هَذَا الحَدِيث مِنْهُ ، وَقَالَ فِي تَرْجَمَة ابْن أبي يَحْيَى : كَأَنَّهُ أُتِي من قِبَل شَيْخه - يَعْنِي دَاوُد بن الْحصين - (لَا من قبله . فَاخْتلف كَلَامه) .
وثانيهم : سعيد بن سَالم القَدَّاح . أدخلهُ البُخَارِيّ فِي كتاب " الضُّعَفَاء " وَقَالَ : إنَّه يُرمى بالإِرجاء . وَقَالَ عُثْمَان بن سعيد : لَيْسَ هُوَ بِذَاكَ . وَقَالَ يَحْيَى بن معِين : ثِقَة . وَقَالَ مرّة : لَيْسَ بِهِ بَأْس . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : مَحَله الصدْق . وَقَالَ ابْن عدي : هُوَ عِنْدِي صَدُوق . [1/470] وثالثهم : إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن أبي حَبِيبَة الأشْهَلِي الْمدنِي . قَالَ البُخَارِيّ : عِنْده مَنَاكِير . وَقَالَ ( النَّسَائِيّ ) : ضَعِيف . وَقَالَ أَحْمد : ثِقَة . وَقَالَ يَحْيَى بن معِين مرّة : صَالح الحَدِيث . وَمرَّة قَالَ : لَيْسَ بِهِ بَأْس . وَمرَّة قَالَ : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ ابْن عدي : هُوَ صَالح فِي بَاب الرِّوَايَة يكْتب حَدِيثه مَعَ ضعفه . (وَقَالَ) [ مُحَمَّد بن سعد كَاتب الْوَاقِدِيّ ] : كَانَ مصليًّا عابدًا ، صَامَ سِتِّينَ سنة ، وَكَانَ قَلِيل الحَدِيث . وأَعَلَّه الإِمام أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ بِوَجْه ثَالِث ، فَقَالَ فِي كِتَابه " التَّحْقِيق " : دَاوُد بن الْحصين قَالَ فِيهِ ابْن حبَان : إِنَّه حَدَّث عَن الثِّقَات بِمَا (لَا) يشبه حَدِيث الْأَثْبَات ، يجب مجانبة رِوَايَته .
قلت : هَذَا الْوَجْه لَيْسَ بِشَيْء ، فإنَّ دَاوُد بن الْحصين ، وإنْ كَانَ تَكَلَّم فِيهِ ابْن حبَان وَغَيره ، فإنَّه ثِقَة مَشْهُور ، رَوَى لَهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي "صَحِيحَيْهِمَا" عَلَى سَبِيل الِاحْتِجَاج بِهِ ، وَرَوَى عَنهُ الإِمام مَالك ، وَقد عُلِمَ شدَّة تحرِّيه فِي الرِّجَال ، وَلأَجل ذَلِك قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : لَوْلَا أنَّ مَالِكًا (رَوَى عَنهُ) لتُرك حَدِيثه . ووثَّقه يَحْيَى بن معِين وَغَيره . وَقَالَ ( النَّسَائِيّ ) (وَغَيره) : لَيْسَ بِهِ بَأْس . وَقَالَ ابْن عدي : إِذا رَوَى عَنهُ [1/471] ثِقَة فَهُوَ صَالح الرِّوَايَة ، إلاَّ أَن يروي عَنهُ ضَعِيف ، فَيكون الْبلَاء مِنْهُ ، مثل : ابْن أبي (حَبِيبَة) ، وَإِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى . مَعَ أَن ابْن حبَان ذكره فِي كتاب "الثِّقَات" لَكِن رَمَاه بِأَنَّهُ (كَانَ) يذهب مَذْهَب الشراة - يَعْنِي الْخَوَارِج - لَكِن لم يكن دَاعِيَة حَتَّى يُجْتَنَب مَا رَوَاهُ
.
قلت : ووالد دَاوُد ضَعَّفه أَبُو حَاتِم وَغَيره . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " الْمعرفَة " : هَذَا الحَدِيث إِذا ضُمَّت أسانيده بَعْضهَا إِلَى بعض أخذت قُوَّة . قَالَ : وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيث أبي قَتَادَة ، وَإِسْنَاده صَحِيح ، والاعتماد عَلَيْهِ .