|
الحَدِيث التَّاسِع وَالْعشْرُونَ عَن لَقِيط بن صبرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : " قُلْتُ : يَا رَسُول الله ، أَخْبرنِي عَن الْوضُوء ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أَسْبِغ الوضُوءَ ، وخَلل بينَ الأَصَابِعِ ، وبَالغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ إِلاَّ أنْ تكونَ صَائِمًا " . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْأَئِمَّة : الشَّافِعِي ، وَأحمد ، والدارمي فِي "مسانيدهم" ، وَابْن الْجَارُود فِي "الْمُنْتَقَى" ، وَأَبُو دَاوُد ، [2/127] وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه فِي "سُنَنهمْ" وَابْن خُزَيْمَة ، وَابْن حبَان فِي "صَحِيحَيْهِمَا" ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي "السّنَن الْكُبْرَى" ، و"الْمعرفَة" وَغَيرهمَا ، وَبَعْضهمْ يزِيد عَلَى بعض ، وَصَححهُ الْأَئِمَّة . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح . وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَابْن الْقطَّان : " هُوَ حَدِيث صَحِيح " وَأخرجه أَيْضا الإِمام أَبُو عبد الله الْحَاكِم فِي " الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ " . ثمَّ قَالَ : " هَذَا حَدِيث صَحِيح ، وَلم يخرجَاهُ ، وَهُوَ فِي جملَة مَا قُلْنَا أنَّهما أعرضا عَن الصَّحَابِيّ الَّذِي لَا يروي عَنهُ غير الْوَاحِد ، فقد احتجّا جَمِيعًا بِبَعْض هَذَا النَّوع . قَالَ : وَأَبُو هَاشم إِسْمَاعِيل بن كثير الْقَارِي - يَعْنِي : الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده - من كبار المكيين ، رَوَى عَنهُ هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه جمَاعَة غير الثَّوْريّ ، مِنْهُم ابْن جريج ، وَدَاوُد بن عبد الرَّحْمَن الْعَطَّار ، وَيَحْيَى بن سليم وَغَيرهم . ثمَّ سَاق ذَلِكَ بأسانيده إِلَيْهِم . ثمَّ قَالَ : وَله أَيْضا شَاهد عَن ابْن عَبَّاس . ثمَّ ذكر بِإِسْنَادِهِ إِلَى أبي غطفان المري ، عَن ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنَّ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " اسْتَنْثِرُوا مَرتين بالغتين أَوْ ثَلاَثًا " . ثمَّ أخرجه الْحَاكِم بعد ذَلِكَ بِنَحْوِ من كراسين ، عَن لَقِيط [2/128] ابن صبرَة مَرْفُوعا مُخْتَصرا : " إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِلْ بَينَ الأَصَابِع " ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث قد احتجا بِأَكْثَرَ رُوَاته ثمَّ لم يخرجَاهُ ؛ لِتَفَرُّد عَاصِم بن لَقِيط بن عَامر بن صبرَة عَن أَبِيه بالرواية . ثمَّ قَالَ : وَله شَاهد . فَذكر بِإِسْنَادِهِ إِلَى صَالح ، عَن ابْن عَبَّاس أنَّ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِلْ بَينَ أَصَابِع يَدَيك وَرِجْلَيْك " . قَالَ الْحَاكِم : صَالح هَذَا أَظُنهُ مولَى التوءمة ؛ فَإِن كَانَ كَذَلِك فَلَيْسَ من شَرط هَذَا الْكتاب ، وإنَّما أخرجته شَاهدا . قُلْتُ : وَإسْنَاد لَقِيط بن صبرَة هَذَا رِجَاله رجال الصَّحِيح إِلَّا إِسْمَاعِيل بن كثير الْمَكِّيّ ، وَقد رَوَى عَن مُجَاهِد ، وَسَعِيد بن جُبَير ، وَعَاصِم بن لَقِيط بن صبرَة ، وَرَوَى عَنهُ ابْن جريج ، وَالثَّوْري ، وَيَحْيَى بن سليم الطَّائِفِي ، وَدَاوُد بن عبد الرَّحْمَن الْعَطَّار . قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل : هُوَ ثِقَة . