الحَدِيث التَّاسِع وَالْعشْرُونَ
"إِن الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَثْنَى عَلَى أهل قبَاء - وَكَانُوا يجمعُونَ بَين المَاء والْأَحْجَار - فَقَالَ تَعَالَى : ( فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ) " .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو بكر الْبَزَّار فِي "مُسْنده" فَقَالَ : نَا عبد الله بن شبيب ، ثَنَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز قَالَ : وجدت فِي كتاب أبي عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عبيد الله بن عبد الله ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : " نزلت هَذِه الْآيَة فِي أهل قبَاء ( فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين ) فَسَأَلَهُمْ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالُوا : إِنَّا نُتبع الْحِجَارَة المَاء " .
[2/375] قَالَ الْبَزَّار : هَذَا الحَدِيث لَا نعلم أحدا رَوَاهُ عَن الزُّهْرِيّ إِلَّا مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز ، وَلَا نعلم أحدا رَوَى عَنهُ إِلَّا ابْنه .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "الإِمَام" بعد ذكر مَا تقدم : قَالَ ابْن أبي حَاتِم : قَالَ أبي : ثَلَاثَة إخْوَة ضعفاء : مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز هَذَا ، وَعبد الله بن عبد الْعَزِيز ، وَعمْرَان بن عبد الْعَزِيز ، وَلَيْسَ لَهُم حَدِيث مُسْتَقِيم .
قَالَ الشَّيْخ : وَرَوَى أَبُو الْحسن الصفار فِي "مُسْنده" من حَدِيث زَائِدَة ، عَن عبد الْملك بن عُمَيْر قَالَ : قَالَ عَلّي بن أبي طَالب : "إِنَّهُم كَانُوا يبعرون بعرًا وَأَنْتُم تثلطون ثلطًا ، فأتبعوا الْحِجَارَة بِالْمَاءِ " .
قَالَ : وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضا فِي "جمعه" لحَدِيث مسعر .
قلت : وَأخرج هَذَا الْبَيْهَقِيّ من جِهَة الصفار ثمَّ قَالَ : تَابعه مسعر عَن عبد الْملك ، وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق من حَدِيث الثَّوْريّ ، عَن عبد الْملك . وَسُئِلَ عَنهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ : اخْتلف فِيهِ ، فَقيل كَمَا مر ، وَقيل : عَن زَائِدَة ، عَن عبد الْملك ، عَن كرْدُوس ، عَن عَلّي . وَقيل : عَن جرير ، عَن عبد الْملك ، عَن رجل عَن عَلّي . وَقيل : عَن السّديّ ، عَن عبد خير . وَلَا [2/376] يثبت فِي هَذَا عبد خير . ثمَّ سَاقه من حَدِيث سُفْيَان ، عَن عبد الْملك ، عَن عَلّي .
قَالَ الشَّيْخ : وَيُقَال : بعَر الْبَعِير يبعَر - بِفَتْح الْعين فِي الْمَاضِي والمستقبل - وثَلَط - بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَفتح اللَّام أَيْضا - يثلِط - بِكَسْر اللَّام فِي الْمُسْتَقْبل - إِذا ألْقَى بعره رَقِيقا . انْتَهَى .
فرواية الْبَزَّار هَذِه مُوَافقَة لما أوردهُ الإِمَام الرَّافِعِيّ وَغَيره من الْفُقَهَاء ، وَقد ورد قَرِيبا من ذَلِك فِي عدَّة أَحَادِيث :
أَحدهَا : عَن يُونُس بن الْحَارِث ، عَن إِبْرَاهِيم بن أبي مَيْمُونَة ، عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " نزلت هَذِه الْآيَة فِي أهل قبَاء ( فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ) الْآيَة ، وَكَانُوا يستنجون بِالْمَاءِ ، فَنزلت فيهم هَذِه الْآيَة " .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْن مَاجَه ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : إِنَّه حَدِيث غَرِيب من هَذَا الْوَجْه . وَلم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد ، وَفِي إِسْنَاده رجلَانِ مُتَكَلم فيهمَا :
أَحدهمَا : يُونُس بن الْحَارِث الطَّائِفِي ، قَالَ أَحْمد : أَحَادِيثه مضطربة وَضَعفه . وَقَالَ النَّسَائِيّ : ضَعِيف . وَقَالَ يَحْيَى : لَا شَيْء .
