الحَدِيث التَّاسِع عشر
"أنَّ أَعْرَابِيًا بَال فِي نَاحيَة الْمَسْجِد ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : صُبّوا عَلَيْه ذنوبًا مِنْ مَاء " .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، مرويّ من طَرِيقين صَحِيحَيْنِ ، لَا مطْعن لأحد فيهمَا : [1/525] أَحدهمَا : عَن أنس رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ : " بَيْنَمَا نَحن فِي الْمَسْجِد مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ جَاءَ أَعْرَابِي ، فَقَامَ يَبُول فِي الْمَسْجِد ، فَقَالَ أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَه مَه ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا تُزْرِمُوه دَعوه . فَتَرَكُوهُ حتَّى بَال ، ثمَّ إنَّ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَاهُ ، فَقَالَ لَهُ : إنَّ هَذِه الْمَسَاجِد لَا تصلح لشَيْء من هَذَا الْبَوْل وَلَا (القذر) ، إنَّما هِيَ لذكر الله - عزَّ وجلَّ - وَالصَّلَاة ، وَقِرَاءَة الْقُرْآن - أَو كَمَا قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ رجلا من الْقَوْم ، فجَاء بِدَلْو من مَاء ، فشنَّه عَلَيْهِ " .
رَوَاهُ البُخَارِيّ ، وَمُسلم فِي "صَحِيحَيْهِمَا" ، وَاللَّفْظ لمُسلم .
الطَّرِيق الثَّانِي : عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ : " قَامَ أَعْرَابِي فِي الْمَسْجِد فَبَال ، فتناوله النَّاس ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دَعوه (وهريقوا) عَلَى بَوْله سَجْلًا من مَاء - أَو ذَنُوبًا من مَاء - فإنَّما بُعِثْتُمْ مُيَسِّرين ، وَلم تُبعَثوا معسرين " .
رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي "صَحِيحه" مُنْفَردا بِهِ .
وَفِي "صَحِيح ابْن حبَان" عَنهُ : " دخل أَعْرَابِي الْمَسْجِد ، وَرَسُول الله جَالس ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِر لي ولمحمد ، وَلَا تغْفر لأحد مَعنا . فَقَالَ [1/526] عَلَيْهِ السَّلَام : لقد (احتظرت) وَاسِعًا . ثمَّ تنحَّى الْأَعرَابِي فَبَال فِي نَاحيَة الْمَسْجِد . فَقَالَ (الْأَعرَابِي بعد أَن فَقِهَ الإِسلام : إنَّ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ : إِن هَذَا الْمَسْجِد) إِنَّمَا هُوَ لِذِكْر الله ، وَالصَّلَاة وَلَا يُبَال فِيهِ . ثمَّ دَعَا بسجل من مَاء ، فأفرغه عَلَيْهِ " .
(و) اعْلَم : أنَّ الإِمام الرَّافِعِيّ لمَّا نَقَل عَن أبي حنيفَة : أَن الأَرْض لَا تطهر حتَّى تُحْفَر إِلَى الْموضع (الَّذِي) وصلت إِلَيْهِ النداوة ، وينقل التُّرَاب . قَالَ : لنا هَذَا الحَدِيث . ثمَّ قَالَ إثره : وَلم يَأْمر بِنَقْل التُّرَاب . انْتَهَى .
وَقد رُوِيَ الْأَمر بذلك من طرق ، (لَكِنَّهَا) مُتَكَلم فِيهَا :
أَحدهَا : عَن عبد الله بن معقل بن مقرن رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ : " قَامَ أَعْرَابِي إِلَى زَاوِيَة من زَوَايَا الْمَسْجِد ، [ فانكشف ] ، فَبَال فِيهَا ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خُذُوا مَا بَال عَلَيْهِ من التُّرَاب فألقوه ، وأهريقوا عَلَى مَكَانَهُ مَاء " .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي "سُنَنهمَا" . قَالَا : وَعبد الله بن معقل تَابِعِيّ ، وَهُوَ مُرْسل . قَالَ الْعجلِيّ : تَابِعِيّ ثِقَة . وَقَالَ الإِمام أَحْمد : هَذَا حَدِيث مُنكر . قَالَ أَبُو دَاوُد : وَقد رُوي مَرْفُوعا وَلَا يصحّ . [1/527] الطَّرِيق الثَّانِي : عَن أبي (وَائِل) ، عَن عبد الله بن مَسْعُود رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ : ( جَاءَ أَعْرَابِي فَبَال فِي الْمَسْجِد ، فَأمر رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمكانه فاحتُفر ، وصُبَّ عَلَيْهِ دلو من مَاء ، فَقَالَ الْأَعرَابِي : يَا رَسُول الله ، الْمَرْء يحب الْقَوْم و (لمَّا) يعْمل (عَمَلهم) . فقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : الْمَرْء مَعَ من أحب " .
رَوَاهُ (الدَّارَقُطْنِيّ) فِي "سنَنه" بِإِسْنَاد فِيهِ ضعيفان : أَحدهمَا : سمْعَان بن مَالك ، قَالَ أَبُو زرْعَة : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . الثَّانِي : أَبُو هِشَام الرِّفَاعِي ، قَالَ البُخَارِيّ : رَأَيْتهمْ مُجْمِعِينَ عَلَى ضعفه .
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : لَيْسَ لهَذَا الحَدِيث أصل . وَقَالَ أبو زرْعَة : مُنكر .
الطَّرِيق الثَّالِث : عَن أنس رَضِي اللهُ عَنْهُ " أَن أَعْرَابِيًا بَال فِي الْمَسْجِد ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : احفروا مَكَانَهُ ، ثمَّ صبوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا من مَاء " .
