[2/207] الحَدِيث الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ
" أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مسح فِي وضوئِهِ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظاهرهما وباطنهما ، وَأدْخل أصبعيه فِي صماخي أُذُنَيْهِ " .
هَذَا الحَدِيث حسن ، مَرْوِيّ من طرق .
أَحدهَا : عَن الْمِقْدَام بن معدي كرب - رَضي اللهُ عَنهُ - قَالَ : " رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تَوَضَّأ ، فَلَمَّا بلغ مسح رَأسه وضع كفيه عَلَى مقدم رَأسه فأمَرَّهُما حَتَّى بلغ الْقَفَا ، ثمَّ ردهما إِلَى الْمَكَان الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ، وَمسح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما ، وَأدْخل أَصَابِعه فِي صماخ أُذُنَيْهِ " .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مَحْمُود بن خَالِد ، وَيَعْقُوب بن كَعْب الْأَنْطَاكِي قَالَا : ثَنَا الْوَلِيد بن مُسلم ، عَن حَريز - بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي فِي آخِره - بن عُثْمَان ، عَن عبد الرَّحْمَن بن ميسرَة ، عَن الْمِقْدَام بِهِ .
وَلابْن مَاجَه من هَذَا الحَدِيث " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مسح بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ، ظاهرهما وباطنهما " رَوَاهُ عَن هِشَام بن عمار ، نَا الْوَلِيد بن مُسلم ، نَا حريز بالسند الَّذِي قبله .
وَهَذَا حَدِيث سكت عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد وَعبد الحقّ فَيكون محتجًا بِهِ عِنْدهمَا ، إِمَّا صَحِيحا أَو حسنا عِنْد أبي دَاوُد ، وإمَّا صَحِيحا عِنْد عبد الحقّ .
[2/208] وَاعْترض ابْن الْقطَّان عَلَى عبد الْحق حَيْثُ سكت عَلَى هَذَا الحَدِيث بِوَجْهَيْنِ :
أَحدهمَا : أَن عبد الرَّحْمَن بن ميسرَة الرَّاوِي عَن الْمِقْدَام مَجْهُول الْحَال لَا يعرف رَوَى عَنهُ إِلَّا حريز بن عُثْمَان ، وَإِلَى ذَلِكَ ؛ فَإِن حريز بن عُثْمَان كَانَ لَهُ - فِيمَا زَعَمُوا - رَأْي سوء فِي الصَّحَابَة .
الثَّانِي : أَن فِيهِ الْوَلِيد بن مُسلم ، وَكَانَ يُدَلس وَيُسَوِّي ، وَلم يقل فِي هَذَا الحَدِيث "أَنا" وَلَا "ثَنَا" وَلَا "سَمِعت" وَلَا ذكر عَن حريز أنَّه قَالَ ذَلِكَ ، فَمن حَيْثُ هُوَ مُدَلّس يُمكن أَن يكون قد أسقط بَينه وَبَين حريز وَاسِطَة ، وَمن حَيْثُ هُوَ مسوٍّ يُمكن أَن يكون قد اسقط بَين حريز وَبَين عبد الرَّحْمَن بن ميسرَة وَاسِطَة ، وَلَقَد زعم الدَّارَقُطْنِيّ أنَّه كَانَ يفعل هَذَا فِي أَحَادِيث الْأَوْزَاعِيّ ، يعمد إِلَى أَحَادِيث رَوَاهَا الْأَوْزَاعِيّ ، عَن أَشْيَاخ لَهُ ضعفاء ، عَن أشيخ لَهُ ثِقَات ، فَيسْقط الضُّعَفَاء من الْوسط ويرويها عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن أشياخه الثِّقَات كَأَنَّهُ سَمعهَا مِنْهُم .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي " الإِمَام " : وَيُمكن أَن يُقَال بِسُقُوط وصمة التَّدْلِيس والتسوية جَمِيعًا . فقد قَالَ فِيهِ أَبُو دَاوُد : من رِوَايَة مَحْمُود بن خَالِد ، نَا الْوَلِيد ، أَخْبرنِي حريز - ثمَّ أحَال أَبُو دَاوُد فِيمَا بعد عَلَيْهِ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ ، عَن مُحَمَّد بن مَيْمُون الْبَغْدَادِيّ ، نَا الْوَلِيد بن مُسلم ، ثَنَا حريز بن عُثْمَان - وَرَوَاهُ أَبُو الْمُغيرَة ، عَن حريز ، حَدَّثَني عبد الرَّحْمَن بن ميسرَة الْحَضْرَمِيّ ، قَالَ : سَمِعت الْمِقْدَام ... فَذكره ، فَالْحَدِيث إِسْنَاده وَاحِد اخْتلف فِي بعض أَلْفَاظه وَفِي اختصاره وإكماله ، [2/209] فَإِذا كَانَ كَذَلِك فبرواية مَحْمُود عَن الْوَلِيد - وَكَذَلِكَ رِوَايَة مُحَمَّد بن عبد الله الْبَغْدَادِيّ عَنهُ - يَزُول التَّدْلِيس ، وبرواية أبي الْمُغيرَة عَن حريز تَزُول التَّسْوِيَة .
