الحَدِيث الثَّلَاثُونَ
رُوِيَ " أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، ثمَّ قَالَ : هَذَا وضُوئِي وَوضُوءُ الأنبِيَاءِ قَبلِي وَوضُوءُ خَلِيلِي إِبرَاهِيمَ " .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي "سنَنه" ، عَن أبي بكر بن خَلاد الْبَاهِلِيّ ، حَدَّثَنِي مَرْحُوم بن عبد الْعَزِيز الْعَطَّار ، حَدَّثَنِي عبد الرَّحِيم بن زيد الْعمي ، عَن أَبِيه ، عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة ، عَن ابْن عمر قَالَ : " تَوَضَّأ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَاحِدَة وَاحِدَة ، فَقَالَ : هَذَا وضُوءُ مَن لَا يقبلُ اللهُ مِنْه صَلَاة إِلاَّ بِهِ . ثمَّ تَوَضَّأ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ فَقَالَ : هَذَا وضُوءُ القَدْرِ من الوضُوءِ . وَتَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ : هَذَا أَسْبَغ الوضُوء ، ووضُوء خَلِيل اللهِ إِبْرَاهِيم ، وَمن تَوَضَّأ هَكَذَا ثمَّ قَالَ عِنْد فَرَاغه : أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أنَّ مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله فُتِحَ لَهُ ثَمَانِيَة أَبْوَاب الْجنَّة يدْخل من أَيهَا شَاءَ " .
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أَوسط معاجمه" من رِوَايَة مَرْحُوم بن عبد الْعَزِيز ، عَن عبد الرَّحِيم بن زيد الْعمي ، عَن أَبِيه ، عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة ، [2/132] عَن أَبِيه ، عَن جده . قَالَ : " تَوَضَّأ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَاحِدَة وَاحِدَة فَقَالَ : هَذَا وضوءُ من لَا يقبلُ اللهُ مِنْهُ صَلَاة إِلاَّ بِهِ . ثمَّ تَوَضَّأ ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ فَقَالَ : مَن تَوضَّأ هَكَذَا ضاعفَ اللهُ لهُ أَجْرَه مَرَّتَيْن . ثمَّ تَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا فَقَالَ : هَذَا إسباغُ الوضُوءِ وهَذَا وُضُوئِي ووُضُوءُ خَلِيلِ اللهِ إِبرَاهِيمَ ..." وَذكر بَاقِي الحَدِيث .
وَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم فِي "علله" إِلَى قَوْله : "ووضوء الْأَنْبِيَاء قبلي" .
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة مُحَمَّد بن الْفضل ، عَن زيد الْعمي ، عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة ، عَن ابْن عمر أنَّ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - دَعَا بِمَاء فَتَوَضَّأ مرّة مرّة ، ثمَّ قَالَ : هَذَا وَظِيفَةُ الوُضُوءِ الَّذِي لَا يقبلُ اللهُ صَلاةً إِلاَّ بِهِ . ثمَّ دَعَا بِمَاء فَتَوَضَّأ مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ ثمَّ سكت سَاعَة ثمَّ قَالَ : هَذَا وضُوءُ من تَوَضَّأَ بِهِ كَانَ لَه أَجْرُهُ مَرَّتَينِ . ثمَّ دَعَا بِمَاء فَتَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ : هَذَا وضُوئِي ووضُوءُ الأنبياءِ مِن قَبْلِي " .
وَرَوَاهُ أَحْمد وَالدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من حَدِيث الْأسود بن عَامر ، عَن أبي إِسْرَائِيل عَن زيد الْعمي ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر ، عَن [2/133] النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " من تَوَضَّأ مرّة مرّة فَتلك وَظِيفَة الْوضُوء الَّتِي لَا بُد مِنْهَا ، وَمن تَوَضَّأ ثِنْتَيْنِ فَلهُ كفلان ، وَمن تَوَضَّأ ثَلَاثًا فَذَلِك وضوئي ووضوء الْأَنْبِيَاء قبلي " .