[2/377] وَقَالَ فِي رِوَايَة : لَيْسَ بِهِ بَأْس ، وَيكْتب حَدِيثه . وَقَالَ ابْن الْقطَّان : عِنْدِي أَنه لم تثبت عَدَالَته ، وَلَيْسَ لَهُ من الحَدِيث إِلَّا الْيَسِير . قَالَه ابْن عدي ، وَنقل النَّوَوِيّ فِي " شرح الْمُهَذّب " عَن الْأَكْثَرين تَضْعِيفه
.
الثَّانِي : إِبْرَاهِيم بن أبي مَيْمُونَة، قَالَ ابْن الْقطَّان : هُوَ مَجْهُول لَا يعرف رَوَى عَنهُ غير يُونُس بن الْحَارِث قَالَ : وَالْجهل بِحَالهِ كَاف فِي تَعْلِيل الْخَبَر الْمَذْكُور .
قلت : إِبْرَاهِيم هَذَا ذكره الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي كتاب " التَّهْذِيب " وَقَالَ : رَوَى عَن أبي صَالح السمان ، رَوَى عَنهُ يُونُس بن الْحَارِث الطَّائِفِي ، وَلم يعقبه بِجرح ولا تعديل ، وَمَشى عَلَى ذَلِك تِلْمِيذه الْحَافِظ شمس الدَّين الذَّهَبِيّ فِي كِتَابيه " التذهيب " و " الكاشف " وَقَالَ فِي "الكاشف" و "الْمِيزَان" : مَا نعلم رَوَى عَنهُ سُوَى يُونُس هَذَا . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي " شرح الْمُهَذّب " : فِيهِ جَهَالَة . وَاعْترض صَاحب " الإِمَام" عَلَى ابْن الْقطَّان فِي دَعْوَاهُ جهالته بِأَن [2/378] قَالَ : إِبْرَاهِيم هَذَا ذكره أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي " ثقاته " فِي أَتبَاع التَّابِعين ، وَقَالَ : يروي عَن أبي صَالح عَن ابْن عمر ، رَوَى عَنهُ يُونُس بن الْحَارِث الطَّائِفِي ، وَهُوَ الَّذِي يروي عَن أبي صَالح ، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : "نزلت هَذِه الْآيَة : ( فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ) كَانُوا يستنجون بِالْمَاءِ ، فَنزلت هَذِه الْآيَة" .
وَهُوَ كَمَا قَالَ الشَّيْخ ، وَقد رَأَيْته بعد ذَلِك فِيهِ
، وَسُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن هَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ فِي " علله " : يرويهِ شهر عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا مُتَّصِلا مرّة ، وَأُخْرَى مُرْسلا ، وَمرَّة عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن سَلام عَن أَبِيه مَرْفُوعا ، وأرسله غَيره .
الحَدِيث الثَّانِي : عَن عُويم - بِضَم الْعين الْمُهْملَة ثمَّ وَاو ثمَّ يَاء مثناة تَحت ثمَّ مِيم - ابْن سَاعِدَة الْأنْصَارِيّ العقبي البدري - رَضي اللهُ عَنهُ - " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَتَاهُم فِي مَسْجِد قبَاء فَقَالَ : إِن الله قد أحسن عَلَيْكُم الثَّنَاء فِي الطّهُور ، فَمَا هَذَا الطّهُور الَّذِي تطهرون بِهِ ؟ قَالُوا : وَالله يَا رَسُول الله مَا نعلم شَيْئا إِلَّا أَنه كَانَ لنا جيران من الْيَهُود وكَانُوا يغسلون أدبارهم من الْغَائِط فغسلنا كَمَا يغسلوا " .
[2/379] رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي "مُسْنده" ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي "أَصْغَر معاجمه" ، وَالْحَاكِم فِي " الْمُسْتَدْرك " وَقَالَ : إِسْنَاده صَحِيح . وَعَزاهُ أَيْضا الْمَقْدِسِي فِي "أَحْكَامه" وَالشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "الإِمَام" وَغَيرهمَا إِلَى "صَحِيح ابْن خُزَيْمَة" أَيْضا ، ورأيته بعد ذَلِك فِيهِ ، وَفِي صِحَّته عِنْدِي وَقْفَة ؛ لِأَن فِي سَنَده : شُرَحْبِيل بن سعد الرَّاوِي عَن عويم ، قَالَ ابْن أبي ذِئْب : كَانَ مُتَّهمًا . وَقَالَ مَالك : لَيْسَ بِثِقَة . وَقَالَ ابْن معِين ، وَالنَّسَائِيّ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف . وَأما ابْن حبَان فَإِنَّهُ ذكره فِي "الثِّقَات " .
