الحَدِيث الرَّابِع
رُوِيَ " أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا تَوَضّأَ (أَدَارَ) المَاءَ عَلَى مرْفَقَيْهِ " ، وَيُروَى " أَنَّهُ (أَدَارَ) المَاءَ عَلَى مرْفَقَيْهِ ، ثَمَّ (قَالَ) : هَذَا وضُوءٌ لاَ يَقْبَلُ اللهُ الصَّلاَةَ إِلاَّ بِهِ " .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الأوَّل : الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنَيْهِمَا" من رِوَايَة عباد بن يَعْقُوب ، ثَنَا الْقَاسِم بن مُحَمَّد (بن عبد الله بن مُحَمَّد) بن عقيل ، عَن جدِّه ، عَن جَابر بن عبد الله ، عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَفِي رِوَايَة للبيهقي عَن سُوَيْد بن سعيد ، عَن الْقَاسِم بالسند الْمَذْكُور عَن جَابر ، قَالَ : " رَأَيْتُ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُدِيرُ المَاءَ عَلَى المرْفَقِ " . وَسكت الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ عَن هَذَا الحَدِيث ، وَلم يعقباه بتصحيح وَلَا بِتَضْعِيف . وَذكره الشَّيخ زكي الدَّين فِي "كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب" بِإِسْنَادِهِ ، ثمَّ بَيَّضَ لَهُ بَيَاضًا . وكأنَّه - وَالله أعلم - إنَّما فعل ذَلِكَ [1/670] (لضَعْفه) ، وَهُوَ ضَعِيف كَمَا صرح بِهِ الشَّيخ تَقِيّ الدَّين ابْن الصّلاح فِي " كَلَامه عَلَى الْمُهَذّب " وَلم يبَيِّن سَبَب ضعفه .
وَأَقُول : سَببه أَن فِي إِسْنَاده (ثَلَاثَة) رجال مُتَكَلم فيهم .
أحدهم : عباد بن يَعْقُوب الروَاجِنِي ، رَوَى لَهُ البُخَارِيّ مَقْرُونا بآخر ، قَالَ فِي حقِّه ابْن حبَان : إِنَّه رَافِضِي دَاعِيَة ، يروي الْمَنَاكِير عَن الْمَشَاهِير ، فاستحقَّ التَّرك .
الثَّانِي : الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عقيل ، قَالَ ابْن عدي : قَالَ الإِمام أَحْمد : لَيْسَ بِشَيْء ، وَقَالَ الْعقيلِيّ : قَالَ عبد الله بن أَحْمد : سَأَلت يَحْيَى بن معِين عَنهُ فَقَالَ : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : مَتْرُوك الحَدِيث . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : أَحَادِيثه مُنكرَة ، وَهُوَ ضَعِيف الحَدِيث . وَخَالف أَبُو حَاتِم (بن حبَان ) ، فَذكره فِي "ثقاته" فِي أَتبَاع التَّابعين . وَهَذِه قولة مِنْهُ تفرد بهَا . وَقد نصَّ غير وَاحِد من الْحفاظ عَلَى ضعف هَذَا الحَدِيث بِسَبَب الْقَاسِم هَذَا . فَقَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين أَبُو الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه " التَّحْقِيق " بعد استدلاله بِهِ : هَذَا الحَدِيث ضَعِيف ، ثمَّ ذكر مقَالَة أَحْمد وَأبي حَاتِم فِي الْقَاسِم . [1/671] وَقَالَ الشَّيخ تَقِيّ الدَّين فِي " الإِمام " - بعد رِوَايَته لَهُ من طَرِيق الدَّارقطني وَالْبَيْهَقِيّ - : سكت عَنهُ الْبَيْهَقِيّ ، وَلم يتعرَّض لَهُ بِشَيْء . ثمَّ نقل مَا قدمْنَاهُ عَن الْأَئِمَّة فِي تَضْعِيف الْقَاسِم .
وَقَالَ ابْن الصّلاح ، ثمَّ النَّووي فِي كَلَامهمَا عَلَى " الْمُهَذّب " : إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث ضَعِيف .
وَالثَّالِث : جده عبد الله بن مُحَمَّد (بن عقيل) . وَفِيه مقَال قريب سَنذكرُهُ وَاضحا - إِن شَاءَ الله تَعَالَى - فِي أخريات هَذَا الْبَاب .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" : فِي بَاب لَا يتَطَهَّر بِالْمُسْتَعْملِ لم يكن بِالْحَافِظِ وَأهل الْعلم (مُخْتَلفُونَ) فِي الِاحْتِجَاج بِرِوَايَاتِهِ
.
وسُويد (بن سعيد) ، (فِي الرواية الْأُخْرَى) وَإِن أخرج لَهُ مُسلم ، فقد قَالَ ابْن معِين : هُوَ حَلَال الدَّم . (وَقَالَ) : كَذَّاب سَاقِط ، لَو كَانَ (فِي يَدي) فرس ورمح (كنت) أغزوه . وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِثِقَة . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : صَدُوق وَكَانَ كثير [1/672] التَّدليس . وَقيل : إِنَّه عمي فِي آخر عمره ، فَرُبمَا لقن مَا لَيْسَ فِي حَدِيثه ، فَمن سمع مِنْهُ وَهُوَ بَصِير فَحَدِيثه عَنهُ حسن . وَقَالَ أَحْمد : مَتْرُوك الحَدِيث . وَقَالَ البُخَارِيّ : كَانَ قد عمي فتلقن مَا (لَيْسَ) من حَدِيثه .
وَقَالَ ابْن حبَان : يَأْتِي بالمعضلات عَن الثِّقَات ، يجب مجانبة مَا رَوَى . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : هُوَ ثِقَة ، (غير أَنه لما كبر) قُرئ عَلَيْهِ حَدِيث فِيهِ بعض (النكارة) فيجيزه .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " سنَنه " فِي بَاب من قَالَ لَا يقْرَأ : تغيَّر بِأخرَة ، فَكثر الْخَطَأ فِي رِوَايَته
.
قُلْتُ : ويغني عَن هَذَا الحَدِيث فِي الدّلَالَة عَلَى دُخُول الْمرْفقين فِي غسل الْيَد حَدِيث أبي هُرَيْرَة الثَّابِت فِي "صَحِيح مُسلم" : " أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغََسَلَ يَدَيهِ حتَّى أَشْرَعَ فِي العَضدَيْنِ ، وَغَسَلَ رِجْلَيهِ حتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأ " .
وَسَيَأْتِي بِطرقِهِ عقب هَذَا الحَدِيث . فَثَبت بِهَذَا أَنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غسل مرفقيه ، وَفعله بَيَان للْوُضُوء الْمَأْمُور بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى : ( وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ) ، وَلم ينْقل تَركه ذَلِكَ
.