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : صَالح . وَقَالَ ابْن سعد : ثِقَة كثير الحَدِيث . وَإِلَّا عَاصِم بن لَقِيط بن صبرَة ، وَقد وَثَّقَهُ النَّسَائِيّ وَابْن حبَان ، وَأخرج حَدِيثه فِي "صَحِيحه" . وَكَذَلِكَ شَيْخه ابْن خُزَيْمَة وَلَا نعلم جرحا فِيهِ . لَا جرم أَن ابْن الْقطَّان قَالَ فِي " علله " : إِنَّه حَدِيث صَحِيح . وَأفَاد أَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي ذكر عَن الثَّوْريّ زِيَادَة فِيهِ وَهِي الْأَمر بالمبالغة [2/129] فِي الْمَضْمَضَة أَيْضا ، وَابْن مهْدي أحفظ من وَكِيع - الَّذِي لم يذكرهَا - قَالَ أَبُو بشر الدولابي - فِيمَا جمع من حَدِيث الثَّوْريّ - : ثَنَا مُحَمَّد بن بشار ، نَا ابْن مهْدي ، عَن سُفْيَان ، عَن أبي هَاشم ، عَن عَاصِم بن لَقِيط ، عَن أَبِيه ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " إِذَا تَوَضَّأْتَ فَأَبلغْ المَضْمَضَةَ والاسْتِنْشَاقَ مَا لَمْ تَكُنْ صَائِمًا " قَالَ ابْن الْقطَّان : وَهَذَا صَحِيح . وممَّا يَنْبَغِي أَن يتَنَبَّه لَهُ - رحمنا الله وَإِيَّاك - أَن صَاحب "الْمُهَذّب" قَالَ فِي آخر هَذَا الحَدِيث : "وَلَا يُستقصى فِي الْمُبَالغَة فَيصير سَعُوطًا " وَهَذَا من كَلَامه - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَيْسَ من الحَدِيث ، وَهُوَ بِالْوَاو فِي أوَّل يستقصى لَا بِالْفَاءِ ، ويستقصى بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تَحت أوَّله لَا بِالتَّاءِ بِالْمُثَنَّاةِ فَوق ، كَذَا ضَبطه النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ : وإنَّما ضبطته هَكَذَا لأنَّ القلعي وَغَيره غلطوا فِيهِ ، فجعلوه بِالْفَاءِ وَالتَّاء [2/130] وجعلوه من الحَدِيث ، وَهَذَا خطأ فَاحش . وَكَذَا نبه عَلَى ذَلِكَ قبله الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح فِي "كَلَامه عَلَى المهذّب" . و "صَبِرة" بِفَتْح الصَّاد وَكسر الْبَاء ، وَيجوز إسكان الْبَاء مَعَ فتح الصَّاد وَكسرهَا ، أَفَادَهُ النَّوَوِيّ فِي " التَّهْذِيب" وَهُوَ لَقِيط بن عَامر بن صبرَة بن عبد الله بن المنتفق الْعقيلِيّ أَبُو رزين ، وَقيل : لَقِيط بن عَامر غير لَقِيط بن صبرَة . قَالَ ابْن عبد الْبر وَغَيره : وَهَذَا غلط ؛ بل هما وَاحِد . وذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه "جَامع المسانيد" وَقَالَ : لَقِيط بن عَامر بن المنتفق الْعقيلِيّ ، وَذكر لَهُ عدَّة أَحَادِيث ، وَهُوَ أَبُو زرين . ثمَّ قَالَ : مُسْند لَقِيط بن صبرَة بن المنتفق بن عَاصِم . وَذكر لَهُ هَذَا الحَدِيث وَحده من طَرِيق آخر . ثمَّ قَالَ يَحْيَى بن معِين : هُوَ أَبُو رزين الْعقيلِيّ ؛ فَمَا يعرف لَقِيط غير أبي رزين . قَالَ : وَإِلَى نَحْو هَذَا ذهب البُخَارِيّ فَإِنَّهُ قَالَ : لَقِيط بن عَامر ، وَيُقَال : ابْن صبرَة . وَخَالَفَهُمَا عَلّي بن الْمَدِينِيّ ، وَخَلِيفَة بن خياط ، وَمُحَمّد بن سعد ، وَأَبُو بكر البرقي ، فجعلوهما اثْنَيْنِ ، وَهُوَ الصَّحِيح . [2/131] قُلْتُ : وَقَالَ عبد الْغَنِيّ الْمصْرِيّ : أَبُو رزين الْعقيلِيّ هُوَ لَقِيط بن عَامر بن المنتفق ، وَهُوَ لَقِيط بن صبرَة .
|