وَرَوَاهُ الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ فِي كتاب "إِيضَاح الإِشكال" من حَدِيث عباد بن صُهَيْب ، عَن مسعر بن كدام ، عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة ، عَن عبد الله بن عمر ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " أنَّه تَوضَّأَ مرّة مرّة فَقَالَ : هَذِهِ فَرَيضَةُ الوُضُوءِ وهوَ وضُوئِي ، وهُوَ الذِي لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ إلاَّ بِهِ ، ثمَّ تَوَضَّأ مَرَّتَينِ مَرَّتينِ فَقَالَ : هَذَا وضُوء مَرتَين ، وَمَنْ تَوضَّأَ هَكَذَا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ ، ثُمَّ تَوضَّأَ ثَلاثًا ثَلاثًا وَقَالَ : هَذَا وضُوئِي ووضُوءُ الأَنبياءِ قَبْلي ، ووضُوءُ أبِي إِبْرَاهيمَ خَليلِ الرَّحْمَن " .
وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف بِمرَّة لَا يَصح من جَمِيع هَذِه الطّرق . أمَّا عبد الرَّحِيم بن زيد الْعمي فَهُوَ مَتْرُوك واه ، قَالَ يَحْيَى : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ مرّة : كَذَّاب . وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوك الحَدِيث . وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : ترك حَدِيثه . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : جدًّا . وَقَالَ البُخَارِيّ : تَرَكُوهُ . وَقَالَ السَّعْدِيّ : غير ثِقَة . وَقَالَ أَبُو دَاوُد : ضَعِيف .
وَأما وَالِده زيد فالأكثر عَلَى تَضْعِيفه ، قَالَ يَحْيَى : لَيْسَ بِشَيْء .
[2/134] وَقَالَ النَّسَائِيّ : ضَعِيف . وَقَالَ ابْن حبَان : يروي عَن أنس أَشْيَاء مَوْضُوعَة لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِخَبَرِهِ . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : واهي الحَدِيث . وَحَكَى ابْن أبي حَاتِم أَنه إِنَّمَا قيل لَهُ زيد الْعمي ؛ لِأَنَّهُ كَانَ كلما سُئِلَ عَن شَيْء قَالَ : حتَّى أسأَل عمي . وَقَالَ ابْن عدي : لَعَلَّ شُعْبَة لم يروِ عَن أَضْعَف مِنْهُ . وَقَالَ الإِمام أَحْمد : هُوَ صَالح . وَقَالَ الْحسن بن سُفْيَان : ثِقَة . وَلَا أعلم من وَثَّقَهُ غَيرهمَا
.
وَأما مُحَمَّد بن الْفضل الْمُتَقَدّم فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ فضعيف جدًّا ، كَانَ أَبُو بكر بن أبي شيبَة شَدِيد الْحمل عَلَيْهِ ، وَقَالَ أَحْمد : لَيْسَ حَدِيثه حَدِيث أهل الْكَذِب . وَقَالَ يَحْيَى : لَيْسَ بِشَيْء وَلَا يكْتب حَدِيثه . وَقَالَ مرّة : كَانَ كذابا . وَكَذَلِكَ قَالَ السَّعْدِيّ ، وَعَمْرو بن عَلّي ، وَيَحْيَى بن الضريس . وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوك الحَدِيث . وَقَالَ ابْن حبَان : يروي الموضوعات عَن الْأَثْبَات ، لَا يحل كَتْب حَدِيثه إلاَّ عَلَى سَبِيل الِاعْتِبَار . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف . وَقَالَ فِي " علله " : هَذَا حَدِيث يرويهِ زيد الْعمي ، عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة ، عَن ابْن عمر . وَأَبُو إِسْرَائِيل الْملَائي ، عَن زيد الْعمي ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر وَوهم فِيهِ ، وَالصَّوَاب قَول من قَالَ : عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة ، عَن عبيد بن عُمَيْر ، عَن أبي بن كَعْب وَلم يُتَابع عَلَيْهِ .
[2/135] وَأما عباد بن صُهَيْب الْمَذْكُور فِي رِوَايَة عبد الْغَنِيّ فمتروك ، كَمَا قَالَه البُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ ، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ : ذهب حَدِيثه . وَقَالَ ابْن حبَان : يروي الْمَنَاكِير عَن الْمَشَاهِير حتَّى إِذا سَمعهَا الْمُبْتَدِئ شهد لَهَا بِالْوَضْعِ .
