الحَدِيث الثَّالِث وَالْعشْرُونَ
قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الهِرَّة : " إنّها لَيست بنجسة ، إنَّها من الطوافين عَلَيْكُم " . [1/552] هَذَا الحَدِيث صَحِيح مَشْهُور ، رَوَاهُ الْأَئِمَّة الْأَعْلَام ، حُفَّاظ الإِسلام : مَالك فِي "الْمُوَطَّأ" ، وَالشَّافِعِيّ ، وَأحمد ، والدارمي ، فِي "مسانيدهم" ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه فِي "سُنَنهمْ" ، وَابْن خُزَيْمَة ، وَابْن حبَان ، فِي "صَحِيحَيْهِمَا" ، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي "الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ" ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي "السّنَن" ، و "الْمعرفَة" . من رِوَايَة أبي قَتَادَة رَضِي اللهُ عَنْهُ .
وَليكن كلامنا عَلَى هَذَا الحَدِيث مُلَخصا فِي ثَلَاثَة فُصُول :
الأول : فِيمَن صحَّحه ، و (شُبْهَة) من أعلَّه
قَالَ التِّرْمِذِيّ فِيهِ : إِنَّه حَدِيث حسن صَحِيح وَإنَّهُ أحسن شَيْء فِي هَذَا الْبَاب ، وَإِن مَالِكًا جَوَّد إِسْنَاده عَن إِسْحَاق [ بن ] عبد الله ، وَأَن [1/553] أحدا لم يأتْ بِهِ أتم مِنْهُ . قَالَ : وَسَأَلت البُخَارِيّ (عَنهُ) ، فَقَالَ : جَوَّده مَالك بن أنس ، وَرِوَايَته أصحّ من رِوَايَة غَيره .
وَقَالَ الْحَاكِم فِي " الْمُسْتَدْرك " : هَذَا حَدِيث صَحِيح ، وَلم يُخرجهُ البُخَارِيّ وَمُسلم ، عَلَى أَنَّهُمَا قد استشهدا جَمِيعًا بِمَالك بن أنس ، وَأَنه (الحكم) فِي حَدِيث الْمَدَنِيين ، وَهَذَا الحَدِيث (ممَّا) صحَّحه مَالك واحتجَّ بِهِ فِي "الْمُوَطَّأ" وَمَعَ هَذَا فَلهُ شَاهد بِإِسْنَاد صَحِيح : نَا أَبُو عبد الله القَاضِي ببخارا (ثَنَا مُحَمَّد بن أَيُّوب) ، أَنا مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي جَعْفَر الرَّازِيّ ، نَا سُلَيْمَان بن مسافع بن شيبَة الحَجبي ، قَالَ : سَمِعت مَنْصُور بن صَفَيَّة بنت شيبَة يحدِّث عَن أمه صَفِيَّة ، (عَن) عَائِشَة رَضِي اللهُ عَنْهُا أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : "إنَّها لَيست بِنَجس ، هِيَ كبعض أهل الْبَيْت - يَعْنِي الْهِرَّة" .
وَهَذَا الشَّاهِد الَّذِي اسْتشْهد بِهِ الْحَاكِم أخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي "صَحِيحه" ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" ، وَلَفظه : "هِيَ كبعض مَتَاع الْبَيْت - يَعْنِي الْهِرَّة" . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : تفرَّد بِهِ سُلَيْمَان بن مسافع . قُلْتُ : ذكره [1/554] الْعقيلِيّ فِي "الضُّعَفَاء" قَالَ : لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ .
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر فِي كِتَابه " معرفَة السّنَن والْآثَار " فِي حَدِيث أبي قَتَادَة : إِسْنَاده صَحِيح والاعتماد عَلَيْهِ .
وصحَّحه أَيْضا الإِمامان أَبُو بكر بن خُزَيْمَة ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان ، فَإِنَّهُمَا أَخْرجَاهُ فِي "صَحِيحَيْهِمَا" كَمَا قدَّمناه عَنْهُمَا .
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو جَعْفَر الْعقيلِيّ : هَذَا حَدِيث صَحِيح ثَابت .
وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ (فِي " علله ") طرقه ، ثمَّ قَالَ : رُوي مَرْفُوعا وموقوفًا . قَالَ : وَرَفعه صَحِيح . قَالَ : ولعلَّ من وَقفه لم يسْأَل أَبَا قَتَادَة : هَل عِنْده عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ أثر أم لَا ؟ لأَنهم حَكوا فعل أبي قَتَادَة حسب . قَالَ : وأحسنها إِسْنَادًا مَا (رَوَى) مَالك ، عَن إِسْحَاق ، عَن امْرَأَته ، عَن أمهَا ، عَن أبي قَتَادَة ، وحَفِظَ أَسمَاء (النِّسَاء وأنسابهن) وجَوَّد ذَلِك ، وَرَفعه إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَخَالف الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه فِي تَصْحِيح هَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ - بعد أَن أخرجه من رِوَايَة مَالك فِي "الْمُوَطَّأ" ، ثمَّ ذكر اخْتِلَاف رواياته - : أم يَحْيَى اسْمهَا حميدة ، وخالتها هِيَ كَبْشَة ، وَلَا يُعرف لَهما رِوَايَة إلاَّ فِي هَذَا الحَدِيث ، (ومحلهما مَحل) الْجَهَالَة ، وَلَا (يثبت) هَذَا الْخَبَر من وَجه من الْوُجُوه وسبيله سَبِيل الْمَعْلُول . [1/555] قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي " شرح الإِلمام " : جَرَى ابْن مَنْدَه عَلَى مَا اشْتهر عَن أهل الحَدِيث أَنه من لَمْ يَرْوِ عَنهُ إلاَّ وَاحِد ، فَهُوَ مَجْهُول .
قَالَ : ولعلَّ من صحَّحه اعْتمد عَلَى كَون مَالك رَوَاهُ وَأخرجه ، مَعَ مَا عُلِمَ من تشدُّده وتحرِّيه فِي الرِّجَال ، وَأَن كل من رَوَى عَنهُ فَهُوَ ثِقَة ، كَمَا صحَّ عَنهُ . ونقلناه فِي مُقَدمَات هَذَا الْكتاب .
قَالَ : فإنْ سلكت (هَذَا) الطَّرِيق فِي تَصْحِيح هَذَا الحَدِيث - أَعنِي عَلَى تَخْرِيج مَالك لَهُ - وإلاَّ فَالْقَوْل مَا (قَالَ) ابْن مَنْدَه ، وَقد ترك الشَّيْخَانِ إِخْرَاجه فِي "صَحِيحَيْهِمَا" .
وَقَالَ فِي "الإِمام" : إِذا لم يعرف لحميدة وكبشة رِوَايَة إلاَّ فِي هَذَا الحَدِيث ، فلعلَّ طَرِيق من صحَّحه أَن يكون اعْتمد عَلَى إِخْرَاج مَالك لروايتهما ، مَعَ شهرته بالتشدُّد .
وَقَالَ شَيخنَا الْحَافِظ أَبُو الْفَتْح (ابْن سيد النَّاس) الْيَعْمرِي : بَقِيَ عَلَى ابْن مَنْدَه أَن يَقُول : (وَلم يُعْرَفْ) حَالهمَا من جارح ، فكثير من رُواة الْأَحَادِيث مقبولون .
قُلْتُ : هَذَا لَا بُد مِنْهُ ، (وَأَنا) أستبعد كل الْبعد توارد الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين عَلَى تَصْحِيح هَذَا الحَدِيث ، مَعَ جهالتهم بِحَال حميدة وكبشة ، فإنَّ الإِقدام (عَلَى التَّصْحِيح) - وَالْحَالة هَذِه - لَا يحلُّ بِإِجْمَاع الْمُسلمين ، فلعلهم اطَّلَعوا عَلَى حَالهمَا ، وخفي علينا . [1/556] قَالَ النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي " كَلَامه عَلَى سنَن أبي دَاوُد " : وَهَذَا الحَدِيث عِنْد أبي دَاوُد حسنٌ ، وَلَيْسَ فِيهِ سَبَب مُحَقّق فِي ضعفه .
قُلْتُ : وَقد ظهر أَن جَمِيع مَا (عَلَّله) بِهِ ابْن مَنْدَه - وتُوبع عَلَيْهِ - فِيهِ نظر .
