الحَدِيث التَّاسِع
" أَن أمَّ أَيمن شربت بَوْل رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إذنْ لَا تلج النَّار بَطْنك " . وَلم يُنكر النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهَا .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي "الْمُسْتَدْرك" ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" . وَقَالَ فِي " علله " : إنَّه مُضْطَرب ، وأنَّ الِاضْطِرَاب جَاءَ من جِهَة أبي مَالك النَّخعِيّ رَاوِيه ، وَأَنه ضَعِيف . وَقَالَ ابْن دحْيَة فِي كتاب "الْآيَات البَيَّنات" : رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن (الْعدْل) ابْن جريج ، قَالَ : " أُخبرت أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبُول فِي قدح من عَيْدان ، ثمَّ يوضع تَحت [1/482] سَرِيره ، (قَالَ : فَوُضِعَ تَحت سَرِيره) ، فجَاء (فأراده) فَإِذا الْقدح لَيْسَ فِيهِ شَيْء ، فَقَالَ لامْرَأَة يُقَال لَهَا : بركَة - [ كَانَت تخْدم لأم حَبِيبَة ] ، جَاءَت مَعهَا من أَرض الْحَبَشَة - : أَيْن الْبَوْل الَّذِي كَانَ فِي الْقدح ؟ قَالَت : شربته . قَالَ : صِحَة يَا أم يُوسُف - وَكَانَت تُكَنَّى أم يُوسُف - فَمَا مَرضَت قطّ ، حتَّى كَانَ مَرضهَا الَّذِي مَاتَت فِيهِ " .
قَالَ ابْن دحْيَة : إنْ كَانَ عبد الرَّزَّاق قَالَ : أُخبرت ، فقد أسْندهُ يَحْيَى بن معِين ، عَن حجاج ، عَن ابْن جريج ، عَن حكيمة ، عَن أمهَا أُمَيْمَة .
قَالَ : وَفِي "الطَّبَرَانِيّ" عَن ابْن شهَاب ، قَالَ : "كَانَت أم أَيمن - أم أُسَامَة - من الْحَبَشَة ، حاضنة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَامَتْ لَيْلًا وَهِي عَطْشَانَة بَعْدَمَا بَال عَلَيْهِ السَّلَام فِي فَخَّارة ..." الحَدِيث .
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "الإِمام" : رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث (أبي) مَالك النَّخعِيّ ، عَن الْأسود بن قيس ، عَن نُبَيْح الْعَنزي ، عَن أم أَيمن ، قَالَت : " قَامَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من اللَّيْل إِلَى فَخَّارة فِي جَانب الْبَيْت ، [1/483] فَبَال فِيهَا ، فَقُمْت من اللَّيْل ، (وَأَنا عَطْشَانَة) فَشَرِبت مَا فِيهَا ، وَأَنا لَا أشعر ، فَلَمَّا أصبح النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يَا أم أَيمن ، قومِي فأهريقي مَا فِي تِلْكَ الفخارة . (قلت) قد وَالله شَرِبْتُ مَا فِيهَا . قَالَت : فَضَحِك رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتَّى بَدَت نَوَاجِذه ، ثمَّ قَالَ : أما إنَّه - (وَالله) - لَا (يَيجَعَنَّ) بَطْنك أبدا " .
وَكَذَا رَأَيْته (أَنا) فِي "أكبر معاجمه" .
قَالَ الشَّيْخ أَبُو مَالك (النَّخعِيّ) : ضعَّفه الرازيان ، أَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة . وَقَالَ يَحْيَى : لَيْسَ بِشَيْء .
وَالْأسود بن قيس : ثِقَة ، وثَّقه يَحْيَى ، وَأَبُو حَاتِم .
ونبيح الْعَنزي : سُئِلَ أَبُو زرْعَة عَنهُ ، فَقَالَ : كُوفِي ثِقَة ، لم يرو عَنهُ غير الْأسود بن قيس .
قَالَ : وَيَنْبَغِي أَن يُنْظَر فِي اتِّصَال هَذَا الإِسناد فِيمَا (بَين) نُبيح وَأم أَيمن ، فإنَّهم اخْتلفُوا فِي وَقت وفاتها ، فروَى الطَّبَرَانِيّ عَن الزُّهْرِيّ : أَنَّهَا توفَّيَتْ بعد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَمْسَة أشهر . [1/484] قلت : وَقيل سنة . (حَكَاهُ ابْن الْأَثِير . وَقَالَ الْوَاقِدِيّ : توفيت) فِي خلَافَة عُثْمَان . وَهُوَ شَاذ .