قُلْتُ : ووراء هَذَا كُله عِلّة أُخْرَى وَهِي الِانْقِطَاع ، فَإِن مُعَاوِيَة بن قُرَّة لم يدْرك ابْن عمر .
قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي " علله " : سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ : عبد الرَّحِيم بن زيد مَتْرُوك الحَدِيث ، وَزيد الْعمي ضَعِيف الحَدِيث ، وَلَا يَصح هَذَا الحَدِيث عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . قَالَ : وسُئل أَبُو زرْعَة عَن هَذَا الحَدِيث أَيْضا فَقَالَ : هُوَ عِنْدِي حَدِيث واهٍ ، وَمُعَاوِيَة بن قُرَّة لم يلْحق ابْن عمر .
قُلْتُ لأبي : فإنَّ الرّبيع بن سُلَيْمَان حَدَّثَنَا بِهَذَا الحَدِيث عَن أَسد بن مُوسَى ، عَن سَلام بن سليم ، عَن زيد بن أسلم ، عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا . فَقَالَ : هُوَ سَلام الطَّوِيل وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث ، وَهُوَ زيد الْعمي وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث .
وَذكر هَذَا الحَدِيث الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي " الْمُسْتَدْرك " مستشهدًا بِهِ وسَمَّاه مُرْسلا ، وَهُوَ كَمَا قَالَ .
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مَوْصُولا من رِوَايَة أبي إِسْرَائِيل ، عَن زيد الْعمي ، [2/136] عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا كَمَا تقدم ، وَمن حَدِيث الْمسيب بن وَاضح ، عَن حَفْص بن ميسرَة ، عَن عبد الله بن دِينَار ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا بِنَحْوِ الَّذِي قبله . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ : تفرد بِهِ الْمسيب عَن حَفْص ، وَالْمُسَيب ضَعِيف .
قُلْتُ : وَقد وثق أَيْضا ، قَالَ أَبُو حَاتِم : صَدُوق . وَقَالَ ابْن عدي : كَانَ النَّسَائِيّ حسن الرَّأْي فِيهِ ، وَهُوَ مِمَّن يكْتب حَدِيثه
.
لَا جرم قَالَ الْحَافِظ عبد الْحق فِي " الْأَحْكَام " : هَذِه الطَّرِيق أحسن طرق الحَدِيث . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو جَعْفَر الْعقيلِيّ : فِي هَذَا الحَدِيث نظر .
وَقَالَ ابْن دحْيَة فِي كِتَابه " مرج الْبَحْرين " : انْفَرد بِهِ زيد بن الْحوَاري ، وَهُوَ حَدِيث لَا يَصح أصلا .
قُلْتُ : لم ينْفَرد بِهِ ، بل تَابعه مسعر بن كدام كَمَا تقدم .
قُلْتُ : وَلِلْحَدِيثِ طَريقَة أُخْرَى ، رَوَاهَا ابْن مَاجَه عَن جَعْفَر بن مُسَافر ، نَا إِسْمَاعِيل بن قعنب أَبُو بشر ، نَا عبد الله بن عَرَادَة [2/137] الشَّيْبَانِيّ ، عَن زيد بن الْحوَاري ، عَن مُعَاوِيَة بن قُرَّة ، عَن عبيد بن عُمَيْر ، عَن أبي بن كَعْب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - دَعَا بِمَاء فَتَوَضَّأ مرّة مرّة فَقَالَ : هَذَا وظيفةُ الوضُوءِ - أَو قَالَ : وضُوءٌ مَنْ لمْ يَتَوَضَّأه لمْ يقبل اللهُ لَهُ صَلاَةً - ثمَّ تَوَضَّأ مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ ثمَّ قَالَ : هَذَا وضُوءٌ مَنْ تَوَضَّأه أَعْطَاه اللهُ كِفْلَينِ مِنَ الأَجْرِ ، ثمَّ تَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا فَقَالَ : هَذَا وضُوئِي ووضُوءُ المُرْسَلِين قَبْلي " .
