الحَدِيث الثَّانِي : عَن عمر - رَضي اللهُ عَنهُ - أَيْضا قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " من تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ قَالَ : أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله ، اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من التوابين واجعلني من المتطهرين . فتحت لَهُ ثَمَانِيَة أَبْوَاب الْجنَّة يدْخل من أَيهَا شَاءَ " . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عمرَان الثَّعْلَبِيّ الْكُوفِي ، نَا زيد بن حبَان ، عَن مُعَاوِيَة بن صَالح ، عَن ربيعَة بن يزِيد الدِّمَشْقِي ، عَن أبي إِدْرِيس الْخَولَانِيّ ، وَأبي عُثْمَان ، عَن عمر . . فَذكره .
قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث فِي إِسْنَاده اضْطِرَاب ، وَلَا يَصح عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي هَذَا الْبَاب كَبِير شَيْء قَالَ مُحَمَّد : وَأَبُو إِدْرِيس لم يسمع من عمر شَيْئا .
قلت : وَطَرِيق حَدِيث مُسلم الْمُتَقَدّمَة سَالِمَة من هَذَا الِاعْتِرَاض ؛ [2/286] فَإِنَّهُ ذكرهَا عَن ربيعَة ، عَن أبي إِدْرِيس ، وَأبي عُثْمَان ، عَن جُبَير بن نفير ، عَن عقبَة . وَطَرِيق التِّرْمِذِيّ هَذِه معللة بالانقطاع بَين أبي إِدْرِيس وَعمر ، وَذكر الْحَافِظ عبد الْحق فِي " الْأَحْكَام " هَذَا الحَدِيث وَسكت عَنهُ وَاعْترض عَلَيْهِ ابْن الْقطَّان وَقَالَ : سكت عَنهُ مصححًا لَهُ وَهُوَ مُنْقَطع . قَالَ التِّرْمِذِيّ فِي " علله " : سَأَلت مُحَمَّدًا عَنهُ فَقَالَ : هُوَ خطأ ، إِنَّمَا هُوَ مُعَاوِيَة بن صَالح ، عَن ربيعَة بن يزِيد ، عَن أبي إِدْرِيس ، عَن عقبَة ، عَن عمر وَمُعَاوِيَة ، عَن ربيعَة بن يزِيد ، عَن أبي عُثْمَان ، عَن جُبَير بن نفير ، عَن عمر . قَالَ : وَلَيْسَ لأبي إِدْرِيس سَماع من عمر . قلت : من أَبُو عُثْمَان هَذَا ؟ قَالَ : شيخ لم أعرفهُ . وَقد نَص التِّرْمِذِيّ فِي " جَامعه " عَلَى أَن أَبَا إِدْرِيس لم يسمع من عمر ، وَالْقَوْل بِأَن أَبَا عُثْمَان لم يسمعهُ من عمر هُوَ لأجل إِدْخَال جُبَير بن نفير بَينهمَا .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي " الإِمَام " : لمن صَححهُ أَن يَجْعَل رِوَايَة أبي إِدْرِيس وَأبي عُثْمَان عَن عمر مُرْسلَة ، وَيَأْخُذ بِالزِّيَادَةِ فِي إِثْبَات عقبَة [2/287] ابن عَامر بَين أبي إِدْرِيس وَعمر ، وَإِثْبَات جُبَير بن نفير بَين أبي عُثْمَان وَعمر ، فَإِن الْأَخْذ بِالزَّائِدِ أولَى . قَالَ : وَلما أخرجه ابْن مَنْدَه قَالَ : هَذَا حَدِيث مَشْهُور من طرق عَن عقبَة بن عَامر ، وَعَن عمر بن الْخطاب ، أخرجه مُسلم ، وَهُوَ صَحِيح عَلَى رسم أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ ، وَلم يُخرجهُ البُخَارِيّ ، وَفِيه زيادات .
قَالَ النَّوَوِيّ فِي "شرح الْمُهَذّب" : وَرويت الزِّيَادَة الَّتِي زَادهَا التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة جمَاعَة من الصَّحَابَة غير عمر .
الحَدِيث الثَّالِث : عَن ثَوْبَان - رَضي اللهُ عَنهُ - قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " من تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ رفع بَصَره إِلَى السَّمَاء فَقَالَ : أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ ، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله . فتحت لَهُ أَبْوَاب الْجنَّة يدْخل من أَيهَا شَاءَ " .
رَوَاهُ أَبُو بكر الْبَزَّار فِي "سنَنه" - كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "الإِمَام" - قَالَ الْبَزَّار : لَا نعلمهُ يرْوَى عَن ثَوْبَان إِلَّا من هَذَا الْوَجْه .
قلت : ورأيته فِي أَوَائِل الْجُزْء الثَّانِي انتقاء الدَّارَقُطْنِيّ ثمَّ قَالَ عقبه : هَذَا حَدِيث غَرِيب من حَدِيث أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن ، تفرد بِهِ أَبُو سعد الْبَقَّال سعيد بن الْمَرْزُبَان .
