[2/217] بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
( رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا )
الحَدِيث السَّادِس وَالْأَرْبَعُونَ
رُوِيَ " أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أمسك سبابتيه وإبهاميه عَن الرَّأْس لمسح الْأُذُنَيْنِ ، فَمسح بسبابتيه باطنهما وبإبهاميه ظاهرهما " .
هَذَا الحَدِيث هَكَذَا ذكره الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فِي "الْمُهَذّب" وَلَفظه " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مسح بِرَأْسِهِ وَأمْسك بمسبحتيه لأذنيه " .
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ابْن الصّلاح فِي " كَلَامه عَلَى الْمُهَذّب " : إِن هَذَا الحَدِيث لَا يُعرف وَلَا يثبت . قَالَ : وتوهم أَبُو بكر الْحَازِمِي - من حفاظ الْعَصْر - فِيمَا خرجه من أَحَادِيث "الْمُهَذّب" أَن مَعْنَاهُ مَوْجُود فِي حَدِيث الرّبيع بنت معوذ الَّذِي رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْهَا قَالَت : " رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تَوَضَّأ فَمسح مقدم رَأسه ومؤخره وصدغيه ، ثمَّ أَدخل أصبعيه السبابتين ، فَمسح أُذُنَيْهِ ظاهرهما وباطنهما " .
قَالَ : وَهَذَا وهم من الْحَازِمِي ؛ فَإِنَّهُ لَا دلَالَة فِي هَذَا عَلَى مَا أوردهُ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق من أَنه مسح الْأُذُنَيْنِ بِغَيْر المَاء الَّذِي مسح بِهِ رَأسه [2/218] قَالَ : وَهَاهُنَا نُكْتَة خفيت عَلَى أهل الْعِنَايَة بالمهذب ، وَهِي أَن مُصَنفه رَجَعَ عَن الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الحَدِيث وأسقطه من الْمُهَذّب فَلم يفد ذَلِك بعد انتشار الْكتاب . قَالَ : وَوجدت بِخَط بعض تلامذته فِي هَذِه الْمَسْأَلَة من تَعْلِيقه عَلَى الْحَاشِيَة عِنْد استدلاله بِهَذَا الحَدِيث قَالَ الشَّيْخ : لَيْسَ لَهُ أصل فِي السّنَن ، فَيجب أَن تضربوا عَلَيْهِ فِي "الْمُهَذّب" فَإِنِّي صنفته من عشر سِنِين ، وَمَا عَرفته . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين : وَبَلغنِي أَن هَذَا الحَدِيث مَضْرُوب عَلَيْهِ فِي أصل المُصَنّف الَّذِي هُوَ بِخَطِّهِ .
وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي " شرح الْمُهَذّب " : هَذَا الحَدِيث مَوْجُود فِي بعض نسخ الْمُهَذّب الْمَشْهُورَة وَلَيْسَ مَوْجُودا فِي بعض النّسخ الْمُعْتَمدَة . قَالَ : وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف أَو بَاطِل لَا يعرف . وَجزم فِي " الْخُلَاصَة " بضعفه .
قلت : ورد من حَدِيث ابْن عَبَّاس من طرق عَنهُ مَا ظَاهرهَا لما رده هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة ، رَوَى الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" عَن عَلّي بن أَحْمد [2/219] ابن عَبْدَانِ الْأَهْوَازِي ، أَنا أَحْمد بن عبيد الصفار ، نَا إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق ، ثَنَا عَلّي بن الْمَدِينِيّ ، نَا عبد الله بن إِدْرِيس ، نَا مُحَمَّد بن عجلَان ، عَن زيد بن أسلم ، عَن عَطاء بن يسَار ، عَن ابْن عَبَّاس - رَضي اللهُ عَنهما - " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تَوَضَّأ فغرف غرفَة ؛ فَمَضْمض واستنشق ..." وَذكر الحَدِيث وَقَالَ : "ثمَّ أَخذ شَيْئا من مَاء فَمسح بِهِ رَأسه ، وَقَالَ : بالوسطيين من أَصَابِعه فِي بَاطِن أُذُنَيْهِ والإبهامين من وَرَاء أُذُنَيْهِ " .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : قَالَ أَصْحَابنَا : فَكَأَنَّهُ كَانَ يعْزل من كل يَد أصبعين ؛ فَإِذا فرغ من مسح الرَّأْس مسح بهما أُذُنَيْهِ قَالَ : وَقد رُوِيَ فِي هَذَا الحَدِيث " مسح أُذُنَيْهِ داخلهما بالسبابتين وَخَالف بإبهاميه فَمسح باطنهما وظاهرهما " .
