|
الحَدِيث الثَّامِن أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " اتَّقوا الْملَاعن " . [2/310] هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه فِي "سنَنَيْهِمَا" ، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي "الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ" من حَدِيث أبي سعيد الْحِمْيَرِي ، عَن معَاذ بن جبل - رَضي اللهُ عَنهُ - قَالَ : "سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : " اتَّقوا الْملَاعن الثَّلَاث : البرَاز فِي الْمَوَارِد ، والظل ، وقارعة الطَّرِيق " . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . قلت : وَكَذَا صَححهُ ابْن السكن حَيْثُ ذكره فِي "صحاحه المأثورة" وَفِي ذَلِك نظر ؛ فَأَبُو سعيد هَذَا قيل : لم يسمع من معَاذ فَيكون مُنْقَطِعًا . قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي : أَبُو سعيد هَذَا أرَاهُ لم يدْرك معَاذ بن جبل . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي " الإِمَام " : أَبُو سعيد قيل : لم يسمع من معَاذ . وَبِذَلِك جزم عبد الْحق فِي " الْأَحْكَام " ، وَعَن كتاب " التفرد " لأبي دَاوُد لما ذكر هَذَا الحَدِيث بِالطَّرِيقِ الْمَذْكُور قَالَ : لَيْسَ هَذَا بِمُتَّصِل . وَذكر ابْن الْقطَّان : أَن أَبَا سعيد هَذَا لَا يعرف فِي غير هَذَا الْإِسْنَاد وَلم يزدْ ابْن أبي حَاتِم فِي ذكره إِيَّاه عَلَى مَا أَخذ من هَذَا [2/311] الْإِسْنَاد وَذكره أَيْضا كَذَلِك من غير مزِيد ابْن عبد الْبر فِي " الكنى الْمُجَرَّدَة " قَالَ : فَهُوَ مَجْهُول . وَفِي "مُسْند أَحْمد" من حَدِيث ابْن لَهِيعَة حَدثنِي ابْن هُبَيْرَة ، أَخْبرنِي من سمع ابْن عَبَّاس يَقُول : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : " اتَّقوا الْملَاعن الثَّلَاث قيل : وَمَا الْملَاعن يَا رَسُول الله ؟ قَالَ : أَن يقْعد أحدكُم فِي ظلّ يستظل بِهِ ، أَو فِي طَرِيق ، أَو فِي نقع مَاء " . وَفِي "علل الدَّارَقُطْنِيّ " عَن قيس ، عَن سعد بن أبي وَقاص أَظُنهُ رَفعه قَالَ : " إيَّاكُمْ والملاعن : أَن يلقِي أحدكُم أَذَاهُ فِي الأَرْض فَلَا يمر بِهِ أحد إِلَّا قَالَ : من فعل هَذَا لَعنه الله !" ثمَّ قَالَ : رُوِيَ مَوْقُوفا ، وَهُوَ الْمَحْفُوظ . انْتَهَى . وَقد وَردت أَحَادِيث أخر فِي النَّهْي عَن البرَاز فِي أَمَاكِن ؛ فَفِي "صَحِيح مُسلم" عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : " اتَّقوا اللعانين . قَالُوا : وَمَا اللعانان يَا رَسُول الله ؟ قَالَ : الَّذِي يتخلى فِي طرق النَّاس أَو فِي ظلهم " . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ السكن "طَرِيق المسملين" بدل "النَّاس" . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان : "فِي طَرِيق النَّاس وأفنيتهم" . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد وَالْحَاكِم : " اتَّقوا اللاعنين . قَالُوا : وَمَا اللاعنان يَا رَسُول الله ؟ قَالَ : [2/312] الَّذِي يتخلى فِي طَرِيق النَّاس أَو فِي ظلهم" . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم قَالَ : وَقد أخرجه هُوَ عَن قُتَيْبَة . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ الْجَارُود فِي "الْمُنْتَقَى" : " اجتنبوا اللعانين قَالُوا : وَمَا اللعانان يَا رَسُول الله ؟ ! قَالَ : الَّذِي يتبرز عَلَى طَرِيق النَّاس أَو فِي مجْلِس قوم " . