الحَدِيث الرَّابِع عشر
أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِذا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُم مِنْ نَوْمِه ، فَلا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِناءِ ، حتَّى يَغْسِلها ثَلَاثًا ، فإنَّه لَا يَدْري أيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ " .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، مرويّ من ثَلَاثَة طرق :
أَولهَا : عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم (من نَومه) ، فَلَا يغمس يَده فِي الإِناء ، حتَّى يغسلهَا ، فإنَّه لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده " .
رَوَاهُ البُخَارِيّ ، وَمُسلم فِي "صَحِيحهمَا" ، بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور .
وَفِي رِوَايَة لمُسلم : " إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم فَلْيُفْرِغ عَلَى (يَده) [1/505] ثَلَاث مَرَّات ، قبل أَن يُدخل يَده فِي إنائه ، فإنَّه لَا يدْرِي فيمَ باتت يَده " .
وَفِي رِوَايَات لأبي حَاتِم بن حبَان فِي "صَحِيحه" ذكر الْعدَد أَيْضا .
وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة فِي "صَحِيحه" ، بعد أَن سَاقه بِدُونِ "ثَلَاثًا" : لَا أَدْرِي هَذِه اللَّفْظَة فِي الْخَبَر أم لَا ؟ ثمَّ سَاقه بعد ذَلِك بأوراق بالسند الْمَذْكُور ، وَفِيه لَفْظَة "ثَلَاثًا" .
وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان : "فإنَّ أحدكُم لَا يدْرِي أَيْن كَانَت تَطوف يَده" .
وَفِي رِوَايَة لَهُ : "قبل أَن يُدخلهما فِي وضوئِهِ" .
وَفِي رِوَايَة لِلتِّرْمِذِي ، وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه : "مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا" .
وَفِي "مُسْند (أبي) دَاوُد الطَّيَالِسِيّ" : ثَنَا شُعْبَة ، أَخْبرنِي [1/506] الْأَعْمَش ، عَن ذكْوَان ، عَن أبي هُرَيْرَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : "( إِذا) اسْتَيْقَظَ أحدُكُم من مَنَامه ، فَلَا يغمس يَده فِي الإِناء حتَّى يصبَّ (عَلَيْهَا) صبَّة أَو صبتين ، فإنَّه لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده " .
( قَالَ التِّرْمِذِيّ : حسن صَحِيح . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي " علله " : رَفعه صَحِيح ) . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة ، وَابْن حبَان فِي "صَحِيحَيْهِمَا" : "فإنَّه لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده مِنْهُ" . وأخرجها الْبَيْهَقِيّ (من جِهَة ابْن خُزَيْمَة) ، وَقَالَ : قَوْله : "مِنْهُ" تَفَرَّدَ [ بِهِ ] مُحَمَّد بن الْوَلِيد البُسْري ، وَهُوَ ثِقَة .
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي " علله " : تَفَرَّدَ بهَا شُعْبَة .
(و) قَالَ ابْن مَنْدَه : هَذِه الزِّيَادَة رواتها ثِقَات ، وَلَا أَرَاهَا مَحْفُوظَة .
وَفِي رِوَايَة لِابْنِ عدي : "فإنْ غَمَس يَده فِي الْإِنَاء قبل أَن [1/507] يغسلهَا ، فليهريق ذَلِك (المَاء) " . قَالَ ابْن عدي : وَهَذِه الزِّيَادَة مُنكرَة ، (لَا تُحْفَظ) . وَهِي من رِوَايَة مُعَلَّى بن الْفضل ، وَفِي بعض مَا يرويهِ نكرَة ، وَهِي أَيْضا من رِوَايَة الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة ، وَقد قَالَ غير وَاحِد إِنَّه لم يسمع مِنْهُ .
وَفِي رِوَايَة بعد : "فَإِنَّهُ لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده" : "ويسمِّي قبل أَن (يُدخلها) " رَوَاهَا عبيد الله بن سعيد (السجسْتانِي) فِي الْجُزْء الرَّابِع من "فَوَائِد ابْن نطيف" وَقَالَ : غَرِيبَة . أَفَادَ ذَلِك الشَّيْخ فِي "الإِمام" .
قُلْتُ : و (رَأَيْتهَا) فِي " تَارِيخ الْعقيلِيّ " ، وَقَالَ بعد ذكرهَا : هَذَا الحَدِيث من حَدِيث أبي هُرَيْرَة صَحِيح الْإِسْنَاد من غير وَجه ، وَلَيْسَ فِيهِ : "يسمِّي قبل أَن يُدخلها" .