وَهَذِه الطَّرِيقَة لَا شكّ فِي اتصالها لَكِنَّهَا ضَعِيفَة لوَجْهَيْنِ :
أَحدهمَا : زيد بن الْحوَاري وَقد تقدم .
وَالثَّانِي : عبد الله بن عَرَادَة وَهُوَ واه ، قَالَ يَحْيَى : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ البُخَارِيّ : مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ النَّسَائِيّ : ضَعِيف . وَقَالَ ابْن عدي : عَامَّة مَا يرويهِ لَا يُتَابع عَلَيْهِ . وَقَالَ ابْن حبَان : كَانَ يقلب الْأَخْبَار ، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ . وَقَالَ الْعقيلِيّ فِي " تَارِيخه " بعد أَن سَاق هَذَا الحَدِيث بِإِسْنَادِهِ : هَذَا الحَدِيث فِيهِ نظر ، وَعبد الله بن عَرَادَة يُخَالف فِي حَدِيثه ويهم كثيرا .
فتلخص أَن هَذَا الحَدِيث من جَمِيع طرقه لَا يَصح .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابه " معرفَة السّنَن والْآثَار " : هَذَا الحَدِيث رُوِيَ [2/138] من أوجه كلهَا ضَعِيفَة .
وَقَالَ فِي " السّنَن الْكَبِير " : هَذَا الحَدِيث - يَعْنِي الأول - رَوَاهُ عبد الرَّحِيم بن زيد الْعمي عَن أَبِيه وَخَالَفَهُمَا غَيرهمَا ، وَلَيْسوا فِي الرِّوَايَة بأقوياء .
وَقَالَ فِي " خلافياته " : هَذَا حَدِيث غير ثَابت فَإِن زيد الْعمي لَيْسَ بِقَوي .
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْحَازِمِي : هَذَا الحَدِيث بِهَذَا الإِسناد لايعرف إلاَّ من جِهَة ابْن الْحوَاري وَهُوَ ضَعِيف الحَدِيث . قَالَ : وَقد رُوِيَ من أوجه عَن غير وَاحِد من الصَّحَابَة وَكلهَا ضَعِيفَة ، قَالَ : وَحَدِيث ابْن عمر فِي الْبَاب نَحْو حَدِيث أبي وَلَيْسَ فِي حَدِيثهمَا : "ووضوء خليلي إِبْرَاهِيم" .
وَاعْترض النَّوَوِيّ فِي "شرح الْمُهَذّب" عَلَى الْحَازِمِي فِي قَوْله : لَيْسَ فِي حَدِيثهمَا "ووضوء خليلي إِبْرَاهِيم" . فَقَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيح ، بل ذَلِكَ مَوْجُود فِي حَدِيث ابْن عمر ، رَوَاهُ أَبُو يعْلى الْموصِلِي فِي "مُسْنده" . كَذَلِك رَأَيْته فِيهِ .
قُلْتُ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الإِمام الشَّافِعِي رَحِمَهُ اللَّهُ .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي "معرفَة السّنَن والْآثَار" : قَالَ الشَّافِعِي فِي رِوَايَة حَرْمَلَة ، وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " أَنه تَوَضَّأ مرّة مرّة ثمَّ قَالَ : [2/139] هَذَا وضُوءٌ لَا يقبل اللهُ الصَّلاَةَ إِلاَّ بِهِ . ثمَّ تَوَضَّأ مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ ثمَّ قَالَ : مَنْ تَوضَّأَ مَرَّتَين آتاهُ اللهُ أَجْرَهُ مَرَّتين ثمَّ تَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا فَقَالَ : هَذَا وضُوئِي ووضُوءُ الأنبياءِ قَبْلي ، ووضُوءُ خلِيلِي إِبْرَاهيمَ " .
هَذَا لفظ رِوَايَة الشَّافِعِي .