(وَقَالَ الشَّيْخ ) : وَرُوِيَ فِي الحَدِيث : أَنَّهَا عاشت بعد عمر بن الْخطاب . وَقَالَت يَوْم قَتله : الْيَوْم وَهَى الإِسلام .
قَالَ : فإنْ كَانَ الْأَمر عَلَى مَا نَقَل الزُّهْرِيّ ، فَلم يُدْرِكهَا نُبيح ، وإنْ كَانَ الآخر ، (فيُنظر) فِي ذَلِك
.
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى " الْوَسِيط " - عِنْد قَول حجَّة الإِسلام فِيهِ : رُوي "أَن (أم) أَيمن شربَتْ بَوْل النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلم يُنكر عَلَيْهَا ، وَقَالَ : إِذا لَا تلج النَّار بَطْنك" : هَذَا حَدِيث ورد متلوِّنًا ألوانًا ، وَلم يخرج فِي الْكتب (الْأُصُول) ، فَروِيَ بإسنادٍ جيدٍ ، عَن حكيمة بنت أُمَيْمَة بنت (رقيقَة) " أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبُول فِي قدح من [1/485] عيدَان ، وَيُوضَع تَحت السرير ، فَبَال فِيهِ لَيْلَة ، فَوضع تَحت السرير ، فجَاء فَإِذا الْقدح لَيْسَ (فِيهِ شَيْء) ، فَقَالَ لامْرَأَة يُقَال لَهَا بركَة كَانَت تخدمه ، لأم حَبِيبَة ، جَاءَت مَعهَا من أَرض الْحَبَشَة : "الْبَوْل الَّذِي كَانَ فِي الْقدح ، مَا فعل ؟ قَالَت : شربته يَا رَسُول الله" . زَاد بَعضهم ، "فَقَالَت : قُمْت وَأَنا عَطْشَانَة فَشَربته ، وَأَنا لَا أعلم " . وَفِي رِوَايَة لأبي عبد الله بن مَنْدَه الْحَافِظ : "لقد احتظرت من النَّار بحظار" فَهَذَا الْقدر مِنْهُ اتّفقت عَلَيْهِ الرِّوَايَات ، وَأما مَا اضْطَرَبَتْ فِيهِ مِنْهُ ، فالاضطراب مَانع من تَصْحِيحه .
قلت : وَأمر آخر ، وَهُوَ : جَهَالَة حكيمة بنت أُمَيْمَة ، فإنَّه لَا يُعرف لَهَا حَال .
قَالَ : وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ أَن حَدِيث الْمَرْأَة الَّتِي شربت بَوْله صَحِيح .
قلت : لَعَلَّه قَالَه تبعا لعبد الْحق ، حَيْثُ قَالَ : وَمِمَّا يلْحق بِالصَّحِيحِ - عَلَى مَا قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ - حَدِيث [ أُمَيْمَة بنت رقيقَة ] : "كَانَ للنَّبِي صلى الله عليه وسلم (قدح من عيدَان تَحت سَرِيره يَبُول فِيهِ" .
وَاعْترض عَلَيْهِ ابْن الْقطَّان ، بِأَن قَالَ : لَمْ (يقْض) عَلَيْهِ الدَّارَقُطْنِيّ بِصِحَّة ، وَلَا يَصح لَهُ ذَلِك ، إِنَّمَا ذكر أَنَّهَا فِيمَن يلْزم الشَّيْخَيْنِ إِخْرَاج حَدِيثهَا ، وَلم ينصّ فِي "حكيمة" بتعديل وَلَا تجريح ، فَالْحَدِيث [1/486] مُتَوَقف الصِّحَّة عَلَى الْعلم بِحَال حكيمة ، فإنْ ثَبت ثقتها ثبتَتْ رِوَايَتهَا ، وَهِي لم تثبت ، واعتماد الدَّارَقُطْنِيّ فِي ذَلِك غير كَاف .
قلت : قد ذكرهَا ابْن حبَان فِي " ثقاته " ، فثبتت وَالْحَمْد
.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين (قَالَ) : وَرَوَى أَبُو نعيم الْحَافِظ فِي كِتَابه "حلية الْأَوْلِيَاء" من حَدِيث الْحسن بن سُفْيَان , صَاحب الْمسند بِإِسْنَاد ، عَن أم أَيمن قَالَت : " بَات رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْبَيْت ، (فَقَامَ) من اللَّيْل ، فَبَال فِي فَخَّارة ، فَقُمْتُ وَأَنا عطشى لم أشعر مَا فِي الفَخَّارة ، فَشَرِبت مَا فِيهَا ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ لي : يَا أم أَيمن ، أريقي مَا فِي الفخارة . قلت : وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ شربتُ مَا فِيهَا ، فَضَحِك رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتَّى بَدَت نَوَاجِذه ، ثمَّ قَالَ : إنَّه لَا [ يَيْجَعَنَّ ] بَطْنك بعده أبدا " .