رَوَاهُ ابْن صاعد ، عَن عبد الْجَبَّار بن الْعَلَاء ، عَن ابْن عُيَيْنَة ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن أنس .
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي "علله" : قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : وهم عبد الْجَبَّار [1/528] عَلَى ابْن عُيَيْنَة ؛ لِأَن أَصْحَاب ابْن عُيَيْنَة الحفَّاظ رَوَوْهُ عَنهُ ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، فَلم يذكر أحد مِنْهُم "الْحفر" وإنَّما رَوَى ابْن عُيَيْنَة هَذَا عَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن طَاوس أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : "احفروا مَكَانَهُ" مُرْسلا ، فاختلط عَلَى عبد الْجَبَّار المتنان .
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي " الإِمام " : عبد الْجَبَّار هَذَا هُوَ ابْن الْعَلَاء بن عبد الْجَبَّار أَبُو بكر [ الْعَطَّار ] الْبَصْرِيّ ، أخرج لَهُ مُسلم وَابْن خُزَيْمَة ، وَرَوَى لَهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : مكي صَالح . وَقَالَ فِي رِوَايَة أُخْرَى : شيخ . وَسُئِلَ عَنهُ أَحْمد بن حَنْبَل ، فَقَالَ : رَأَيْته (عِنْد) ابْن عُيَيْنَة حسن الْأَخْذ .
الطَّرِيق (الرَّابِع) : عَن وَاثِلَة بن الْأَسْقَع رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ : " كُنَّا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدخل أَعْرَابِي فَقَالَ : اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي ومحمدًا ، وَلَا ترحم مَعنا أحدا . فَقَالَ لَهُ : وَيحك - أَو وَيلك - لقد حظرت وَاسِعًا . ثمَّ تَنَحَّى الْأَعرَابِي فَبَال قَائِما ، فَوَثَبُوا إِلَيْهِ ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دَعوه حتَّى يَفْرُغَ من مباله . ثمَّ دَعَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَجْلٍ من مَاء فَصَبَّه عَلَيْهِ " .
رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي "سنَنه" ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي "مُعْجَمه" ، وَفِي [1/529] إِسْنَاده عبيد الله بن أبي حُميد الْهُذلِيّ ، وَهُوَ ضَعِيف ، سُئِلَ عَنهُ الإِمام أَحْمد فَقَالَ : تُرِكَ حَدِيثه . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : هُوَ مُنكر الحَدِيث ، (ضَعِيف الحَدِيث) . وَقَالَ البُخَارِيّ : مُنكر الحَدِيث .
(إِذا) عرفت طرق هَذَا الحَدِيث ، فلنعد إِلَى تَبْيِين مَا وَقع (فِيهِ) من الْغَرِيب ، فَنَقُول :
قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : "لَا تُزْرِموه" هُوَ : بِضَم التَّاء ، وَإِسْكَان الزَّاي الْمُعْجَمَة ، بعْدهَا رَاء مُهْملَة مَكْسُورَة ، وَمَعْنَاهُ : لَا (تقطعوه) . والإِزرام : (الْقطع) .
و "الدَّلْو" فِيهِ لُغَتَانِ : التَّذْكِير ، والتأنيث .
و "الذَّنوب" بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة : الدَّلْو إِذا كَانَت الدَّلْو ملأى ، قَالَ ابْن سِيده فِي "الْمُحكم" : الذَّنُوب : الدَّلْو فِيهَا مَاء . وَقيل : الذُّنُوب : الدَّلْو الَّذِي يكون المَاء دون ملئها . وَقيل : هِيَ الدَّلْو الملأى . وَقيل : هِيَ الدَّلْو مَا كَانَت . كل ذَلِك مُذَكّر عِنْد اللحياني . (قَالَ) : وَقد (يؤنث) الذُّنُوب .
و "السَّجْل" بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة ، وبالجيم الساكنة : الدَّلْو الْكَبِيرَة إِذا كَانَ فِيهَا مَاء ، قَلَّ أَو كثر ، قَالَ الْجَوْهَرِي : وَهُوَ مُذَكّر ، وَلَا يُقَال : سجل إِذا لم يكن فِيهِ مَاء . [1/530] و "مَه" كلمة زجر ، وَيُقَال : "بِهِ" بِالْبَاء أَيْضا ، وَهُوَ اسْم مَبْنِيّ عَلَى السّكُون ، مَعْنَاهُ : اسْكُتْ . قَالَ صَاحب "الْمطَالع" : أَصْلهَا : مَا هَذَا ، ثمَّ حذفت تَخْفِيفًا . قَالَ : وَقَالَ يَعْقُوب : هِيَ لتعظيم الْأَمر كبخٍ بخ . وَقد تنوَّن مَعَ الْكسر ، ويُنَوَّن الأول ويُكسر الثَّانِي بِغَيْر تَنْوِين .
وَقَوله : "فَشَنَّه عَلَيْهِ" يُروى بالشين الْمُعْجَمَة ، والمهملة ، وَمَعْنَاهُ : صَبَّه . وفرَّق بعض الْعلمَاء بَينهمَا ، فَقَالَ : هُوَ بِالْمُهْمَلَةِ : الصب فِي سهولة ، وبالمعجمة : التَّفْرِيق فِي صبه .
فَائِدَة مهمة يُرحل إِلَيْهَا :
وَهِي أَن الَّذِي بَال فِي الْمَسْجِد ، مَا اسْمه ؟ وليُعْلَم أَنه ذُو الْخوَيْصِرَة الْيَمَانِيّ ، كَذَا سَاقه بِإِسْنَادِهِ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه "معرفَة الصَّحَابَة" ، وَلَا أعلم أحدا ذكره فِي المبهمات ، وَهُوَ أحد مَا يسْتَدرك عَلَيْهِم ويُستفاد .