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب فِي "تلخيصه" لَكِن قَالَ : "خَلِيل الله إِبْرَاهِيم" . وَهَذَا لَفظه : عَن ابْن عمر ، قَالَ : " تَوَضَّأ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مرّة مرّة فَقَالَ : هَذَا الوضُوءُ الذِي لاَ يقبل الله الصَّلاَة إِلاَّ بِهِ . ثمَّ تَوَضَّأ مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ فَقَالَ : هَذَا القصدُ مِنَ الوضُوءِ . ثمَّ تَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا فَقَالَ : هَذَا وضُوئِي ووضُوءُ خليلِ اللهِ إبراهيمَ ، ووضُوءُ الْأَنْبِيَاء قَبْلِي ، وهوَ وَظِيفَة الوضُوءِ ، فَمَنْ تَوَضَّأَ وضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَالَ : أَشْهَدُ أَن لَا إِلَه إلاَّ الله وأَشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورَسُولُهُ فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَة أَبْوَاب الْجنَّة يَدْخُل مِنْ أَيها شَاءَ " .
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أَوسط معاجمه" ، وَابْن مَاجَه فِي "سنَنه" بِلَفْظ : "ووضُوءُ خَلِيلِ اللهِ إِبْرَاهِيمَ" ، كَمَا تقدم فِي الطَّرِيق الأول .
فصحَّ حينئذٍ رِوَايَة المُصَنّف لهَذَا الحَدِيث بِهَذِهِ اللَّفْظَة .
وَلِلْحَدِيثِ أَيْضا طَريقَة ثَالِثَة :
قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي " علله " : سُئِلَ أَبُو زرْعَة عَن حَدِيث يَحْيَى بن مَيْمُون ، عَن ابْن جريج ، عَن عَطاء ، عَن عَائِشَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " فِي صفة الْوضُوء مرّة مرّة ، فَقَالَ : هَذَا الذِي افْتَرَضَ اللهُ عَلَيكُمْ . ثمَّ تَوَضَّأ مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ ، ثمَّ قَالَ : مَنْ ضَعَّفَ ضَعَّفَ اللهُ لَهُ . ثمَّ أَعَادَهُ ثَلَاثًا فَقَالَ : [2/140] هَذَا وضُوءنَا مَعْشَر الأَنْبَيَاء " فَقَالَ : هَذَا حَدِيث مُنكر واهٍ ضَعِيف .
ورابعة : عَن عَلّي بن الْحسن السَّامِي ، ثَنَا مَالك ، عَن ربيعَة ، عَن ابْن الْمسيب ، عَن زيد بن ثَابت ، وَأبي هُرَيْرَة ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " أَنه دَعَا بِمَاء فَتَوَضَّأ مرّة مرّة فَقَالَ : هَذَا الذِي لاَ يَقْبِل اللهُ العَمَلَ إِلاَّ بِهِ . وَتَوَضَّأ مرَّتَيْنِ فَقَالَ : هَذَا يُضَاعِفُ الأَجْرَ . وَتَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا فَقَالَ : هَذَا وضُوئِي ووضُوءُ الأنبياءِ قَبْلي " .
رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب فِي كتاب " أَسمَاء الروَاة عَن مَالك " بِإِسْنَادِهِ كَذَلِك ، ثمَّ قَالَ : تفرد بِهِ عَن مَالك عَلّي بن الْحسن السَّامِي وَغَيره أوثق مِنْهُ .
وَله طَريقَة خَامِسَة : ذكرهَا الْحَافِظ أَبُو عَلّي بن السكن فِي كِتَابه الْمُسَمَّى بـ "السّنَن الصِّحَاح المأثورة" ، عَن أنس قَالَ : " دَعَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِوضُوء فَغسل وَجهه مرّة ، وَيَديه مرّة ، وَرجلَيْهِ مرّة مرّة وَقَالَ : هَذَا وضُوء من لَا يَقْبَل اللهُ منهُ غَيره . ثمَّ مكث سَاعَة ودعا بِوضُوء فَغسل وَجهه وَيَديه وَرجلَيْهِ مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ ثمَّ قَالَ : هَذَا وضُوءُ مَنْ يُضَاعِفُ اللهُ لَهُ الأَجْرَ . ثمَّ مكث سَاعَة ثمَّ دَعَا بِوضُوء فَغسل وَجهه ثَلَاثًا وَيَديه ثَلَاثًا وَرجلَيْهِ ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ : هَذَا وضُوءُ نَبِيكُمْ ووضُوءُ النَّبيين قَبْلنا - أَو قَالَ : هَذَا وضُوءُ النَّبِيين قَبْلي " .
