الحَدِيث الْعَاشِر
" أَن حَلقَة قَصْعَة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَت من فضَّة " .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي "صَحِيحه" بِنَحْوِهِ ، من حَدِيث عَاصِم الْأَحول ، قَالَ : " رَأَيْت قدح رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْد أنس بن مَالك ، وَكَانَ قد (انصدعَ) ، فَسَلْسَلَه بِفِضَّة" .
قَالَ : وَهُوَ قدح جيد عريض ، من نُضَار . قَالَ : قَالَ أنس : "لقد [1/633] سقيت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فِي هَذَا الْقدح) أَكثر من كَذَا وَكَذَا" . قَالَ : وَقَالَ : ابْن سِيرِين : "إنَّه كَانَ فِيهِ حَلقَة من حَدِيد ، فَأَرَادَ أنس أَن يَجْعَل مَكَانهَا حَلقَة من ذهب أَو فضَّة ، فَقَالَ (لَهُ) أَبُو طَلْحَة : لَا تُغَيِّرن شَيْئا صَنَعَه رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَركه
" .
وَفِي رِوَايَة لأبي بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ ، عَن أنس : " أَن قدح النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انصدع ، فَجعل مَكَان (الشَّعْبِ) سلسلة من فضَّة" . قَالَ عَاصِم : "وَرَأَيْت الْقدح ، وشربت فِيهِ " .
وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" ، وَقَالَ : رَوَاهُ البُخَارِيّ كَمَا تقدم ، وَهُوَ يُوهِم أَن يكون النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اتخذ مَكَان الشَّعْبِ سلسلة من فضَّة ، وَقد أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ ... فَذكر بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن سِيرِين ، عَن أنس : " أَن قدح النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انصدع ، فَجعل مَكَان الشَّعْبِ سلسلة " ، (يَعْنِي أنَّ أنسا جعل مَكَان الشّعب سلسلة) .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : فَلَا أَدْرِي (من) قَالَه - يَعْنِي أَن أنسا جعل مَكَان الشّعب سلسلة - مُوسَى بن هَارُون ، أَو من فَوْقه ؟ . يَعْنِي الْمَذْكُورين فِي إِسْنَاده .
قُلْتُ : سَاق الْخَطِيب بِإِسْنَادِهِ فِي كتاب "الْفَصْل للوصل المدرج فِي النَّقْل" مَا ظَاهره : أَن ذَلِك من قَول مُوسَى بن هَارُون . [1/634] قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح : قَوْله : "فَاتخذ" . يُوهم أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الْمُتَّخذ ، وَلَيْسَ كَذَلِك ، بل الْمُتَّخذ هُوَ أنس ، فَفِي رِوَايَة أنس : "فجعلتُ مَكَان الشَّعْبِ سلسلة" . هَذَا كَلَامه .
وَفِي "علل الدَّارَقُطْنِيّ " : أَنه سُئِلَ عَن هَذَا (الحَدِيث) ، فَقَالَ : يرويهِ عَاصِم الْأَحول . واختُلف عَنهُ ، فَرَوَاهُ أَبُو حَمْزَة السكرِي ، عَن عَاصِم ، عَن ابْن سِيرِين ، عَن أنس . وَخَالفهُ شريك ، فَرَوَاهُ عَن عَاصِم [ عَن أنس ] ، وَالصَّحِيح قَول أبي حَمْزَة .
والشَّعْب : بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة ، وَإِسْكَان الْعين الْمُهْملَة ، وَبعدهَا (بَاء) مُوَحدَة . وَالْمرَاد بِهِ : الشق والصدع .
وَوَقع فِي "الْمُهَذّب" للشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ : فَاتخذ مَكَان الشِّفة ، وَهُوَ تَصْحِيف ، وَالصَّوَاب مَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ ، وَغَيره كَمَا تقدم .
وَوَقع فِيهِ أَيْضا : "أَن الْقدح انْكَسَرَ" ، وَيحمل عَلَى أَنه انْشَقَّ ، كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَة "انصدع" . وَالْمرَاد : أَنه (شَدَّ الشق) بخيط فضَّة ، فَصَارَت صورته صُورَة سلسلة ، كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ السالفة : "فَسَلْسَلَه بِفِضَّة" . قَالَ ذَلِك النَّوَوِيّ فِي "شرح الْمُهَذّب" .
قُلْتُ : قد يُعَارض هَذَا التَّفْسِير مَا جَاءَ فِي رِوَايَة الإِمام أَحْمد ، قَالَ : رَأَيْت عِنْد أنس قدح رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ ضَبّة من فضَّة " . فَإِن [1/635] الْمَعْرُوف : أَن الضبة هِيَ الَّتِي تَأْخُذ قدرا من الإِناء .
وَقد لَا يُعَارضهُ ، بِأَن يلْتَزم تَسْمِيَة ذَلِك ضبة
.