قلت : وَهَذَا اللَّفْظ هُوَ لفظ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي "الْمُسْتَدْرك" فِي ترجمتها ، لَكِن بِإِسْنَاد الطَّبَرَانِيّ الْمُتَقَدّم سَوَاء .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ابْن الصّلاح : فالاستدلال بذلك إِذا يحْتَاج إِلَى أَن يُقال فِيهِ : لم يأمرها النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (بِغسْل) (فمها) ، وَلَا نهاها عَن عودة . [1/487] قَالَ : وَكَون الْمَرْأَة أم أَيمن ، مولاة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد يُظنُّ من حَيْثُ أَن اسْمهَا بركَة ، وَفِي الحَدِيث تَسْمِيَة الْمَرْأَة الشاربة : بركَة ، وَلَا يثبت ذَلِك بذلك ، فإنَّ فِي الصحابيات أُخرى اسْمهَا بركَة بنت يسَار مولاة أبي سُفْيَان بن حَرْب ، هاجَرَتْ إِلَى أَرض الْحَبَشَة ، وَمَا فِي الحَدِيث من نسبتها إِلَى أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان يدل عَلَى أَنَّهَا بنت يسَار .
قَالَ : وَيجوز فِي قَوْله : "النَّار" النصب ، مَعَ الرّفْع فِي قَوْله "بَطْنك" ، وَيجوز الْعَكْس .
قلت : حَكَى ابْن الْأَثِير خلافًا فِي أنَّ أم أَيمن ، بركَة مولاة رَسُول الله وحاضنته ، (هِيَ) الَّتِي شَرِبَتْ بَوْله ، أَو بركَة جَارِيَة أم حَبِيبَة .
(وبالأول جزم) أَبُو نعيم فِي "معرفَة الصَّحَابَة" فِي ترجمتها .
وَذكر الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" من طَرِيقين ، أنَّ الَّذِي شربه (برة) خَادِم أم سَلمَة ، بعد أَن عقد ترجمتها ، وَهُوَ غَرِيب .
وَقَالَ ابْن عبد الْبر : لَعَلَّ بركَة هَذِه - يَعْنِي الْمُتَقَدّمَة - أم أَيمن .
قَالَ ابْن دحْيَة فِي كِتَابه "الْآيَات الْبَينَات" : لَيْسَ كَذَلِك ، إِنَّمَا هِيَ بركَة بنت يسَار ، مولاة أبي سُفْيَان بن صَخْر بن حَرْب ، هَاجَرت إِلَى [1/488] أَرض الْحَبَشَة مَعَ زَوجهَا قيس بن عبد الله الْأَسدي .
قَالَ : وَالْعجب من ابْن عبد الْبر ، (حَيْثُ) ذَكَرَها مَعَ زَوجهَا فِي حرف الْقَاف ، ثمَّ شكَّ الْآن فِيهَا وظنَّها أم أَيمن ، وَأم أَيمن : هِيَ بركَة بنت ثَعْلَبَة ، زوج (عبيد) الحبشي ، تُعرف ب "أُم الظباء" ، هَاجَرت (الهجرتين) ، وصلت الْقبْلَتَيْنِ ، و (ابْنهَا) أَيمن قُتل شَهِيدا يَوْم حنين .
(وَقَالَ) : وَظهر مِمَّا قُلْنَاهُ : أَن فِي ذَلِك قصتين ، إِحْدَاهمَا : فِي قدح من عيدَان ، والراوية أم يُوسُف ؛ وَالثَّانيَِة : فِي فَخَّارة ، والراوية أم أَيمن ، بركَة بنت ثَعْلَبَة . وإنَّما أشكل ذَلِك عَلَى الروَاة من حَيْثُ أَن اسْم كل وَاحِدَة مِنْهُمَا بركَة ، وكلتاهما من الموَالِي ، فَهَذِهِ مولاة رَسُول الله ، وَتلك مولاة أبي سُفْيَان ، وكلتاهما مِمَّن هَاجر إِلَى أَرض الْحَبَشَة من النِّسَاء مَعَ الْأزْوَاج ، (فَاشْتَبَهَ أَمرهمَا) ، وَقد تبيَّن الْفرق بَينهمَا .
قَالَ : وَقَوله : "لَا [ يَيْجَعَنَّ ] بَطْنك" عَلَى مِثَال : لَا (تشتكين) ، [1/489] قَالَ اللغويون : هُوَ اسْم لجَمِيع الْمَرَض كُله
.