أما قَوْله : "إِن حُميدة لَا تُعرف لَهَا رِوَايَة إلاَّ فِي هَذَا الحَدِيث" فخطأ ، فلهَا ثَلَاثَة أَحَادِيث ، أَحدهَا : هَذَا . وَثَانِيها : حَدِيث "تشميت الْعَاطِس" أخرجه أَبُو دَاوُد مُصَرحًا (باسمها) ، وَالتِّرْمِذِيّ (مُشِيرا) (إِلَيْهِ) ، فإنَّه قَالَ : عَن عمر بن إِسْحَاق بن أبي طَلْحَة ، عَن أمه ، عَن أَبِيهَا . وحَسَّنه التِّرْمِذِيّ عَلَى مَا نَقله ابْن عَسَاكِر فِي "أَطْرَافه" وَالَّذِي رَأَيْته فِيهِ : أَنه حَدِيث غَرِيب ، وَإِسْنَاده مَجْهُول .
وَثَالِثهَا : حَدِيث "رِهان (الْخَيل) طِلْق" ، رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي "معرفَة الصَّحَابَة" من حَدِيث يَحْيَى بن إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة ، عَن أمه ، عَن أَبِيهَا مَرْفُوعا بِهِ .
وَأما قَوْله فِي " كَبْشَة " فَكَمَا قَالَ ، فَلم أَرَ لَهَا حَدِيثا آخر ، وَلَا يَضرهَا (ذَلِك) فإنَّها ثِقَة كَمَا سَيَأْتِي .
وَأما قَوْله : إِن (مَحلهمَا) الْجَهَالَة فخطأ ، أمَّا حُميدة فقد رَوَى [1/557] عَنْهَا إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة ، (رَاوِي) حَدِيث "الْهِرَّة" وَابْنه يَحْيَى فِي (حَدِيث) "تشميت الْعَاطِس" من طَرِيق أبي دَاوُد ، وَقد وَثَّقه ابْن معِين .
وَفِي طَرِيق التِّرْمِذِيّ أَن الرَّاوِي عَنْهَا ابْنهَا (عمر) بن إِسْحَاق ، فَإِن لم يكن غَلطا ، فَهُوَ ثَالِث ، وَهُوَ أَخُو يَحْيَى .
وَذكرهَا ابْن حبَان فِي "ثقاته" فقد زَالَت (عَنْهَا) الْجَهَالَة العينية والحالية
.
وَأما كَبْشَة (فَلم أعلم) رَوَى عَنْهَا غير حُميدة ، لَكِن ذكرهَا ابْن حبَان فِي " الثِّقَات " وَقد قَالَ ابْن الْقطَّان : إِن الرَّاوِي إِذا وثق زَالَت جهالته ، وَإِن لم يَرْوِ عَنهُ إلاَّ وَاحِد .
وَأَعْلَى من هَذَا أَنَّهَا صحابية ، كَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي "ثقاته" وَكَذَا نَقله أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ عَن جَعْفَر
.
وَأما قَوْله : وَلَا يثبت هَذَا الْخَبَر بِوَجْه من الْوُجُوه . فخطأ ، فقد أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي "الْأَفْرَاد" فَقَالَ : ثَنَا مُوسَى بن هَارُون ، ثَنَا عمر بن الْهَيْثَم بن أَيُّوب الطَّالقَانِي ، ثَنَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد ، عَن أَسِيْد بن أبي أسيد ، عَن أَبِيه : " أنَّ أَبَا قَتَادَة كَانَ يُصْغِي الإِناء للهرة ، فَتَشرب مِنْهُ ، ثمَّ يتَوَضَّأ بفضلها ، فَقيل لَهُ : أتتوضأُ بفضلها ؟ ! فَقَالَ : إنَّ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إنَّها (لَيست) بِنَجس ، (إنَّما هِيَ) من الطوَّافين عَلَيْكُم " . [1/558] فَهَذِهِ مُتَابعَة لكبشة ، وَهَذَا سَنَد لَا أعلم بِهِ بَأْسا .
فقد اتَّضَح وَجه تَصْحِيح الْأَئِمَّة لهَذَا الحَدِيث ، وَخطأ معلله ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق ، فاستفده فإنَّه من الْمُهِمَّات
.