الحَدِيث السَّابِع
عَن جَابر - رَضي اللهُ عَنهُ - قَالَ : " نَهَانَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن نستقبل الْقبْلَة بفروجنا ، ثمَّ رَأَيْته قبل مَوته بعام مُسْتَقْبل الْقبْلَة " .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار فِي "مسنديهما" ، وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه فِي "سُنَنهمْ" ، وَابْن الْجَارُود فِي "الْمُنْتَقَى" ، وَإِمَام الْأَئِمَّة مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي "صَحِيحَيْهِمَا" ، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي "الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ" ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" و"خلافياته" وَفِي لفظ بَعضهم زِيَادَة : "أَو تستدبر" بعد "وَأَن نستقبل الْقبْلَة" .
وَلَفظ ابْن حبَان " كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ينهانا أَن نستقبل الْقبْلَة [2/308] ونستدبرها بفروجنا إِذا أهرقنا المَاء ، ثمَّ رَأَيْته قبل مَوته بعام يَبُول مُسْتَقْبل الْقبْلَة " .
قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي "الخلافيات" : قَالَ التِّرْمِذِيّ : سَأَلت مُحَمَّدًا - يَعْنِي : البُخَارِيّ - عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ : حَدِيث صَحِيح . وَكَذَا نقل هَذِه الْمقَالة عَن البُخَارِيّ عبد الْحق فِي "الْأَحْكَام " ، وَقَالَ الْبَزَّار : هَذَا الحَدِيث لَا نعلم يرْوَى عَن جَابر بِهَذَا اللَّفْظ بِإِسْنَاد أحسن من هَذَا الْإِسْنَاد . وَذكره ابْن السكن فِي "سنَنه الصِّحَاح المأثورة" ، وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . وَفِي كَونه عَلَى شَرطه نظر ؛ لِأَن فِي إِسْنَاده : ابْن إِسْحَاق ، وَلم يحْتَج بِهِ مُسلم إِنَّمَا أخرج لَهُ مُتَابعَة ، وَقَالَ النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي " كَلَامه عَلَى سنَن أبي دَاوُد " : فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث ابْن إِسْحَاق عَن أبان ، وَابْن إِسْحَاق مُدَلّس ، والمدلس إِذا قَالَ : "عَن" لَا يحْتَج بِهِ ، فَكيف حسنه التِّرْمِذِيّ ؟ ! وَأجَاب عَن هَذَا بِأَن قَالَ : لَعَلَّه اعتضدا وَعلم أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ بطرِيق آخر أَن ابْن إِسْحَاق سَمعه من أبان .
قلت : زَالَ هَذَا الْإِشْكَال والتَّمَنِّي بِأَن أَحْمد فِي "الْمسند" ، وَابْن الْجَارُود فِي "الْمُنْتَقَى" ، وَابْن حبَان فِي "صَحِيحه" ، وَالْحَاكِم فِي "الْمُسْتَدْرك" ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ قَالُوا كلهم فِي روايتهم لهَذَا الحَدِيث : "عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، حَدثنِي أبان" فارتفعت وصمة التَّدْلِيس . وَزعم ابْن عبد الْبر أَن هَذَا الحَدِيث لَا يَصح ؛ لضعف أبان بن صَالح ، وَهَذَا [2/309] تَعْلِيل سَاقِط ؛ فَإِن أبان هَذَا لم يُضعفهُ أحد ، وَهُوَ أبان بن صَالح بن عُمَيْر الْقرشِي مَوْلَاهُم أَبُو بكر الْمدنِي ، قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي "التَّهْذِيب" : أخرج لَهُ البُخَارِيّ تَعْلِيقا . وَوَثَّقَهُ ابْن معِين ، وَأَبُو حَاتِم ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَا بَأْس بِهِ . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي " الإِمَام " : وَثَّقَهُ المزكون يَحْيَى بن معِين ، وَأَبُو زرْعَة ، وَأَبُو حَاتِم الرازيان . وَقَالَ ابْن عبد الْحق - فِيمَا رده عَلَى ابْن حزم - : لم يجرح أَبَانَا هَذَا أحد فِيمَا أعلم . وَفِي هَذَا رد عَلَى قَول أبي مُحَمَّد بن حزم أَيْضا حَيْثُ قَالَ : أبان هَذَا لَيْسَ بالمشهور .
قلت : فتلخص من هَذَا كُله أَن الحَدِيث صَحِيح مَعْمُول بِهِ ، وَأما قَول ابْن عبد الْحق - فِيمَا رده عَلَى ابْن حزم - : إِن الحَدِيث غير صَحِيح ؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة ابْن إِسْحَاق ، وَلَيْسَ هُوَ عندنَا مِمَّن يحْتَج بحَديثه . فَلَا يقبل مِنْهُ ؛ لِأَن الْمَحْذُور الَّذِي يخَاف من ابْن إِسْحَاق زَالَ فِي هَذَا الحَدِيث
.