الحَدِيث الثَّالِث : عَن عتبَة بن أبي حَكِيم ، حَدثنِي طَلْحَة بن نَافِع ، أَخْبرنِي أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ ، وَجَابِر بن عبد الله ، وَأنس بن مَالك - رَضي اللهُ عَنهم - " أَن هَذِه الْآيَة نزلت ( فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين ) قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : يَا معشر الْأَنْصَار ، قد أَثْنَى الله [2/380] عَلَيْكُم فِي الطّهُور ، فَمَا طهوركم ؟" قَالُوا : نَتَوَضَّأ للصَّلَاة ، ونغتسل من الْجَنَابَة ، ونستنجي بِالْمَاءِ . قَالَ : فَهُوَ ذَاك ، فعليكموه " .
رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِهَذَا اللَّفْظ ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي "الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ" بالسند الْمَذْكُور ، وَلَفظه : " يَا معشر الْأَنْصَار ، إِن الله قد أَثْنَى عَلَيْكُم خيرا فِي الطّهُور ؛ فَمَا طهوركم هَذَا ؟ قَالُوا : يَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، نَتَوَضَّأ للصَّلَاة ، ونغتسل من الْجَنَابَة . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : هَل مَعَ ذَلِك غَيره ؟ قَالُوا : لَا ، غير أَن أَحَدنَا إِذا خرج من الْغَائِط أحب أَن يستنجي بِالْمَاءِ . قَالَ : هُوَ ذَاك " .
وَعتبَة بن أبي حَكِيم مُخْتَلف فِي توثيقه ، ضعفه ابْن معِين فِي أحد قوليه ، وَلينه أَحْمد وَضَعفه النَّسَائِيّ فَقَالَ مرّة : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ مرّة : ضَعِيف . وَفِي " الْمُغنِي " للذهبي عَنهُ أَنه قَالَ فِي حَقه : لَا بَأْس بِهِ . وَلم ينْقل هَذَا فِي "مِيزَانه" وَإِنَّمَا نقل عَنهُ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمين ، وَقَالَ [2/381] السَّعْدِيّ : غير مَحْمُود فِي الحَدِيث . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " سنَنه " فِي بَاب الرَّكْعَتَيْنِ بعد الْوتر : غير قوي . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : صَالح . وَقَالَ ابْن عدي : أَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ . وَلم يبين من ضعفه سَبَب ضعفه ، وَالْجرْح لَا يُقبل إِلَّا مُفَسرًا . وَنقل النَّوَوِيّ فِي " شرح الْمُهَذّب " عَن الْجُمْهُور توثيقه ، وَقَالَ الْحَاكِم فِي " الْمُسْتَدْرك " : هَذَا حَدِيث كَبِير صَحِيح فِي كتاب الطَّهَارَة ؛ فَإِن مُحَمَّد بن شُعَيْب بن شَابُور - يَعْنِي : الَّذِي رَوَاهُ عَن عتبَة وَهُوَ بالشين الْمُعْجَمَة - وَعتبَة بن أبي حَكِيم من أَئِمَّة الشَّام ، والشيخان إِنَّمَا أخذا مخ الرِّوَايَات ، وَمثل هَذَا الحَدِيث لَا يتْرك لَهُ ، قَالَ إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب : مُحَمَّد بن شُعَيْب أعرف النَّاس بِحَدِيث الشاميين . قَالَ الْحَاكِم : وَلِهَذَا الحَدِيث شَاهد بِإِسْنَاد صَحِيح . فَذكر حَدِيث عويم الَّذِي قدمْنَاهُ ، وَذكره ابْن السكن أَيْضا فِي "صحاحه " .
الحَدِيث الرَّابِع : عَن مُجَاهِد ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : " لما نزلت ( فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين ) بعث رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى عويم بن سَاعِدَة فَقَالَ : مَا هَذَا الطُّهْر الَّذِي أَثْنَى الله عَلَيْكُم بِهِ ؟ فَقَالَ : يَا نَبِي الله ، مَا خرج منا رجل وَلَا امْرَأَة من الْغَائِط إِلَّا غسل دبره - أَو قَالَ : مقعدته - فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : فَفِي هَذَا " .
رَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي " الْمُسْتَدْرك " بِهَذَا اللَّفْظ ثمَّ قَالَ : [2/382] هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم .
قلت : فِي إِسْنَاده ابْن إِسْحَاق وعنعنه ، لَكِن قَالَ الْحَاكِم : لَهُ شَاهد من حَدِيث أبي أَيُّوب . فَذكره بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ قَالَ : " قَالُوا : يَا رَسُول الله ، من هَؤُلَاءِ الَّذين قيل فيهم : ( فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين ) ؟ قَالَ : كَانُوا يستنجون بِالْمَاءِ وَكَانُوا لَا ينامون اللَّيْل كُله " .