قلت : وَكَذَلِكَ رِوَايَة هِشَام بن عمار ، عَن الْوَلِيد الْمُتَقَدّمَة عَن ابْن مَاجَه مِمَّا يزِيل التَّدْلِيس ، وَلم يجب الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين - رَحِمَهُ اللَّهُ - إِلَّا عَن الْوَجْه الثَّانِي من اعْتِرَاض ابْن الْقطَّان ، وأمَّا الْوَجْه الأوَّل : فَالْجَوَاب عَنهُ أنَّ عبد الرَّحْمَن بن ميسرَة لَيْسَ بِمَجْهُول ؛ بل هُوَ مَعْرُوف ثِقَة ، ذكره أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي " ثقاته " وَقَوله : "إنَّه لَا يعرف رَوَى عَنهُ إِلَّا حريز" لَيْسَ كَذَلِك ؛ فقد رَوَى عَنهُ ثَوْر بن يزِيد ، ذكره الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي "تهذيبه" فقد ارْتَفَعت عَنهُ جَهَالَة عينه وحاله ، فَإِذا الحَدِيث حسن .
لَا جرم أَن الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح قَالَ فِي "كَلَامه عَلَى الْمُهَذّب" : إنَّه حَدِيث حسن وَتَبعهُ عَلَى ذَلِكَ النَّوَوِيّ فِي "شرح المهذَّب" .
وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي "الْخُلَاصَة" : رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح ، لَكِن وَقع لَهما - رَحْمَة الله عَلَيْهِمَا - سَهْو فِي هَذَا الحَدِيث ؛ فعزياه إِلَى "سنَن النَّسَائِيّ" وَلَيْسَ هُوَ فِيهِ بِالْكُلِّيَّةِ ، فَتنبه لذَلِك واحفظه ؛ فإنِّي مَا جزمت بذلك إلاَّ بعد تتبع الْأُصُول ، وَلم يعزه أَيْضا أحد من [2/210] أَصْحَاب الْأَطْرَاف إِلَيْهِ .
والمقدام : بِالْمِيم فِي آخِره ، وإنَّما قيدته ؛ لِئَلَّا يتصحف عَلَى من لَا أنس لَهُ بِهَذَا الْفَنّ بالمقداد - بِالدَّال فِي آخِره .
وكَرِب : بِفَتْح الْكَاف وَكسر الرَّاء ، وَيجوز صرفه وَترك صرفه ، وَجْهَان لأهل الْعَرَبيَّة ، وَفِيه وَجه ثَالِث ، أَن الْبَاء مَضْمُومَة بكلّ حَال ، وياء "معدي" سَاكِنة بِكُل حَال .
الطَّرِيق الثَّانِي : عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل ، عَن الرّبيع بنت معوذ - رَضي اللهُ عَنهُا - : " أنَّ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تَوَضَّأ وَأدْخل أصبعيه فِي حجري أُذُنَيْهِ " .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْن مَاجَه بِهَذَا اللَّفْظ ، وَالتِّرْمِذِيّ وَلَفظه : " مسح رَأسه مَا أقبل وَمَا أدبر وصدغيه وَأُذُنَيْهِ مرّة وَاحِدَة " وَالْبَيْهَقِيّ وَلَفظه : " أنَّ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تَوَضَّأ فَأدْخل أصبعيه فِي أُذُنَيْهِ " وَالْحَاكِم فِي "الْمُسْتَدْرك" وَلَفظه : " أنَّ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مسح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما " .
قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح . وَقَالَ الْحَاكِم : لم يحْتَجَّا - يَعْنِي : البُخَارِيّ وَمُسلمًا - بِابْن عقيل وَهُوَ مُسْتَقِيم الحَدِيث مقدم فِي الشّرف . وَقد تقدم قَرِيبا كَلَام الْأَئِمَّة فِي ابْن عقيل هَذَا ، وعقدنا لَهُ فصلا فِي الحَدِيث الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ .
[2/211] وَقَالَ ابْن الْقطَّان : إِسْنَاده صَحِيح إِلَى ابْن عقيل .
الطَّرِيق الثَّالِث : عَن أنس - رَضي اللهُ عَنهُ - : " أنَّ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تَوَضَّأ فَمسح بَاطِن أُذُنَيْهِ وظاهرهما " .
رَوَاهُ الْحَاكِم فِي "الْمُسْتَدْرك" من حَدِيث زَائِدَة ، عَن سُفْيَان بن سعيد ، عَن حميد الطَّوِيل ، عَن أنس بِهِ . قَالَ : وَكَانَ ابْن مَسْعُود يَأْمر بذلك .
قَالَ الْحَاكِم : وزائدة بن قدامَة ثِقَة مَأْمُون ، قد أسْندهُ عَن الثَّوْريّ . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن صاعد ، عَن بنْدَار ، عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ ، نَا حميد ، عَن أنس " أنَّه كَانَ يتَوَضَّأ ، فَمسح أُذُنَيْهِ ظاهرهما وباطنهما ثمَّ قَالَ : رَأَيْت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فعل ذَلِكَ " قَالَ ابْن صاعد : هَكَذَا يَقُول الثَّقَفِيّ ، وَغَيره يرويهِ عَن أنس عَن ابْن مَسْعُود من فعله .
ثمَّ خرجه من طَرِيق هشيم عَن حميد الطَّوِيل قَالَ : " رَأَيْت أنس بن مَالك يتَوَضَّأ فَمسح أُذُنَيْهِ ظاهرهما وباطنهما ، ثمَّ قَالَ : إِن ابْن مَسْعُود كَانَ يَأْمر بالأذنين " .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من فعل أنس من طَرِيقين ، وَلم يذكر رِوَايَة الرّفْع ، وَهِي صَحِيحَة .
[2/212] قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي " الإِمام " : رجال رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ كلهم ثِقَات ، وَبُنْدَار فَمن فَوْقه من رجال "الصَّحِيحَيْنِ" قَالَ : وَكَأن الْحَاكِم لم يعلله بِرِوَايَة من وَقفه . وَرِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تؤيّدها .
الطَّرِيق الرَّابِع : عَن إِسْرَائِيل ، عَن عَامر بن شَقِيق ، عَن شَقِيق بن سَلمَة قَالَ : " رَأَيْت عُثْمَان - رَضي اللهُ عَنهُ - تَوَضَّأ فَمسح رَأسه وَأُذُنَيْهِ ظاهرهما وباطنهما ، وَقَالَ : إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صنع كَمَا صنعت " رَوَاهُ الدَّارمِيّ فِي "مُسْنده" بِهَذَا اللَّفْظ ، وَأحمد ، وَالْحَاكِم ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَسبق بلفظهم فِي الحَدِيث السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ .
الطَّرِيق الْخَامِس : عَن عَمْرو بن شُعَيْب ، عَن أَبِيه ، عَن جده " أنَّ رجلا أَتَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : كَيفَ الطّهُور ؟ فَدَعَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِمَاء فَتَوَضَّأ فَأدْخل أصبعيه السبابتين فِي أُذُنَيْهِ ، فَمسح بإبهاميه ظَاهر أُذُنَيْهِ وبالسبابتين باطنهما " .
رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ ، وَبَقِي من طرق هَذَا الحَدِيث طَريقَة صَحِيحَة ، سنذكرها بعد هَذَا الحَدِيث حَيْثُ ذكرهَا المُصَنّف - إِن شَاءَ الله تَعَالَى .