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ مَنْدَه : " اتَّقوا اللاعنين . قَالُوا : وَمَا اللاعنان يَا رَسُول الله ؟ قَالَ : الَّذِي يتخلى فِي طَرِيق الْمُسلمين أَو مجَالِسهمْ " قَالَ ابْن مَنْدَه : إِسْنَاده صَحِيح . وَفِي "الْمُسْتَدْرك" للْحَاكِم ، و"السّنَن الْكَبِير" للبيهقي ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : " من سل سخيمته عَلَى طَرِيق عَامر من طرق الْمُسلمين ؛ فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ " . قَالَ الْحَاكِم : صَحِيح إِسْنَاده . وَفِي "السّنَن الْأَرْبَعَة" - أَعنِي : "سنَن أبي دَاوُد" وَالتِّرْمِذِيّ [2/313] ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه ، و"مُسْند أَحْمد" ، و"مُسْتَدْرك الْحَاكِم" عَن عبد الله بن مُغفل مَرْفُوعا : " لَا يبولن أحدكُم فِي مستحمه ثمَّ يتَوَضَّأ فِيهِ ؛ فَإِن عَامَّة الوسواس مِنْهُ " . قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث غَرِيب ، وَقَالَ الْحَاكِم : حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم . وَأعله عبد الْحق بِمَا بَين ابْن الْقطَّان أَنه غلط من جِهَة النَّقْل . وَفِي "مُسْند أَحْمد بن منيع الْبَغَوِيّ" عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا : " من جلس عَلَى قبر يتغوط أَو يَبُول فَكَأَنَّمَا جلس عَلَى جَمْرَة " . إِسْنَاده ضَعِيف ، وَقد صَحَّ النَّهْي عَن فعل ذَلِك عَلَى الْقَبْر ، كَمَا سَيَأْتِي فِي كتاب الْجَنَائِز من حَدِيث جَابر : " نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يجصص الْقَبْر ، وَأَن يُبْنَى عَلَيْهِ ، وَأَن يقْعد عَلَيْهِ " قَالَ مَالك والهروي : المُرَاد بالقعود الْحَدث . وَقد خولفا فِي ذَلِك ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي الْموضع الْمَذْكُور . [2/314] وَفِي "ضعفاء الْعقيلِيّ" عَن ابْن عمر قَالَ : " نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يتخلى الرجل تَحت شَجَرَة مثمرة أَو ضفة نهر جاري " . فِي إِسْنَاده فرات بن السَّائِب قَالَ البُخَارِيّ : كُوفِي تَرَكُوهُ . وَفِي "كَامِل" ابن عدي ، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : " نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يتغوط الرجل فِي القرع من الأَرْض ، قيل : وَمَا القرع ؟ قَالَ : أَن يَأْتِي أحدكُم الأَرْض فِيهَا النَّبَات كَأَنَّمَا قُمْت قمامتها فَتلك مسَاكِن إخْوَانكُمْ من الْجِنّ " . فِي إِسْنَاده سَلام بن مُسلم قَالَ يَحْيَى : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ أَحْمد : مُنكر الحَدِيث . وَفِي "سنَن ابْن مَاجَه" عَن جَابر بن عبد الله مَرْفُوعا : " إيَّاكُمْ والتعريس عَلَى جواد الطَّرِيق وَالصَّلَاة عَلَيْهَا فَإِنَّهَا مأوى الْحَيَّات وَالسِّبَاع ، وَقَضَاء الْحَاجة عَلَيْهَا فَإِنَّهَا الْملَاعن " . إِسْنَاده صَحِيح . وَأخرجه أَحْمد فِي "مُسْنده" بِزِيَادَة فِيهِ . وفيهَا أَيْضا عَن سَالم بن عبد الله ، عَن أَبِيه " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى أَن [2/315] يصلى عَلَى قَارِعَة الطَّرِيق أَو يضْرب الْخَلَاء عَلَيْهَا أَو يبال فِيهَا " . فِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة وقرة ، وَضعفهمَا مَشْهُور ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي " علله " : رَفعه غير ثَابت . وَفِي "الْمَرَاسِيل" لأبي دَاوُد عَن مَكْحُول " نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يبال بِأَبْوَاب الْمَسَاجِد " . وفيهَا أَيْضا عَن أبي مجلز " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر عمر أَن ينْهَى أَن يبال فِي قبْلَة الْمَسْجِد " . وَسَيَأْتِي حَدِيث عبد الله بن سرجس فِي النَّهْي عَن الْبَوْل فِي الْجُحر ، حَيْثُ ذكره المُصَنّف ، وَحَدِيث الْبَوْل فِي المَاء الراكد بعد هَذَا . ولنذكر مَا وَقع فِي هَذِه الْأَحَادِيث من إِيضَاح غَرِيب وَضبط لفظ ؛ فَإِنَّهُ مُهِمّ فَنَقُول : الْملَاعن : مَوضِع اللَّعْن ، جمع ملعنة ، فَإِذا مر بِهِ النَّاس لعنُوا فَاعله . واللعانان : هما صاحبا اللَّعْن الَّذِي يلعنهما النَّاس كثيرا . وَمَعْنى رِوَايَة أبي دَاوُد وَالْحَاكِم "اتَّقوا اللاعنين" الْأَمْرَانِ الجالبان للعن ؛ لِأَن من فعلهمَا لَعنه النَّاس فِي الْعَادة ، فَلَمَّا صَارا سَبَب اللَّعْن أضيف اللَّعْن إِلَيْهِمَا ، قَالَ الْخطابِيّ : وَقد يكون اللاعن بِمَعْنى الملعون ؛ فالتقدير : اتَّقوا الملعون فاعلهما . وَأما البرَاز ؛ قَالَ الْخطابِيّ : هُوَ بِفَتْح الْبَاء هُنَا ، وَهُوَ الفضاء [2/316] الْوَاسِع من الأَرْض كنوا بِهِ عَن قَضَاء الْحَاجة كَمَا كنوا عَنهُ بالخلاء ، وَيُقَال : تبرز الرجل إِذا تغوط ، كَمَا يُقَال : تخلى إِذا صَار إِلَى الْخَلَاء . قَالَ : وَأهل الحَدِيث يَرْوُونَهُ : البرَاز - بِكَسْر الْبَاء - وَهُوَ غلط ، إِنَّمَا البرَاز - بِالْكَسْرِ - مصدر بارزت برازًا . وَكَذَا قَالَ ابْن بري وتابعهما عَلَى ذَلِك الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَى "الْمُهَذّب" وَقَالَ الشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ فِي "شرح الْمُهَذّب" : قَالَ غير الْخطابِيّ : الصَّوَاب البرَاز - بِكَسْر الْبَاء - وَهُوَ الْغَائِط نَفسه ، كَذَا ذكره أهل اللُّغَة . قَالَ : فَإِذا كَانَ البرَاز - بِالْكَسْرِ - فِي اللُّغَة هُوَ الْغَائِط ، وقد اعْترف الْخطابِيّ بِأَن الروَاة رَوَوْهُ بِالْكَسْرِ ، تعين الْمصير إِلَيْهِ . قَالَ : فَحصل أَن الْمُخْتَار كسر الْبَاء . وَقَالَ نَحوا من هَذَا فِي كِتَابه "تَهْذِيب اللُّغَات" . وَأما الْمَوَارِد : فَقَالَ الْخطابِيّ : هِيَ طرق المَاء وَاحِدهَا موردة . وَالْمرَاد بالظل : مستظل النَّاس الَّذين اتخذوه مقيلاً ومناخًا ينزلونه ويقعدون تَحْتَهُ ، وَلَيْسَ كل ظلّ يمْنَع قَضَاء الْحَاجة تَحْتَهُ فقد قعد [2/317] النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لِحَاجَتِهِ تَحت حائش النّخل ثَبت ذَلِك فِي "صَحِيح مُسلم" والحائش ظلّ بِلَا شكّ . وقارعة الطَّرِيق : أَعْلَاهُ . قَالَه الْأَزْهَرِي والجوهري وَغَيرهمَا ، وَقيل : صَدره . وَقيل : مَا برز مِنْهُ . وَكله مُتَقَارب . والسخيمة - بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر الْخَاء الْمُعْجَمَة - : هِيَ الْغَائِط . وضفة النَّهر - بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة ، وَتَشْديد الْفَاء الْمَفْتُوحَة - : شاطئه . قَالَه الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "الإِمَام" وَجزم الْجَوْهَرِي بِكَسْر الضَّاد ، وَحَكَاهُ مَعَ الْفَتْح ابْن الْأَثِير فِي "النِّهَايَة" . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين : والقرع - بِفَتْح الْقَاف وَالرَّاء الْمُهْملَة الْمَفْتُوحَة وَالْعين الْمُهْملَة - : الْكلأ الَّذِي فِيهِ قطع لَا نَبَات فِيهِ .
|