الحَدِيث الْخَامِس : عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن سَلام قَالَ : " لما قدم النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - علينا - يَعْنِي : قبَاء - قَالَ : إِن الله قد أَثْنَى عَلَيْكُم فِي الطّهُور خيرا ؛ أَفلا تخبروني ؟ فَقَالُوا : يَا رَسُول الله ، إِنَّا نجد مَكْتُوبًا علينا فِي التَّوْرَاة : الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ " .
رَوَاهُ أَبُو بكر بن أبي شيبَة ، وَأحمد فِي مسنديهما عَن يَحْيَى بن آدم ، ثَنَا مَالك بن مغول ، سَمِعت سيارًا أَبَا الحكم غير مرّة يحدث عَن شهر بن حَوْشَب ، عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن سَلام بِهِ ، وَرَوَاهُ ابْن قَانِع فِي "مُعْجم الصَّحَابَة" بِهِ عَن سعيد بن عبدويه الصفار ، نَا أَبُو همام ، نَا عَنْبَسَة بن عبد الْوَاحِد ، عَن مَالك بن مغول ، عَن سيار أبي الحكم ، عَن شهر بن حَوْشَب ، عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن سَلام قَالَ : " لما قدم علينا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الْمَدِينَة قَالَ : إِن الله - عَزَّ وجَلَّ - قد أَثْنَى عَلَيْكُم فِي الطّهُور ، أَفلا تخبروني ؟ قَالُوا : نجده مَكْتُوبًا عندنَا فِي التَّوْرَاة : الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ " .
[2/383] وَرَوَاهُ بَعضهم عَن عبد الله بن سَلام ، عَن أَبِيه ، وَذكر أَبُو نعيم فِي كِتَابه " معرفَة الصَّحَابَة " الِاخْتِلَاف فِي ذَلِك وَاضحا ، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي " الإِمَام" : وَهُوَ مُخْتَلف فِي إِسْنَاده ، قَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَمِعت أَبَا زرْعَة يَقُول : الصَّحِيح عندنَا : مُحَمَّد بن عبد الله بن سَلام فَقَط ، لَيْسَ فِيهِ : عَن أَبِيه .
قلت : وَكَذَا أخرجه ابْن السكن فِي "سنَنه الصِّحَاح" ، وَقَالَ أَبُو نعيم فِي كِتَابه " معرفَة الصَّحَابَة " : وهم فِي هَذَا الحَدِيث جَعْفَر بن عبد الله السالمي ؛ فَرَوَاهُ عَن الرّبيع بن بدر ، عَن رَاشد الْحمانِي ، عَن ثَابت الْبنانِيّ ، عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي بن سلول قَالَ : " أَتَانَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : يَا معشر الْأَنْصَار ، إِن الله قد أحسن عَلَيْكُم الثَّنَاء فِي الطّهُور فَكيف تَصْنَعُونَ ؟ ..." فَذكر الحَدِيث وَصَوَابه مُحَمَّد بن عبد الله بن سَلام ؛ لِأَنَّهُ لَا يعرف لعبد الله بن أبي بن سلول ابْن اسْمه مُحَمَّد .
قلت : وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" من حَدِيث شهر بن حَوْشَب ، عَن أبي أُمَامَة ، فَهَذَا طَرِيق سادس ، وإمامنا الشَّافِعِي ذكره فِي الْأُم بِغَيْر إِسْنَاد فَقَالَ : وَيُقَال : إِن قوما من الْأَنْصَار استنجوا بِالْمَاءِ ، فَنزلت فيهم ( فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين ) .