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" من الطَّرِيق الْمَذْكُورَة [2/288] وَلَفظه : " من تَوَضَّأ فَقَالَ : أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله . فتحت لَهُ أَبْوَاب الثَّمَانِية من الْجنَّة يدْخل من أَيهَا شَاءَ " .
وَرَوَاهُ المستغفري فِي الدَّعْوَات بِلَفْظ : " من تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ قَالَ : أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ، اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من التوابين واجعلني من المتطهرين ..." الحَدِيث .
الحَدِيث الرَّابِع : عَن أنس بن مَالك - رَضي اللهُ عَنهُ - أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " من تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ قَالَ ثَلَاث مَرَّات : أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله . فتحت لَهُ ثَمَانِيَة أَبْوَاب الْجنَّة من أَيهَا شَاءَ دخل " .
رَوَاهُ ابْن مَاجَه ، وَابْن السّني فِي "عمل يَوْم وَلَيْلَة" وَفِي إِسْنَاده : زيد الْعمي ، وَقد تقدم أَقْوَال الْأَئِمَّة فِيهِ فِي الْبَاب .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "الإِمَام" : وَأخرجه المستغفري فِي الدَّعْوَات وَقَالَ : هَذَا حَدِيث حسن .
قلت : رَأَيْته فِيهِ ، وَأخرجه أَحْمد فِي "الْمسند" بالسند الْمَذْكُور وَأسْقط "أشهد" من الثَّانِيَة ، وَقَالَ : "فتح لَهُ من الْجنَّة ثَمَانِيَة أَبْوَاب من أَيهَا شَاءَ دخل" .
الحَدِيث الْخَامِس : عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ - رَضي اللهُ عَنهُ - أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " من تَوَضَّأ فَقَالَ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت ، [2/289] أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك . كتب فِي رق ثمَّ طبع بِطَابع فَلم يكسر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة " .
رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي "الْيَوْم وَاللَّيْلَة" هَكَذَا من حَدِيث يَحْيَى بن كثير أبي غَسَّان ، عَن شُعْبَة ، عَن أبي هَاشم ، عَن أبي مجلز ، عَن قيس بن عباد ، عَن أبي سعيد . ثمَّ رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن بشار ، عَن مُحَمَّد ، عَن شُعْبَة ، عَن أبي هَاشم قَالَ : سَمِعت أَبَا مجلز يحدث عَن قيس بن عباد ، عَن أبي سعيد قَالَ : "مَا من مُسلم يتَوَضَّأ وَيَقُول : سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك ..." ذكره مَوْقُوفا .
وَإسْنَاد هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ - أَعنِي المرفوعة والموقوفة - صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم لَا نعلم طَعنا فِي وَاحِد من رِجَاله ، بل هم أَئِمَّة أَعْلَام ثِقَات .
وَرَوَاهُ المستغفري فِي "دعواته" " من قَالَ إِذا تَوَضَّأ : بِسم الله . وَإِذا فرغ قَالَ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ، أستغفرك [2/290] وَأَتُوب إِلَيْك . طبع عَلَيْهَا بِطَابع ، وَوضعت تَحت الْعَرْش ، فَلَا تكسر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة " .
وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن أبي سعيد مَوْقُوفَة " من تَوَضَّأ ففرغ من وضوئِهِ فَقَالَ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك ، أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت ، أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك . ختم عَلَيْهَا بِخَاتم ثمَّ وضعت تَحت الْعَرْش فَلَا يكسر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة " .
ثمَّ قَالَ : هَذَا الحَدِيث رَفعه قيس وَوَقفه سُفْيَان الثَّوْريّ . وَقَالَ الطَّبَرَانِيّ فِي "أَوسط معاجمه" بعد أَن رَوَاهُ : لم يروه مَرْفُوعا عَن شُعْبَة إِلَّا يَحْيَى بن كثير . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْخَبَر الأول من فَوَائِد أبي إِسْحَاق الْمُزَكي من حَدِيث عِيسَى بن شُعَيْب ، عَن روح بن الْقَاسِم ، عَن أبي هَاشم مَرْفُوعا . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : وَهُوَ غَرِيب عَن روح بن الْقَاسِم ، تفرد بِهِ عِيسَى بن شُعَيْب . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث "الْمُهَذّب " : هَذَا حَدِيث حسن . وَقَالَ الْحَازِمِي : إِسْنَاده حسن ثَابت وَقد رُوِيَ مَرْفُوعا ، وَرَفعه ضَعِيف .