وأسنده ابْن الْجَوْزِيّ فِي "تَحْقِيقه" من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ : "إِذا قَامَ أحدكُم من نوم اللَّيْل" .
الطَّرِيق الثَّانِي : عَن جَابر بن عبد الله رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِذا قَامَ أحدكُم من (النّوم) فَأَرَادَ أَن يتَوَضَّأ فَلَا يُدخل يَده فِي الإِناء حتَّى يغسلهَا " . [1/508] رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي "سنَنه" (كَذَلِك) ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" أَيْضا بِلَفْظ : " إِذا قَامَ أحدكُم من النّوم ، فَأَرَادَ أَن يتَوَضَّأ ، فَلَا يُدخل يَده فِي وضوئِهِ حتَّى يغسلهَا ، فإنَّه لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده ، وَلَا عَلَى مَا وَضعهَا " . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : إِسْنَاده حسن .
الطَّرِيق الثَّالِث : عَن عبد الله بن عمر رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم من نَومه ، فَلَا يُدْخِل يَده فِي الإِناء حتَّى يغسلهَا " .
رَوَاهُ ابْن مَاجَه - أَيْضا - فِي "سنَنه" كَذَلِك ، وَابْن خُزَيْمَة فِي "صَحِيحه" ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" ، وَلَفْظهمَا : " إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم من مَنَامه ، فَلَا يُدخل يَده فِي الإِناء حتَّى يغسلهَا ثَلَاث مَرَّات ، فإنَّه لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده ، أَو أَيْن طافت يَده" .
(قَالَ) الدَّارَقُطْنِيّ : "فَقَالَ لَهُ رجل : أرأيتَ إنْ كَانَ حوضًا ؟ فَحَصَبَه ابْن عمر ، وَجعل يَقُول : (أخْبرك) عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتقول : أرأيتَ إِن كَانَ حوضًا
؟ !" .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : [ إِسْنَاد ] حسن . [1/509] قَالَ الْبَيْهَقِيّ : لِأَن جَابر بن إِسْمَاعِيل الْحَضْرَمِيّ مَعَ ابْن لَهِيعَة فِي إِسْنَاده .
وَهَذَا (من) الْبَيْهَقِيّ تَعْلِيل لحسنه من حَيْثُ لم ينْفَرد بِهِ ابْن لَهِيعَة .
قَالَ إِمَام الْأَئِمَّة أَبُو بكر بن خُزَيْمَة بعد أَن أخرجه فِي "صَحِيحه" من جِهَة ابْن لَهِيعَة وَجَابِر بن إِسْمَاعِيل : ابْن لَهِيعَة لَيْسَ مِمَّن أُخْرِجُ حَدِيثه فِي هَذَا الْكتاب - يَعْنِي "صَحِيحه" - إِذا انْفَرد بالرواية ، وَلَكِن جَابر بن إِسْمَاعِيل مَعَه فِي الإِسناد .
وَلِهَذَا الحَدِيث طَرِيق رَابِع لَا بَأْس بالتنبيه عَلَيْهِ ، أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيّ ، فَإِنَّهُ قَالَ : وَفِي الْبَاب عَن عَائِشَة أَيْضا .
وَهَذِه الطَّرِيقَة ذكرهَا ابْن أبي حَاتِم فِي "علله" ، من حَدِيث أبي سَلمَة ، عَنْهَا مَرْفُوعا : " إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم من النّوم ، فليغرف عَلَى يَده ثَلَاث غرفات قبل أَن يُدخلها فِي وضوئِهِ ، فإنَّه لَا يدْرِي حَيْثُ باتت يَده " .
قَالَ ابْن أبي حَاتِم : [ سُئل أَبَا زرْعَة ] عَنهُ فَقَالَ : ( إنَّه) وهمٌ . (وَالصَّوَاب حَدِيث أبي هُرَيْرَة ) .
وَقَوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ : "فإنَّه لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده" سَببه مَا (قَالَ) الإِمام الشَّافِعِي رَضِي اللهُ عَنْهُ وَغَيره : أَن أهل الْحجاز كَانُوا يقتصرون عَلَى [1/510] الِاسْتِنْجَاء بالأحجار ، وبلادهم حارة ، فَإِذا نَام أحدهم عرق ، فَلَا يَأْمَن النَّائِم أَن تَطوف يَده عَلَى الْمحل النَّجس ، أَو عَلَى (بَثْرة) وقملة ، وَنَحْو ذَلِك ، (فيتنجس)
.