[2/384] تَنْبِيه : اعْلَم أَن الشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ فِي "شرح الْمُهَذّب" عِنْد قَول الشَّيْخ أبي إِسْحَاق "وَالْأَفْضَل أَن يجمع بَين المَاء وَالْحجر ؛ لِأَن الله - تَعَالَى - أَثْنَى عَلَى أهل قبَاء ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : ( فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين ) فَسَأَلَهُمْ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : مَا طهوركم ؟ فَقَالُوا : نتبع الْحِجَارَة المَاء" : هَكَذَا يَقُوله أَصْحَابنَا وَغَيرهم فِي كتب الْفِقْه وَالتَّفْسِير . قَالَ : وَلَيْسَ لَهُ أصل فِي كتب الحَدِيث . قَالَ : وَكَذَا قَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد فِي "التَّعْلِيق" : إِن أَصْحَابنَا رَوَوْهُ . قَالَ : ولَا أعرفهُ . قَالَ النَّوَوِيّ : وَالْمَعْرُوف من طرق الحَدِيث أَنهم كَانُوا يستنجون بِالْمَاءِ ، وَلَيْسَ فِيهَا أَنهم كَانُوا يجمعُونَ بَين المَاء والأحجار ، ثمَّ ذكر من الْأَحَادِيث الَّتِي قدمناها حَدِيث أبي هُرَيْرَة ، وعويم ، وَأبي أَيُّوب ، ثمَّ قَالَ : فَإِذا علم أَنه لَيْسَ لَهُ أصل من جِهَة الرِّوَايَة فَيمكن تَصْحِيحه من جِهَة الاستنباط ؛ لِأَن الِاسْتِنْجَاء بِالْحجرِ كَانَ مَعْلُوما عِنْدهم وَأما الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ فَهُوَ الَّذِي انفردوا بِهِ وَلِهَذَا ذكر ، وَلم يذكر الْحجر ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَرك بَينهم وَبَين غَيرهم ، ولكونه مَعْلُوما ؛ فَإِن الْمَقْصُود بَيَان فَضلهمْ الَّذِي أَثْنَى الله عَلَيْهِم بِسَبَبِهِ . قَالَ : يُؤَيّد هَذَا قَوْلهم : "إِذا خرج أَحَدنَا من الْغَائِط أحب أَن يستنجي [2/385] بِالْمَاءِ" فَهَذَا يدل عَلَى أَن استنجاءهم بالماء كان بعد خُرُوجهمْ من الْخَلَاء ، وَالْعَادَة جَارِيَة بِأَنَّهُ لَا يخرج من الْخَلَاء إِلَّا بعد الْمسْح بِمَاء أَو حجر ، وَهَكَذَا يسْتَحبّ أَن يستنجى بِالْحجرِ فِي مَوضِع قَضَاء الْحَاجة وَيُؤَخر المَاء إِلَى أَن ينْتَقل إِلَى مَوضِع آخر . هَذَا آخر كَلَام النَّوَوِيّ . وَكَذَا قَالَ فِي غَيره من كتبه أَن الَّذِي اشْتهر فِي كتب الْفِقْه وَالتَّفْسِير من جمع أهل قبَاء بَين المَاء والأحجار بَاطِل لَا يُعرف . وَتَبعهُ الشَّيْخ نجم الدَّين بن الرّفْعَة فِي "الْمطلب" فَقَالَ : لَا يُوجد هَذَا فِي كتب الحَدِيث . وَقد تيَسّر - بِحَمْد الله وَمِنْه - إِخْرَاج الطَّرِيقَة الَّتِي أنكرها ، وَادَّعَى عدم أصالتها فِي كتب الحَدِيث وَأَنَّهَا لَا تلقى فِي كتب الْفِقْه وَالتَّفْسِير ، وَلَعَلَّه قلد فِي ذَلِك الشَّيْخ أَبَا حَامِد فِي قولته الْمُتَقَدّمَة ، لَكِن أَبُو حَامِد لم ينف وجوده ، وَإِنَّمَا نَفَى مَعْرفَته ، وَلَا يلْزم من نفي الْمعرفَة نفي الْوُجُود ، وَقَرِيب مِمَّا ذكره النَّوَوِيّ قَول الْحَافِظ محب الدَّين الطَّبَرِيّ فِي "شَرحه للتّنْبِيه" : كَذَا رَوَاهُ الْفُقَهَاء ، وَالْمَشْهُور فِي كتب الحَدِيث الْمَشْهُورَة خِلَافه .
وقد قدمناها نَحن لَك فِي أول مَا ذكر الرَّافِعِيّ ذَلِك عَن "مُسْند الْبَزَّار" تَصْرِيحًا لَا يحْتَمل تأولاً ، وَالشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن دَقِيق الْعِيد [2/386] هُوَ أول مُفِيد لذَلِك فَإِنَّهُ ذكره كَذَلِك فِي كتاب "الإِمَام" الَّذِي لَيْسَ لَهُ نَظِير فِي بَابه ، وَالنَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَعْذُور فِي ذَلِك فَإِنَّهَا طَريقَة غَرِيبَة عزيزة فِي خبايا وزوايا ، فَافْهَم مَا أوضحناه لَك ؛ فَإِنَّهُ مُهِمّ عَظِيم ، لَو طعنت فِيهِ أكباد الْإِبِل لَكَانَ قَلِيلا
.