|
الحَدِيث التَّاسِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم " . [2/318] هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة - رَضي اللهُ عَنهُ - أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم الَّذِي لَا يجرى ثمَّ يغْتَسل فِيهِ " . وَقَالَ مُسلم : "يغْتَسل مِنْهُ" . وَله : " لَا يغْتَسل أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم وَهُوَ جنب . قَالَ : كَيفَ يفعل يَا أَبَا هُرَيْرَة ؟ قَالَ : يتَنَاوَلهُ تناولاً " . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَابْن حبَان : " لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم وَلَا يغْتَسل فِيهِ من الْجَنَابَة " . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة ، وَابْن حبَان ، وَالْبَيْهَقِيّ : " لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم ثمَّ يتَوَضَّأ مِنْهُ أَو يشرب " . قَالَ الإِمَام الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ : "لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الراكد" . [2/319] قلت : هَذِه الرِّوَايَة صَحِيحَة ، رَوَاهَا ابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة ، ثَنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر ، عَن ابْن عجلَان ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا ، بِاللَّفْظِ الَّذِي ذكره الإِمَام الرَّافِعِيّ سَوَاء . وَأخرجه أَحْمد فِي "مُسْنده" عَن عبد الرَّزَّاق ، عَن معمر ، عَن أَيُّوب ، عَن ابْن سِيرِين ، عَن أبي هُرَيْرَة - رَفعه - بِزِيَادَة : "ثمَّ يتَوَضَّأ مِنْهُ" . وَرَوَاهُ مُسلم فِي "صَحِيحه" من رِوَايَة جَابر - رَضي اللهُ عَنهُ - " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى أَن يبال فِي المَاء الراكد" . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من هَذِه الطَّرِيق ، وَلَفظه : " زجر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يبال فِي المَاء الراكد " وَهُوَ من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة عَن أبي الزبير عَنهُ . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "مُعْجَمه الْأَوْسَط" عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : " نهَى - أَو نُهي - أَن يَبُول الرجل فِي المَاء الدَّائِم أَو الراكد ، ثمَّ يتَوَضَّأ مِنْهُ أَو يغْتَسل مِنْهُ " . قَالَ الطَّبَرَانِيّ : لم يجوده عَن ابْن عون غير أبي عبد الرَّحْمَن الْمُقْرِئ . [2/320] قلت : وَلِهَذَا الحَدِيث طَريقَة أُخْرَى رَوَاهَا ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى ، نَا مُحَمَّد بن الْمُبَارك ، ثَنَا يَحْيَى بن حَمْزَة ، ثَنَا ابْن أبي فَرْوَة ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا : "لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الناقع " . وَطَرِيقَة أُخْرَى رَوَاهَا الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي كِتَابه "معرفَة الصَّحَابَة" من حَدِيث الْحَارِث بن يزِيد الْجُهَنِيّ - رَضي اللهُ عَنهُ - قَالَ : "كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ينْهَى أَن يبال فِي المَاء الْمُجْتَمع والمستنقع " . فَائِدَة : قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ "ثمَّ يغْتَسل فِيهِ" قَالَ النَّوَوِيّ فِي "شرح مُسلم" : الرِّوَايَة "يغْتَسل" مَرْفُوع ؛ أَي : لَا تبل ثمَّ أَنْت تَغْتَسِل مِنْهُ . وَكَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي كِتَابه "الْمُفْهم" أَن الرِّوَايَة الصَّحِيحَة : "يغتسلُ" مَرْفُوع اللَّام . قَالَ النَّوَوِيّ : وَذكر شَيخنَا أَبُو عبد الله بن مَالك أَنه يجوز أَيْضا جزمه عطفا عَلَى يبولن ، ونصبه بإضمار "أَن" وَإِعْطَاء "ثمَّ" حكم وَاو الْجمع . قَالَ : فَأمر الْجَزْم فَظَاهر ، وَأما النصب فَلَا يجوز ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَن الْمنْهِي عَنهُ الْجمع بَينهمَا دون إِفْرَاد أَحدهمَا ، وَهَذَا لم يقلهُ أحد ؛ بل الْبَوْل فِيهِ مَنْهِيّ عَنهُ سَوَاء أَرَادَ الِاغْتِسَال فِيهِ أَو مِنْهُ أم لَا . انْتَهَى كَلَام النَّوَوِيّ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : لَا يجوز النصب إِذْ لَا ينْتَصب بإضمار "أَن" بعد "ثمَّ" . قَالَ : والجزم لَيْسَ بِشَيْء إِذْ لَو أَرَادَ ذَلِك لقَالَ : ثمَّ لَا يغتسلن ؛ لِأَنَّهُ إِذْ ذَاك يكون عطف فعل عَلَى فعل لَا عطف جملَة عَلَى جملَة [2/321] وَحِينَئِذٍ يكون الأَصْل مُسَاوَاة الْفِعْلَيْنِ فِي النَّهْي عَنْهُمَا ، وتأكيدهما بالنُّون الشَّدِيدَة ، فَإِن الْمحل الَّذِي توارد عَلَيْهِ شَيْء وَاحِد وَهُوَ المَاء فعدوله عَن "ثمَّ لَا يغتسلن" دَلِيل عَلَى أَنه لم يرد الْعَطف ، وَإِنَّمَا جَاءَ "ثمَّ يغْتَسل" عَلَى التَّنْبِيه عَلَى حَال الْحَال ، وَمَعْنَاهُ : أَنه إِذا بَال فِيهِ قد يحْتَاج إِلَيْهِ فَيمْتَنع عَلَيْهِ اسْتِعْمَاله لما أوقع فِيهِ من الْبَوْل ، انْتَهَى كَلَام الْقُرْطُبِيّ . قَالَ شَيخنَا فتح الدَّين : وَالتَّعْلِيل الَّذِي علل بِهِ النَّوَوِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ امْتنَاع النصب ضَعِيف ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكثر من كَون هَذَا الحَدِيث لَا يتَنَاوَل النَّهْي عَن الْبَوْل فِي المَاء الراكد مفرده ، وَلَيْسَ يلْزم أَن يدل عَلَى الْأَحْكَام المتعددة بِلَفْظ وَاحِد فَيُؤْخَذ النَّهْي عَن الْجمع من هَذَا الحَدِيث وَالنَّهْي عَن الْإِفْرَاد من حَدِيث آخر .
|