قلت : وَهَذِه الزِّيَادَة رَوَاهَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة فِي "مُصَنفه" وَمن جِهَته أخرجه أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي "صَحِيحه" فَإِنَّهُ أخرجه عَن أَحْمد بن عَلّي بن الْمثنى ، نَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة ، نَا ابْن إِدْرِيس ، عَن [2/220] ابْن عجلَان ، عَن زيد بن أسلم ، عَن عَطاء بن يسَار ، عَن ابْن عَبَّاس " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تَوَضَّأ فغرف غرفَة فَغسل وَجهه ، ثمَّ غرف غرفَة فَغسل يَده الْيُمْنَى ثمَّ غرف غرفَة فَغسل يَده الْيُسْرَى ثمَّ غرف غرفَة فَمسح بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ داخلهما بالسبابتين ، وَخَالف بإبهاميه إِلَى ظَاهر أُذُنَيْهِ فَمسح ظاهرهما وباطنهما ، ثمَّ غرف غرفَة فَغسل رجله الْيُمْنَى ، ثمَّ غرف غرفَة فَغسل رجله الْيُسْرَى " .
وَرَوَاهُ ابْن مَنْدَه الْحَافِظ أَيْضا من حَدِيث ابْن إِدْرِيس أَيْضا عَن مُحَمَّد بن عجلَان ، عَن زيد بن أسلم ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تَوَضَّأ فَمسح رَأسه وَأُذُنَيْهِ ..." فَقَالَ : "بالوسطى من أَصَابِعه فأبطن بأذنيه" . وَقَالَ : "بالإبهامين من وَرَاء أُذُنَيْهِ " .
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من الطَّرِيق الْمَذْكُورَة ، وَلَفظه : " ثمَّ مسح رَأسه وَأُذُنَيْهِ باطنهما بالسبابتين وظاهرهما بإبهاميه " .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي " الإِمَام " : ابْن عجلَان أخرج لَهُ مُسلم ، وَبَاقِي إِسْنَاده لَا يسْأَل عَنهُ . وَقد أخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي "صَحِيحه" من الطَّرِيق الْمَذْكُورَة ، وَلَفظه عَن ابْن عَبَّاس " رَأَيْت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يتَوَضَّأ ..." فَذكر الحَدِيث وَفِيه "وغرف غرفَة فَمسح رَأسه وباطن أُذُنَيْهِ وظاهرهما ، وَأدْخل أصبعيه فيهمَا " .
[2/221] قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين : قَالَ ابْن مَنْدَه : لَا يعرف مسح الْأُذُنَيْنِ من وَجه يثبت إِلَّا من هَذِه الطَّرِيق .
قلت : فَهَذِهِ الطّرق الصَّحِيحَة ظَاهِرَة فِيمَا قصدناه ، وَقَالَ ابْن الرّفْعَة فِي " الْمطلب " عقب كَلَام ابْن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ : وَأَنا أَقُول الْخَبَر إِن لم يكن بِهَذَا اللَّفْظ مَذْكُورا فِي كتب الحَدِيث فَفِيهَا مَا ينطبق ظَاهره عَلَى مَعْنَاهُ . ثمَّ سَاق حَدِيث الْمِقْدَام بن معدي كرب ، وَهُوَ الحَدِيث الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ الْمُتَقَدّم ، وَقد قدمْنَاهُ أَيْضا فِي الحَدِيث الَّذِي قبله أَنه صَحَّ عَنهُ " أَنه أَخذ لأذنيه مَاء جَدِيدا " .