وَكَذَا ذكره بِإِسْقَاط مسح الرَّأْس فِي الْكل .
وَاعْلَم أَنه يُغني عَن كل هَذَا الحَدِيث فِي الدّلَالَة أَحَادِيث صَحِيحَة :
[2/141] أَحدهَا : عَن عُثْمَان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا " . رَوَاهُ مُسلم .
وَفِي رِوَايَة للبيهقي : " أَن عُثْمَان تَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، ثمَّ قَالَ لأَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : هَل رَأَيْتُمْ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فعل هَذَا ؟ قَالُوا : نعم " .
الثَّانِي : عَن عَلّي - كرَّم الله وَجهه - قَالَ : " تَوَضَّأ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثَلَاثًا ثَلَاثًا " .
رَوَاهُ أَحْمد ، وَالنَّسَائِيّ ، وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ : إِنَّه أحسن شَيْء فِي الْبَاب وَأَصَح .
وَفِي "سنَن ابْن مَاجَه" بِإِسْنَاد صَحِيح عَن شَقِيق بن سَلمَة قَالَ : " رَأَيْت عُثْمَان وعليًّا يتوضآن ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، ويقولان : هَكَذَا وضوء رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " .
الثَّالِث : عَن ابْن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَنه تَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَرفع ذَلِكَ إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - .
رَوَاهُ ابْن حبَان فِي "صَحِيحه" بِسَنَد صَحِيح .
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن ، وَفِيه الْوَلِيد بن مُسلم وَهُوَ [2/142] مُدَلّس لكنه صرح بِالتَّحْدِيثِ .
الرَّابِع : عَن أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا " .
رَوَاهُ الْبَزَّار وَقَالَ : لَا نعلمهُ يرْوَى عَن أبي هُرَيْرَة بِأَحْسَن من هَذَا الإِسناد . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي " الإِمام " : إِسْنَاده جيد .
قُلْتُ : وَصَححهُ ابْن جرير الطَّبَرِيّ فِي " تهذيبه " .
وَفِي الْبَاب غير ذَلِكَ من الْأَحَادِيث ، كَحَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب الْآتِي بعد هَذَا .
فَائِدَة مهمة : وَهِي : هَل فعل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - هَذَا الْوضُوء فِي مجْلِس وَاحِد أَو مجَالِس ؟
وليعلم أَن النَّوَوِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ نقل فِي "شرح الْمُهَذّب" عَن القَاضِي حُسَيْن أَنه حَكَى فِي تَعْلِيقه فِي ذَلِكَ خلافًا لِأَصْحَابِنَا ، فَمنهمْ من قَالَ : كَانَ ذَلِكَ فِي مجَالِس ؛ لِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِكَ فِي مجْلِس لصار غسل كل عُضْو سِتّ مَرَّات ، وَذَلِكَ مَكْرُوه . وَمِنْهُم من قَالَ : كَانَ ذَلِكَ فِي مجْلِس وَاحِد ، واغتفر ذَلِكَ لأجل التَّعْلِيم . وَرجح الرَّوْيَانِيّ من أَصْحَابنَا فِي "الْبَحْر" كَونه فِي مجْلِس .
قَالَ النَّوَوِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ : الظَّاهِر أَن هَذَا الْخلاف لم ينقلوه عَن رِوَايَة ، بل قَالُوهُ بِالِاجْتِهَادِ .
وَظَاهر رِوَايَة ابْن مَاجَه وَغَيره أَنه كَانَ فِي مجْلِس وَاحِد .
[2/143] قَالَ : وَهَذَا كالمتعين ؛ لِأَن التَّعْلِيم لَا يكَاد يحصل إِلَّا فِي مجْلِس .
قُلْتُ : وَرِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ الَّتِي قدمناها صَرِيحَة فِي كَونهَا فِي مجْلِس وَاحِد .
وَلم يظفر بهَا النَّوَوِيّ فَهِيَ رَافِعَة لهَذَا الْخلاف ، وَالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم
.