قلت : حكمه عَلَى رِوَايَة الرّفْع بالضعف خطأ
، وَكَذَلِكَ قَول ابْن الصّلاح فِيهِ : " رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد لَيْسَ بِالْقَوِيّ " لَيْسَ بجيد مِنْهُ ، [2/291] وَكَذَلِكَ حكم النَّوَوِيّ فِي " الْأَذْكَار " و" الْخُلَاصَة " عَلَيْهِ بالضعف لَا يقبل ، وَأغْرب من ذَلِك قَوْله فِي " شرح الْمُهَذّب " : رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي "عمل الْيَوْم وَاللَّيْلَة" بِإِسْنَاد غَرِيب ضَعِيف ، رَوَاهُ مَرْفُوعا وموقوفًا عَلَى أبي سعيد ، وَكِلَاهُمَا ضَعِيف الْإِسْنَاد . هَذَا لَفظه ، وواعجباه ؛ كَيفَ يكون إِسْنَاده غَرِيبا أَو ضَعِيفا ؟ ! فرجاله أَئِمَّة أَعْلَام ثِقَات ، وهاك سبر أَحْوَالهم لنقضي الْعجب من هَذِه المقالات ونثلج إِلَى قَلْبك الْيَقِين .
أما يَحْيَى بن كثير أَبُو غَسَّان فَأخْرج لَهُ الشَّيْخَانِ وَبَاقِي الْكتب السِّتَّة وَهُوَ ثِقَة . وَأما شُعْبَة فَهُوَ ابْن الْحجَّاج الْعَتكِي الْحَافِظ أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث أخرج لَهُ السِّتَّة أَيْضا . وَأما أَبُو هَاشم فَهُوَ الرماني الوَاسِطِيّ اسْمه : يَحْيَى ، وَقيل : نَافِع ، ثِقَة أخرج لَهُ السِّتَّة أَيْضا . وأما أَبُو مجلز فاسمه لَاحق بن حميد السدُوسِي ثِقَة أخرج لَهُ السِّتَّة أَيْضا . وَأما قيس بن عباد فَهُوَ الْقَيْسِي أَبُو عبد الله ثِقَة مُتَألِّه ، أخرجُوا لَهُ ماعدا التِّرْمِذِيّ .
هَذَا حَال رِوَايَة الرّفْع ، وَأما رِوَايَة الْوَقْف فمحمد بن بشار هُوَ الْحَافِظ ، أخرج لَهُ السِّتَّة وَبَاقِي الْإِسْنَاد مثل الأول فَهَذَا الْإِسْنَاد من [2/292] طريقيه كَالشَّمْسِ لَا جرم أخرجه الْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" فِي فَضَائِل الْقُرْآن فِي ذكر فَضَائِل سور وآي مُتَفَرِّقَة عَن أبي الْحُسَيْن أَحْمد بن عُثْمَان الْمُقْرِئ ، نَا أَبُو قلَابَة عبد الْملك بن مُحَمَّد ، ثَنَا يَحْيَى بن كثير ، نَا شُعْبَة ، عَن أبي هَاشم ، عَن أبي مجلز ، عَن قيس بن عباد ، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : " من قَرَأَ سُورَة الْكَهْف كَمَا أنزلت كَانَت لَهُ نورا يَوْم الْقِيَامَة من مقَامه إِلَى مَكَّة ، وَمن قَرَأَ عشر آيَات من آخرهَا ثمَّ خرج الدَّجَّال لم يُسَلط عَلَيْهِ ، وَمن تَوَضَّأ ثمَّ قَالَ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك ، لَا إِلَه إِلَّا أَنْت أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك . كتب برق ثمَّ طبع بِطَابع فَلم يكسر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة " . ثمَّ قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . قَالَ : سُفْيَان الثَّوْريّ رَوَاهُ عَن أبي هَاشم فَوَقفهُ . ثمَّ أخرجه عَن الْقطيعِي ، عَن عبد الله بن أَحْمد ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن مهْدي ، عَن سُفْيَان ، عَن أبي هَاشم ، عَن أبي مجلز ، عَن قيس بن عباد ، عَن أبي سعيد قَالَ : "من قَرَأَ سُورَة الْكَهْف ..." فَذكر نَحوه .
وَرَأَيْت فِي " علل الدَّارَقُطْنِيّ " أَن وقف هَذَا الحَدِيث هُوَ الصَّوَاب .
وَعَن النَّسَائِيّ أَن رَفعه خطأ وَأَن الصَّوَاب وَقفه ، وَلَك أَن [2/293] تَقول : أَي دَلِيل عَلَى صَوَاب رِوَايَة الْوَقْف وَخطأ رِوَايَة الرّفْع ، ورواة هَذِه هم رُوَاة هَذِه ؟ وَالْحق - إِن شَاءَ الله - الَّذِي لَا يَتَّضِح غَيره أَن رِوَايَة الرّفْع صَرِيحَة صَحِيحَة كَمَا قَرَّرْنَاهُ .
"الطابع" الْمَذْكُور فِي الحَدِيث : بِفَتْح الْبَاء وَكسرهَا لُغَتَانِ فصيحتان ، وَهُوَ الْخَاتم ، وَمَعْنى طبع : ختم . و"الرَق" الْمَذْكُور فِيهِ مَفْتُوح الرَّاء .
وَقَوله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : "فَلم يكسر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة" مَعْنَاهُ لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ إبِْطَال وإحباط
.